دمية كافكا* في درب غلف
القاص الساخر الحسين قيسامي أفرغ دكانه القديم بدرب غلف، فوجد دمية والكثير من الأثاث والتذكارات التي يجب فرزها قصد البيع. كانت الدمية مصنوعة من السيليكون الصلب اللين، محبوسة ومقيدة بسلسلة من الحديد داخل الدكان، تماما كمشاهد بعض أفلام الرعب، وتتميز بنظرة جانبية خفيفة.فك قيودها ومسح وجهها منظفا لباسها؛ فستانها الأرجواني المخطط المصمم بشكل انسيابي وفضفاض ذو أكمام قصيرة. وفي شق غير ملحوظ داخل الدمية، وجد رسالة محشورة تقول:”أنا دمية كافكا المختفية. لقد اختطفوني من يدي طفلة كافكا وقيدوني بالحبال داخل شوال بلاستيكي وباعوني في سوق درب غلف.”كان كافكا يسير بتثاقل بين الرفوف المغبرة في سوق درب غلف للسلع المستعملة، عندما توقفت عيناه فجأة عند دمية ذات شعر أشقر. تسمر في مكانه للحظة، وشعر وكأن قلبه توقف عن النبض؛ كانت الدمية مطابقة تماما لتلك التي وصفتها الطفلة في قصته قبل أن تختفي.يتميز سوق درب غلف بأجوائه الشعبية؛ أصوات حية تعكس حركية التجارة، حيث ينادي الباعة بأسعار الخضروات (“بطاطا/مطيشة بـ 5 دراهم”)، ويصدح بائعو السردين بجودة سمكهم (“السردين طري… جديد ورخيص”)، بينما يتبادل الباعة والسلطات النقاش حول التنظيم.بيدين مرتجفتين، مد كافكا يده والتقط الدمية. ضغط على صدرها بحذر، كما كان الأطفال يفعلون مع الألعاب التي تصدر أصواتا مسجلة، وفجأة دوى صوت طفولي في الصمت:”الحوت… السردين…. الدلاح…. مطيشة… الجلبان… الدار البيضاء… طنجة باقي بلاصة…. القصر الكبير… الناظور…”لم يتردد كافكا، وكتب آخر رسالة:”أنا الآن من دون روح، من دون إحساس، ومن دون أي شيء! لم أشعر يوما أنني بحاجة أحد كما أشعر الآن! سأضرب “بيصارة” عند الحاج المعطي! “وميحس بالمزود غير لي مضروب بيه! وداعا….” ***** ********* * إضاءة من الكاتب: في سن الأربعين، وأثناء نزهته في حديقة برلين، التقى كافكا بصبية تبكي لأنها فقدت دميتها. بحث معها عنها دون جدوى، فحاول تهدئتها وطلب منها انتظاره حتى الغد ليبحثا مجددا. عندما لم يعثرا عليها، كتب كافكا رسالة على لسان الدمية يقول فيها: «أرجوك عزيزتي لا تبكي، فقد ذهبت في رحلة لاستكشاف العالم. سأكتب لك عن مغامراتي». هكذا تشكلت قصة الدمية المفقودة التي رافقته طوال حياته، وكانت عبارة عن سلسلة رسائل تفيض حنانا وكأنها أم تهدهد طفلتها لتنام مطمئنة. وذات لقاء أخبرها أنها قد عادت أخيرًا، ظلت الفتاة تقفز في الهواء فرحًا حتى اعطاها دمية اشتراها، فوقفت وقالت: “لكن، ليست هذه دميتي”.فَذكرها كافكا برسالة الدمية الأخيرة وانها كتبت تقول بأن رحلاتها غيرتها تمامًا.# كتاب القصة القصيرة# مجلة ايايت فوتو ارت


