قصديّة توظيف الجسد في الرّواية النّسائيّة العربيّة، رائحة القرفة” للسورية سمر يزبك ننوذجا..دراسة تحليلية.

“رائحة القرفة”: في تَمَثُّلات الجسد منى ظاهر لطالما راودنا السّؤال الملحاح بشأن قصديّة توظيف الجسد في الرّواية النّسائيّة العربيّة، هل هدفه التّعرية والفضح بهدف شهرة الكاتبة ورواج عملها الأدبيّ؟ أم هدفه التّركيز على مواضيع إشكاليّة مجتمعيّة مرتبطة بقضايا المرأة في المجتمع الذّكوريّ؟ومن أجل ذلك، ارتأينا أن نقف عند توظيف الجسد الأنثويّ في رواية “رائحة القرفة” الصّادرة عن دار الآداب بيروت (2008) للكاتبة السّوريّة سمر يزبك، لما فيها من ميّزات متفرّدة ومغايرة.اللّغة الحسّيّة والتّفاصيل الدّقيقةإنّ لغة السّرد ترصد الأحاسيس والانفعالات عبر شعريّة تنساب بإيقاع موسيقيّ في بعض المشاهد، إذ تعتمد الكاتبة في بوح شخصيّاتها وسردها الحسّيّ على جُمل فعليّة واسميّة مكثّفة وقصيرة ما بين زمنَي الحاضر والماضي، لكنّ اعتمادها على الجمل الفعليّة يغلبُ على تلك الاسميّة.وتتأكّد لنا دراية الكاتبة بالمجال السّينمائيّ، لأنّها تبني مشاهد سرديّة تنتقل كعين الكاميرا على وجوه الشخصيّات وأجسادها ومكنوناتها من توجّسات وقلق وتوتّر. فمثلًا نجدنا أمام حنان الّتي تفكّر بخادمتها عليا الرّاحلة عنها، “وتشعر بالانقباض لغياب رائحتها. تفكّر لو أنّها كانت أقلّ قسوة، لو جرّتها من يدها، وأغلقت بابها، وصفعتها ثمّ بكت وتوسّلت لها كي تخبرها لماذا خانتها” (ص 103). ومن الملاحَظ أنّ استخدام الحواسّ واللّغة الحلميّة من شأنه أن يضيء عوالم الذّات بومضات شعريّة، بما في هذا الاستخدام من اعتماد كثيف للأصوات والألوان والرّوائح.  ففي مشهد موت أنْوَر زوج حنان، يظهر وكأنّ للموت رائحة تملأ المكان وتحاصر حنان، دلالة على فجيعة الحدث وبؤسه: ” تركض إلى الغرفة السّفليّة، تفتح الباب بهدوء، ترى زوجها في ثياب نومه، ورائحة تشبه رائحة الموت تعبق حوله” (ص 123).الحلميأتي الحلم كي يغذّي السّرد ويفعّله وفق معطيات الكينونة الأنثويّة، بوصفها ذاتًا تبحث عن أسئلتها الخاصّة داخل ذاتها وداخل جسدها. هذا الحلم مخبوء في الأمكنة المغلقة، وفي عزلة المرأة داخل غرفتها وداخل جسدها. ويأتي مباشرًا ويختلط بالكابوسيّة لدى الشّخصيّتين المركزيّتين حنان وعليا. كما يأتي كحلم الوعي واليقظة من خلال تداعي الصّور والذّكريات. والحلم يعبّر عن التّمرّد على الواقع والخروج عن المألوف، إذ تكتب عليا ذكرياتها في حيّ الرّمل الفقير، وترى في حلم يقظتها، إثر سرقتها لكتاب “ألف ليلة وليلة” من مكتبة السّيدين “أنّها حفيدة مدلّلة، ولديها جدّة تضع نظّارات مذهّبة، وتجلس قرب سريرها النّحاسيّ، تروي القصص، وتنقل حلمها إلى أرض الواقع، في آخر اللّيل” (ص 27- 28).