الحداثة وما بعدها: حين يتكلم الفن بلغة التفكيك والسخرية في كتابه المرجعي “الحداثة وما بعد الحداثة في الفن”، يقدّم تشارلز جنكس وآخرون قراءة مثيرة لتحوّلات الفن البصري بين قرنين، حيث ينتقل الفن من الطهارة الشكلية إلى التهكم، ومن الأصالة إلى الاقتباس، في زمن صار فيه الجمال مشفّرًا بالسياسة، والذوق أداة أيديولوجية.كيف تغيّر مفهوم الفن؟ ومن أين جاءت تلك الأعمال الغريبة التي تمزج بين صورة علبة الحساء وشهرة مارلين مونرو؟ في كتابه الشهير، يُدخلنا تشارلز جنكس إلى قلب هذا التحول الحاسم من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، حيث يفقد الشكل براءته، وتصبح السخرية أداة تعبير أساسية.كتاب يرحل بنا في تحولات الرؤية والجمال لا يروي تاريخ الفن فقط، بل يفكك بُناه ويكشف أسئلته المؤجلة. لكل من يريد فهم الفن كما هو، لا كما نحب أن يكون.في عصر الصورة نعيش تحولات بصرية وثقافية بشكل سريع جدا، يبقى من الضروري الرجوع إلى مراجع نقدية قادرة على تفكيك تاريخ الأفكار الجمالية وتقديم منظور شامل لصيرورة الفن المعاصر. يُشكّل كتاب (Modernism and Postmodernism in the Visual Arts) أحد هذه المراجع المركزية، إذ يقدّم مقاربة مركّبة لتحولات الفن في القرن العشرين وما بعده، من خلال زاوية نقدية، معمارية، وسيميائية دقيقة.تمثّل الحداثة أزمة المعنى مشروعًا فكريًا شموليًا تأسّس على الإيمان بالتقدم، العقلانية، والقطيعة مع التراث، حيث انتقل الفن من التمثيل الواقعي إلى التجريد، ومن اللغة الجمالية إلى اللغة المفاهيمية.”الحداثة تقوم على فكرة التقدم، والأصالة، وتطهير الشكل.”كانت الحداثة تسعى إلى إيجاد جوهر “نقي” للفن، لكن هذه المحاولة لم تخلُ من تناقضات داخلية، أدت لاحقًا إلى تشظي المفهوم الفني وصعود الحس ما بعد الحداثي كاحتجاج على السلطوية الجمالية.ما بعد الحداثة: تعدد الأصوات والسخرية، فتُعرِّف ما بعد الحداثة نفسها ليس كمجرد لحظة تالية، بل كـنقد حاد لادعاءات الحداثة. لقد فقدت القيم الحداثية مثل “الأصالة” و”الصدق الفني” بريقها في خضم عالم معولم، رأسمالي، مفرط في الاستهلاك.”لا تُعرّف ما بعد الحداثة بأسلوب واحد، بل بموقف يتسم بالسخرية، والتعدّدية، والوعي التاريخي.”هنا، يتحول الفنان إلى “مفكّر بصري” يتلاعب بالرموز والاقتباسات، ويعيد تركيبها في سياقات غير متوقعة. تظهر هذه الروح في أعمال أندي وارهول، وجيف كونز، وباربرا كروغر، الذين يمزجون بين ثقافة النخبة وثقافة السوق الشعبية في أعمال هجينة، هجائية، وبالغة الإدراك الذاتي.الفن كعمارة: لغة الشكل ومعناه يُستعار من مفاهيم العمارة التفكيكية لفهم الفن. يرى جنكس أن الشكل المعماري -والفني تبعًا لذلك- ليس محايدًا، بل محمّل بالسلطة والمعنى والخطاب السياسي.”الشكل ليس محايدًا أبدًا – بل يحمل رموزًا أيديولوجية وثقافية.”وفقًا لهذا الطرح، يصبح الفن ما بعد الحداثي أداة تفكيك لا للبنية البصرية فقط، بل أيضًا للبنية المعرفية والثقافية التي تأسس عليها إدراكنا للفن.يتميّز الكتاب بأنه لا يقتصر على الرؤية التنظيرية، بل يعرض نماذج تطبيقية وأعمالًا فنية ضمن تحليل شامل. كما يقدّم خرائط ذهنية لمسارات الفن في القرن العشرين، ويدمج بين التاريخ والنظرية، الفن والنقد، والجمال والسياسة.”لفهم فن ما بعد الحداثة، لا بد من فهم البُنى السلطوية التي يقاومها ويعكسها.”يطرح الكتاب كذلك إشكاليات وتساؤلات مثل:-هل يمكن للفن أن يكون بريئًا؟-أين يبدأ الإبداع وأين ينتهي التكرار؟-من يملك سلطة التفسير: الفنان، أم المتلقي، أم المؤسسة؟لماذا أقدّم هذا الكتاب اليوم؟في عصر الذكاء الاصطناعي والفن الرقمي والمنصات البصرية العابرة للحدود، يعود كتاب “الحداثة وما بعد الحداثة في الفن” كمرجع حاسم لفهم كيف ولماذا تغيّر الفن، ومن ثم التفكير في ما إذا كنا نعيش اليوم ما بعد ما بعد الحداثة، أو حالة من الإرهاق الأسلوبي والمعرفي.الكتاب لا يعرض “تاريخ الفن” فحسب، بل يقدّم أدوات نقدية تُمكّن القارئ من تفكيك الصور، وفهم الخلفيات الأيديولوجية التي تُنتجها وتُعيد تدويرها.ختاما، الفن مرآة مشروخة للعصر، الكتاب عبارة عن بيان فكري ونقدي يضع القارئ أمام مرآة مشروخة: مرآة الفن بوصفه انعكاسًا وانفصالًا عن الواقع في آنٍ واحد. في وقت تتعاظم فيه الصور، وتقل فيه المعاني، يذكّرنا هذا الكتاب أن الفن الحقيقي ليس ما يُرضينا بصريًا، بل ما يزعجنا فكريًا، ويجعلنا نعيد التفكير في المسلمات.د. عصام عسيري رأيكم وتعليقاتكم تثريني ياغاليين💐الصور غلاف الكتاب وأعمال من حديث إبداعات #الفنانون_العرب #مقتنيات_خاصة#مجلة ايليت فوتو ارت…


