بدأت حكاية كافور الإخشيدي من مكان لم يكن أحد يتوقع أن يخرج منه حاكمٌ لمصر؛ من سوق النخاسة، حيث كان يُعرض العبيد للبيع، ويُساوم المشترون على أثمانهم كما تُساوم الأسواق على البضائع
كان كافور يومها عبدًا مجهول المصير، ينتظر أن يأتي من يشتريه ويقرر أين ستكون حياته الجديدة. وبينما كان يجلس إلى جانب أحد رفاقه من العبيد، دار بينهما حديث عن المستقبل، وسأل كل منهما الآخر: ماذا تتمنى؟
أجاب رفيقه ببساطة:
«أتمنى أن أُباع لطباخ، حتى آكل ما أشاء متى أشاء.»
كانت أمنية رجل أنهكه الجوع والحرمان، فلم يكن يتطلع إلى أكثر من الطعام والأمان.
لكن كافور أجاب إجابة بدت يومها أقرب إلى الخيال:
«أما أنا، فأتمنى أن أملك هذه البلاد.»
كان الرجلان عبدين في سوق يُحدَّد فيه ثمن الإنسان، لكن أحدهما كان يحلم بوجبة هانئة، بينما كان الآخر يرى نفسه حاكمًا لمصر.
لم تكن الطريق سهلة، ولم يتحقق الحلم بين ليلة وضحاها.
انتقل كافور إلى خدمة أحد قادة الجيش، وهناك بدأت مرحلة مختلفة من حياته. تعلّم الفروسية وفنون القتال، وأظهر قدرة لافتة على التعلم والانضباط، ثم أخذت مكانته ترتفع تدريجيًا.
وكان الإخشيد محمد بن طغج من أكثر من أدركوا قدراته، فقرّبه منه، ثم أعتقه وولّاه بعض المهام والمناصب. ومع مرور الوقت، أصبح كافور أحد أبرز رجال الدولة الإخشيدية، حتى غدا صاحب نفوذ واسع في مصر.
وبعد وفاة الإخشيد، لم يختفِ كافور من المشهد، بل ازداد نفوذه، وتولى إدارة شؤون البلاد، ثم أصبح الحاكم الفعلي لمصر، قبل أن يحمل لقب السلطان.
وهكذا وجد الرجل الذي كان يُباع في سوق النخاسة نفسه جالسًا على رأس واحدة من أهم دول المنطقة.
ولم تكن قوته في السيف وحده، فقد اشتهر بالحزم والقدرة على إدارة الدولة، وبنى نفوذه السياسي والعسكري حتى أصبح خصومه يحسبون له حسابًا كبيرًا. وتروي المصادر التاريخية أن نفوذه كان من العوامل التي أخّرت تمدد الفاطميين إلى مصر.
أما الأدب، فقد حفظ جانبًا آخر من سيرته؛ إذ ارتبط اسمه بالشاعر أبي الطيب المتنبي، الذي أقام في مصر فترة من الزمن ومدح كافورًا بقصائد شهيرة، قبل أن تتغير العلاقة بين الرجلين وينقلب المدح إلى هجاء.
وتبقى المفارقة الأبرز في قصة كافور: الرجل الذي بدأ حياته في قاع السلم الاجتماعي انتهى حاكمًا لبلاد كان يحلم بامتلاكها وهو لا يزال عبدًا.
قد تكون بعض التفاصيل التي تُروى عن قصته، ومنها الحوار داخل سوق النخاسة والعبارات المنسوبة إلى خصومه، قد تناقلتها كتب الحكايات والتراجم بصيغ مختلفة، لكن الثابت تاريخيًا أن كافور انتقل من الرق إلى موقع سياسي وعسكري بالغ القوة في مصر خلال القرن الرابع الهجري.
وهكذا تحولت أمنية قالها عبد في سوق النخاسة إلى واقع سياسي غيّر مسار حياته، لتبقى قصته واحدة من أكثر السير إثارة في التاريخ المصري الوسيط.