كلمات ذات دلالة رمزيّةتستثمر الكاتبة عدّة كلمات متكرّرة تحمل دلالة رمزيّة، مثل: “خطّ الضّوء”، “الغرفة”، “الحمّام”، “السّرير”، “رائحة القرفة”، “الحذاء ذي الكعب العالي”. وقد تمّ استخدامها بما فيها من خصوصيّة نسائيّة ونسويّة بغية تسليط الضّوء على المغلق والجوّاني لدى الذّات الأنثويّة، حيث عزلتها وأمانها ومكانها السّرّيّ في فضاء البيت/ الحيّز الخاصّ. خطّ الضّوء: تتكشّف أحداث خفيّة بواسطة خطّ الضّوء الّذي تستخدمه الكاتبة في سردها ليكشف ظلمات عوالم مغلقة ومخبوءة من حياة حنان وعليا، حيث مكامن الوجع والألم، الشهوة والشّبق والانتقام، الحبّ والكراهية، الاستسلام والخيبة، الفقد والحنين وغيرها من المشاعر والهواجس الدّاخليّة التي تعتمل في نفسيهما، إضافة إلى حالات الجسد وصوره.هو خطّ الضّوء الّذي تبتدئ الكاتبة فيه روايتها: “إنّه خطّ الضّوء المائل!” (ص 7)، وهو يلعب دورًا بارزًا في تعرية حقائق مصيريّة في واقع نساء هذا المجتمع الدّمشقيّ على وجه الخصوص. والكاتبة تكتب فصول حكايتها بلا ترقيم أو بدون عنوان، وتكتفي بأن تفتتح بعض الفصول بحالة هذا الضّوء كأنْ يكون مائلًا أو نازلًا. ويتحوّل خطّ الضّوء إلى سوط يجلد جسد حنان في كابوسها ويعذّبها، لأنّ خطّ الضّوء في حقيقة الأمر هو الذي أنار لها الطّريق لاكتشاف فعل خيانة عليا وأنور. فتكون الأزمة، وتنقلب الأمور على رأس كلّ واحدة من الشّخصيّتين النّسائيّتين، “لكنّه خطّ الضّوء أيضًا، الّذي تحوّل في الكابوس، إلى سوط نار يجلدها حتّى يهترئ لحمها، وتنفر عظامها” (ص 19). عمدت الكاتبة إلى إبراز المونولوغ الدّاخليّ بخطّ مشدّد الغرفة: هي ثيمة في الكتابة النّسائيّة. وهي تعتبر هنا بيتًا وملجًَا وحرّيّة وأمانًا للعيش ولممارسة طقوس الجسد واستنطاق رغباته، بعيدًا عن رقابة المجتمع وممنوعاته. ويمكن التنبّه إلى أنّ الغرفة في بيئة عليا مختلفة عن الغرفة في بيئة حنان، فهي انتقلت من عيشها البائس إلى بيئة ذات حُسن حال. فها هي عليا تعود إلى غرفتها الحاضنة لكلّ رغباتها ولكلّ مخطّطاتها للألعاب مع السّيّدين، تدخّن سيجارًا طويلًا “أزاحت السّتارة الشّفافة. كان المكان مظلمًا، وعدا الإنارة الخافتة الّتي تزيّن الحديقة، لم يبدُ أنّ هناك عالمًا خارج الجدران” (ص 151). الحمّام: يحيل فضاء الحمّام إلى ملجأ المرأة، حيث تمارس الذّات طقوسها واستكشاف وجوهها المتعدّدة في مرآة عزلتها. والحمّام يتحوّل في الرّواية إلى رمز الأمان والانكشاف على الذّات والجسد بكلّ حالاته وطقوسه، إضافة إلى إلغاء الخارج بكلّ سطوة رقابته وممنوعاته وعنف قمعه. والحمّام له خصوصيّة عند النّساء في الحمّام الشّعبيّ، يظهر ذلك في مشهد حمّام العروس جارة حنان، حيث تفاصيل أجساد النّساء. كما يَستعرض أهل العروس جسد ابنتهم، ليغدو محلّ فحص النّساء الأخريات اللّاتي يقرصنها ويهلّلن لها ويتخيّلنها في سرير العريس: “تجلس إلى جانب الجرن الحجريّ، واثنتان من النّساء العاملات تفركان ظهرها، وأمّها تدور بمبخرة تتصاعد منها روائح تختلط بروائح الأجساد وصابون الغار وزيوت الشّعر” (ص 116).