عبثية الانتماء وصراع المعنى في قصة “المباراة”
قراءة نقديةبقلم د٠ سحر سعيد
تضعنا قصة “المباراة” للدكتور أحمد حافظ أمام مشهد يبدو مألوفًا في ظاهره، لكنه سرعان ما ينكشف عن بنية رمزية عميقة، تتجاوز حدود الحدث الرياضي لتغوص في إشكاليات الوعي الجمعي، والانتماء الأعمى، وغياب المعنى.منذ السطر الأول، لا يقدّم الكاتب مجرد حكاية عن أب وابنه في مباراة كرة قدم بين الأهلي والزمالك، بل يضعنا داخل مختبر اجتماعي مكثّف، حيث تتعرّى السلوكيات البشرية تحت ضغط الحماسة والانتماء.أولًا: القصة كمرآة للوعي الجمعيالملعب في هذه القصة ليس مجرد مكان، بل هو صورة مصغّرة للمجتمع. فالتشجيع الذي يتحول سريعًا إلى سبّ، يعكس هشاشة الوعي، حيث يتحول الانتماء من قيمة إيجابية إلى أداة للعداء.إن الجماهير هنا لا تمارس التشجيع، بل تمارس “الإقصاء”، وكأن وجود الآخر يهدد وجودها. وهنا ينجح الكاتب في فضح آلية نفسية خطيرة: حين يتحول الانتماء إلى تعصّب، يفقد الإنسان إنسانيته لصالح الجماعة
.ثانيًا: الأب بوصفه صوت العقل المغتربيبرز الأب كشخصية محورية تحمل بعدًا رمزيًا واضحًا. فهو لا ينتمي إلى هذا الصخب، بل يحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها الأخلاقي. تنقله بين الجمهورين ليس حركة جسدية فقط، بل هو انتقال بين طرفي الصراع، محاولة يائسة لبناء جسر إنساني وسط الانقسام.لكن فشل محاولاته ليس فشلًا فرديًا، بل هو إدانة جماعية. فالمجتمع الذي لا يستجيب لصوت العقل، هو مجتمع فقد القدرة على الإصغاء.الأب هنا يمثل “الوعي المغترب”، ذلك الصوت الذي يبدو غريبًا وسط الضجيج، وكأن الحكمة لم تعد مفهومة في زمن الصراخ.
ثالثًا: الابن… جيل السؤال لا الإجابةرغم أن الابن يبدو في البداية مجرد دافع للأحداث، إلا أن دوره يتجاوز ذلك في النهاية. فالسؤال الذي يُطرح في ختام القصة ليس بسيطًا، بل هو سؤال وجودي يهزّ بنية النص:”من هؤلاء الذين يسبون بعضهم؟ ولماذا من في الملعب يجرون وراء الكرة؟”هذا السؤال يكشف عن فجوة عميقة بين الفعل ومعناه. فالجماهير تسب دون أن تعرف لماذا، واللاعبون يركضون خلف الكرة وكأنها غاية في حد ذاتها، لا وسيلة.هنا يتحول السؤال إلى أداة تفكيك، يعيد من خلالها القارئ النظر في مسلّماته، ليس فقط في الرياضة، بل في الحياة بأكملها.رابعًا: عبثية المشهد… حين يصبح الواقع مسرحًا تحمل القصة في طياتها بعدًا عبثيًا واضحًا، حيث تتكرّر الأفعال بلا معنى، ويتحوّل المشهد إلى دائرة مغلقة من السلوكيات غير المبررة.الجمهور يسب، الأب يحاول، يفشل، ثم ينتهي كل شيء دون تغيير. وكأن الكاتب يقول:نحن لا نعيش الحدث… بل نعيد إنتاجه.إنها عبثية تشبه الحياة حين تُفقد بوصلتها، فيصبح الصراع هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة لتحقيق شيء.خامسًا: النهاية الصادمة كإعادة تعريف للواقعالنهاية في هذه القصة ليست مجرد خاتمة، بل هي لحظة انكشاف. فالسؤال الذي يطرحه الأب على ابنه، يحمل في داخله دهشة حقيقية، وكأنه يرى المشهد لأول مرة.هذه النهاية تعيد تشكيل النص بالكامل، وتجعل القارئ يعيد قراءة كل ما سبق من زاوية جديدة. فهي لا تقدّم إجابة، بل تفتح بابًا واسعًا للتأمل:هل نحن نفهم ما نفعل؟أم أننا فقط… نشارك؟رؤية نقدية ختاميةتنجح قصة “المباراة” في تقديم نموذج مكثف للقصة القصيرة التي تعتمد على الرمز، والاختزال، وعمق الفكرة. فهي لا تتحدث عن مباراة كرة قدم بقدر ما تتحدث عن الإنسان حين يفقد وعيه داخل الجماعة.إنها قصة تضعنا أمام أنفسنا، وتكشف ذلك التناقض الصارخ بين ما نفعله وما نؤمن به.وربما تكمن قوتها الحقيقية في هذا السؤال الذي تتركه معلقًا في أذهاننا:هل نحن نشجع… أم نُعاد تشكيلنا دون أن نشعر؟# مسرح الشارع# مجلة ايليت فوتو ارت..


