قصص قصيرة بعنوان صور عائلية. لهوشنك_أوسي.

صور عائليَّة

1
على الضِّفَّةِ الأخرى مِنَ الغيومِ المحتشدةِ،
انعكستْ صورتُهُ.
كعادتهِ، ما يزالُ ينصبُ فخاخَهُ لطيورِ الغيب،
يُراقصُ غجريةً مِن تبغٍ وزبيب،
يرتشفُ قهوتَهُ، كمحاربٍ يستريحُ مِن غنائهِ.
يُلاطفُ غزالةً، ويُغازلُ نبعًا،
ثمَّ يُعاودُ بحثهُ عن وطنهِ.
ذلك عمِّي؛ ولات أوسي
الذي ابتلعتهُ الحربُ في جبال كُردستان.


2
يُناديني، كما ينادي الماضي حاضرَهُ.
يُداويني كمداواةِ الرِّيح جهاتَها.
يَرشدني إلى الحانةِ البيروتيَّة التي كان يَسْكَرُ فيها
مع أصدقائهِ السِّريان والأرمن.
يَتَّخذُ من أغنيةٍ لـ”دورا بندلي” وسادةً،
ومن أغنيةٍ لـ”عشياشان” خيمةً،
وينامُ في براري الدرباسيَّة
كعاشقٍ مهدورٍ دَمُهُ.
يُقاسمني سيجارته الأخيرةَ وكأسَهُ الأخير،
يوصيني بأمّي وأخوتي وجدَّتي،
ثمَّ يواصل انتحارَهُ.
ذلك هو أبي الذي ابتلعهُ خمرُهُ ودمعُ عشيقاته.


3
من بعيد، كحكايةٍ بعيدةٍ وشريدة،
يطلُّ على الرُّواةِ والمغنّين.
عمامتُهُ موغلةٌ في كرديّتها،
كجرح فخورٍ ، غائر في صدرِ الحقيقة.
يُحدِّقُ في أعين الحدودِ وحقولِ الألغامِ،
تحديقَ النَّسرِ في كبدِ الهاوية.
يحتالُ على الليل بمزاحهِ،
ويتحايلُ على آلامهِ بالمزيدِ من الاغتراب.
صمتُهُ لا يراعي حرمةَ الخوف.
صوتُه يرعى قطيعًا مِن الألغاز.
يعرفُهُ سجن “آمد” الرَّهيب،
وماخورها والمعابد،
وما زلتُ لا أعرفهُ.
ذلك كان جدّي الذي عذَّبتهُ الغربةُ،
وأجهزَ عليهِ سعالُهُ،
وتركَهُ حنينُهُ وديعةً في قلبِ دمشق.


4
ليس كأيِّ عابرٍ يجوبُ القصائدَ،
ولا كأيِّ بحَّارٍ فَقَدَ سفينتَهُ،
ليس كأيِّ “سيامند” قَتَلَهُ أيلٌ وألقى بهِ في قاعِ النّهاية،
بل كغصَّةٍ داميةٍ وحارقةٍ في حلقِ القدر،
يلوِّحُ بيدهِ اليُمنى،
شاتمًا متوعِّدًا بالثّأرِ والانتقام،
من وحشٍ تربَّصَ بهِ، يُقالُ لهُ السَّرطان.
ذلك الفتى، كان أخي “سيامند”،
ما يزالُ يلتقطُ لنفسهِ صورًا تذكاريّةً مع الحِملان والجِداء،
ويرعى قطيعًا من أوهام وأكاذيب الثَّورات.


5
على نولٍ من خشبِ الأساطيرِ، وبخيوطِ الفكاهة،
ما تزالُ تنسجُ مرويّاتها لنا،
عن يومِ القيامة،
عن حكاية “رستم زال”، “ميرزا محمد”، و”ضحكات السمكة”.
ترسل لثلوج “سرحد” ٩٠ غمزة بعينها اليمنى،
وباليُسرى ترسلُ عشر غمزات للموت.
كبدُها حديقةُ جراح.
قلبها سماءٌ من تعب.
صوتها كروم عنب.
أغوت جدي بكوب ماء،
وقلته بغنائها الأليم.
تلكَ جدّتي “كولي Gulê “
التي تدين لها أحزانها،
وأدين لها بخيالي
وغرورِ سرديّاتي.


6
تفتحُ كفِّيها للسّماء كحقلي قمح.
تعاتُبُ مرارةَ أقدارها.
يُفاتحُها ماضيها بالمزيد من الخيبات.
قلبها دامعٌ، وصمتها دامٍ.
أمُّ ليتامى الأرض ويتامى السَّماء.
ما تزالُ تقاتلُ، كي يعيشَ صغارها.
غيابها عن الشِّعر مؤقَّت.
غيابها عن الفرحِ أبديّ.
تلك أمُّي الرَّاقدةُ في المستشفى،
بين صلاتي العشاء والفجر.


لا يمكنني جمع عائلتي
في صورةٍ تذكاريّة واحدة.
عاجز عن ترحيلهم إلى أرشيف الفقد والخسارات.
لا الشِّعرُ يُسعفني،
لا المجازُ يوقظني،
ولا الدروب ما تزال دروبًا
يمكن الوثوق بها، كي تعيدني إليهم.
أعومُ في سماءٍ المدينةِ ومسائها
ولا اهتدي إليَّ.

#هوشنك_أوسي
أوستند – بلجيكا#متون الثقافة#مجلة ايليت فوتو ارت.

22/9/2024

أخر المقالات

منكم وإليكم