إضافة إلى أنّ الحمّام في بيت عليا، يشكّل مكانًا لممارسة العنف كالاغتصاب والعقاب، فها هو الوالد يقوم بضرب عليا وأخيها الصّغير بحزامه الجلديّ، “ويضعهما في الحمّام قرب الحفرة السّوداء” (ص 131). السّرير: من علامات فضاء الغرفة. ومن الملاحظ أنّ السّرير عند عليا، في بيت حنان، هو أمانها من واقعها البشع في بيئتها، كما جاء على لسان السّارد: “السّرير أكثر من مناسب للشّعور بالأمان الّذي عوّضها عن اللّيالي البشعة في حيّ الرّمل” (ص 144). كما أنّه يمثّل عالمها الصّغير الّذي يعكس رغبتها في الانتقام والتّمرّد على واقعها الفقير والضّعيف، فتستخدم جسدها لتمارس إغواءها واستفزازها لجسد الآخر المتمثّل بسيّدتها وسيّدها. حتّى إنّها باتت تفكّر “أنّها تستطيع التهام الرجال والنّساء بالرّغبة والقّوة نفسها. تعلّمت ما يكفي!” (ص 145). “تمزج الرّواية الحدث الآنيّ بالحدث المسترجع من الذّاكرة عبر تقنيّة الاسترجاع – الفلاش باك. فيغدو السّرد النّسائيّ محفلًا لحكايات فرعيّة مولودة من الحكاية المركزيّة”رائحة القرفة: الرّواية مليئة بالرّوائح العطرة، كالزّيوت والعطور والشّاي بالقرفة. إضافة إلى الرّوائح الفاسدة المرتبطة بالتقزّز والقبح كالزّبالة والعفونة. تطغى رائحة القرفة المنبعثة من العنوان وتستمرّ في مسار السّرد، كي تفتح مسامات الأجساد النّسائيّة وذكرياتها الأنثويّة. فهذه القرفة السّاخنة طعمها النفّاذ يشي بلذّة ولسعة، وهي بحسب الموروث الشّعبيّ والتّداوي بالأعشاب تجعل المرأة مهتاجة. كما ينصح بأن تشربها الأمّ الوالدة حديثًا لما فيها من فوائد في درّ الحليب لإشباع وليدها.وغدت رائحة القرفة تمثّل ارتباط حنان وعليا؛ حنان “تتشمّم رائحة شراشف اللّيلة الماضية، رائحة القرفة” (ص 12).الحذاء ذو الكعب العالي: الحذاء العالي هو واحد من أحذية حنان، تنتعله عليا الّتي لم تمتلك أيّ حذاء، وهي خارجة من فيللا السيّدين لتسير راجعة نحو حيّ الرمل. هذا الحذاء يمثّل حياة عليا وهي بصحبة حنان، وهي تخلعه ثمّ تعاود انتعاله كلّما ابتعدت، وكأنّها متردّدة، وتريد الرّجوع إليها رغم أنّها طردتها. فها هي تضع حقيبتها جانبًا، تنتقي حجرًا وتعيد تثبيت مسمار الكعب، ترتدي الحذاء المخلخل. تستأنف سيرها بحذر. وتتذكّر أنّ حنان نفسها لم تمنحها سوى أحذية خاصّة للبيت وللخدمة، وكانت تنتعل حذاء البيت في الأوقات النّادرة التي اضطرّت فيها للخروج. وتدرك لاحقًا أنّ عدم منحها أيّ حذاء للخروج، كان لأنّ حنان اعتبرتها “سجينة وخادمة نزواتها، ولا تريدها أن تغادر الفيللا أبدًا” (ص 164). ورغم حنين عليا لأيّامها مع حنان، إلّا أنّها تهزّ كتفيها وتكمل سيرها مبتعدة.المونولوغ الدّاخليّالمونولوغ أو الحوار الدّاخليّ يرتكز معظم السّرد عليه، ليعبّر عن نفسيّة الشّخصيّة وأفكارها وصراعاتها ومشاعرها الدّفينة. وبهذا الاشتغال نجحت الكاتبة في الاقتراب من الذّات الأنثويّة التي تعايش شرذمتها، والتّركيز على صوت المرأة المنسيّ والغائب والمغيّب. وقد عمدت الكاتبة إلى إبراز المونولوغ الدّاخليّ بخطّ مشدّد غالبًا حينما يدلّ على أنّ حنان تتحاور مع نفسها، أو مع واحدة من نساء مرآتها اللّاتي يظهرن لها، يقفنَ أمامها، ويمثّلنَ داخلها وصوت لا وعيها الّذي يحكي عن مشاعرها وأفكارها وهواجسها وصراعاتها.وبشأن الحوار مع امرأة من المرآة، يكون الضمير هو المخاطب المفرد المؤنّث، لكن يمكن اعتباره ضمير المتكلّم المؤنّث، لأنّه لسان حال حنان نفسها. ففي أحد المشاهد، تلمح حنان في مرآتها امرأة أخرى تشبهها، تهمس لها هذه المرأة بصوت يشبه الفحيح ليشي بوساوس مخيفة: “ولكن هل تكذبين على نفسك؟ أنت تشعرين بالغيرة عليها. خادمة لا أصل لها، ولا نسب. جعلتك تكلّمين نفسك” (ص 21).الاسترجاع الزّمنيّتمزج الرّواية الحدث الآنيّ بالحدث المسترجع من الذّاكرة عبر تقنيّة الاسترجاع – الفلاش باك. فيغدو السّرد النّسائيّ محفلًا لحكايات فرعيّة مولودة من الحكاية المركزيّة الّتي تمثّل النّواة، حيث يستند تحليل النّسيج الرّوائيّ لـ”رائحة القرفة” إلى لحظة انشطاريّة في الحكاية الرّئيسيّة وهي اكتشاف حنان لخيانة عليا لها وطردها من بيتها. وعبر هذه اللّحظة الحاسمة، يبدأ الاسترجاع لتتفجّر حكايات موازية تؤثّث فضاء السّرد، وتتوغّل بالقارئ في جوانب معتمة ومركّبة من حياة الشّخصيّتين، فتعود كلّ واحدة منهما إلى ماضيها بظروفه المتباينة وما فيه أيضًا من تقاطع، لتتوزّع فصول الرّواية بين حنان وعليا بشكل يكاد يكون متساويًا. وينكشف القارئ على ماضي هاتين الشّخصيتين وحاضرهما، وخبايا مجتمعهما الّذي يتأرجح بين بيئتيهما المتمثّلتين بغنى فاحش في العاصمة دمشق، وبفقر مدقع في الأحياء والمخيّمات والعشوائيّات الممتدّة حتّى العاصمة.خاتمةإنّ القراءة المتعمّقة للرّواية لا تخطئ جانب الاشتغال الرّصين على الموضوع بأساليب تنتصر لقيمة الكتابة، حيث هاجس القيمة الجماليّة مصاحب بالتّوازي لفعل السّرد الكاشف والمُعَرّي للذّات. ومن الملاحظ أنّ الكاتبة نجحت بالتمرّد على اللّغة المجتمعيّة السّائدة، ومن صور هذا التّمرّد النّظرة للجسد الأنثويّ، فقد أدخلت صورة هذا الجسد في صراع بين الثّقافة الذّكوريّة واشتراطاتها، وبين كينونته الّتي لا تفصل الروح عن الجسد، في محاولة لحسم العلاقة بين جسد المرأة وذاتها، وليتمّ النّظر إلى هذا الجسد كهويّة إنسانيّة متكاملة يكون فيها كاملًا حسّيًّا وجماليًّا ومعرفيًّا.ولغة الرّواية وطرائقها الفنّيّة والأسلوبيّة الّتي تمّ استخدامها في تناول العوالم المختلفة للجسد، جعلت الرواية تنأى عن السّقوط في فخّ الإثارة المبتذلة، وإنْ كان نزوعها الشّبقيّ واضحًا. فالجسد بكلّ صوره وحالاته هو موضوع للسّرد، وموضوع للوصف والتّذكّر والنّبش والحوار. كما أنّ الجسد موضوع للّغة أيضًا، فمنه تخلق الكاتبة لغة ذات تركيب جديد لا يتمّ إدراكه إلّا في علاقته بما يتولّد عن هذا الجسد من سلوكيّات وإيماءات.

صحيفة العربـ ـمجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم