قراءة من رواية ” تواتر الأرواح “
مقتطف من الفصل الأول
الخيط الأول
لمن يحبون القراءات الطويلة والهادئة، أشارككم مقتطف من الفصل الأول من الرواية؛ حيث تبدأ الحكاية من سؤال يبدو بسيطاً:
هل يبدأ الإنسان من نفسه وحدها، أم يحمل في داخله حياة الذين مرّوا به؟
” الليل ينسحب ببطء. المدينة مستسلمة لرماديةٍ خافتة، والبحر خلف زجاج النافذة ساكنٌ على غير عادته. وحده خرير النهر كان يشق ذلك السكون وهو ينساب نحوه في صمتٍ قديم، حتى ليُخيَّل أن أحدهما يكمل الآخر؛ كأنهما استنزفا طاقتهما في عواصف مضت.
جلس قرب النافذة متدثراً بالعتمة. لم ينتظر وجهاً أو حدثاً محدداً؛ لكنه تلمّس وطأة شيءٍ يقترب منه بهدوء؛ نداءً صامتاً يتغلغل في أعماقه.
وفي الأسفل، بدت الشوارع خاوية يلفّها الصمت. سيارةٌ متأخرة تعبر الهوينا؛ ينعكس ضوءُ مصابيحها فوق الإسفلت المبلَّل ثم يخبو سريعاً، وضوءٌ شاحب يلوح في نافذةٍ قاصية، ورجلٌ يخطو وحيداً تحت بقايا مطرٍ متقطع.
كل التفاصيل اعتيادية؛ لكنّ شيئاً ما في هدوء هذه الليلة بدا كأنّه يمهّد لتصدّع جدار ركودٍ دام سنين.
ثبّت نظره على ملامحه المنعكسة على الزجاج؛ فلم يرَ مجرد وجهِ رجلٍ نال منه التعب؛ بل أبصر وجوهاً شتى تتوالى خلف ملامحه: وجه أمه الراحلة، وملامح أبيه، وطيف صديقٍ غابر، ووجه امرأةٍ غامضة انبعثت صورتها من ركام الذاكرة.
قبض بكفّيه على جانبي المقعد القديم؛ مستشعراً في أوج عزلته أن المرء لا يكون بمفرده مطلقاً. ثمة مَن يسكن داخله؛ مَن أودعوا فيه كلماتهم، ومخاوفهم، وحنانهم الفطري، ونظرتهم إلى العالم.
سحب المفكرة التي اعتاد أن يرمي فيها شتات أفكاره في ليالي الأرق الطويلة، ووضعها أمامه على الطاولة. ظلّ القلم معلقاً بين أصابعه مليّاً دون حراك. ومن خلف الزجاج، ارتطمت قطرةٌ متأخرة بحافة الشرفة، ثم عاد الصمت؛ كأن المدينة كلها تحبس أنفاسها معه. كسر بياض الورقة بجملةٍ واحدة:
— ربما لا يبدأ الإنسان من نفسه وحدها.
أعاد قراءة السطر؛ وتوقفت أنفاسه للحظة. أغلق المفكرة ونهض؛ لم ينوِ الخروج في تلك الساعة، بيد أنّ قدميه قادتاه إلى الباب. ثمة قراراتٌ لا تصيغها العقول؛ بل تنبثق من غياهب الروح، وتفرض نفسها قبل أن يستوعبها المرء.
ألقى معطفه على كتفيه، واتجه نحو الباب. أغلقه خلفه؛ فبدت الغرفة، للمرة الأولى، أكثر وحشةً مما تركها.
استقبله هواء الليل البارد. كان المطر قد انقطع منذ قرابة الساعة؛ بيد أن الأرصفة المبللة احتفظت ببريقها اللامع الذي يمنح الليل عُمْقاً غامضاً وشجياً. وكانت قطرات الماء العالقة على أغصان الأشجار تهوي بين الحين والآخر؛ كأن المطر لم يقتنع تماماً بالرحيل.
بدت المدينة الساحلية كأنها تنفض عنها بقايا ليلة عاصفة. أضواء المتاجر المنعكسة على الإسفلت المبلل، الريح الندية القادمة من البحر، ورائحة القهوة الممتزجة بالملح والرطوبة، وظلال العابرين الذين يتقاسمون عتمة الشوارع بصمت؛ كل شيء حوله كان يشي بأن للعالم حياة أخرى تولد بعد منتصف الليل.
مضى واضعاً يديه في جيبي معطفه، يجرُّ خلفه غربةً نمت واستقرّت في روحه منذ أن فقد القدرة تماماً على تزييف الوجوه، أو البقاء قريباً من الآخرين لزمن طويل. منذ أعوام، هجر أعماله وترك كل ما يربطه بصخب البشر؛ لم يأتِ القرار وليد فشل ذريع، أو خسارة مدوية، بل حدث الأمر بتدرج بطيء، كمدن قديمة تنطفئ مصابيحها واحداً تلو الآخر دون أن ينتبه إلى عتمتها أحد.
ظنَّ أول الأمر أنّ إنهاكه عارضٌ عابر، ثم أدرك أن الأشياء التي منحت حياته معنىً كفّت عن ذلك؛ الأحاديث المعتادة، الوجوه المكررة، النجاحات المبرمجة سلفاً، والعلاقات التي تحوّلت إلى طقوسٍ جوفاء. صار كل شيء يبدو كصدىً باهت يتردد من ماضٍ ولّى، حتى بات يشعر كأنه مراقبٌ يتابع تفاصيل حياته الخاصة من خلف جدارٍ زجاجي، يرى تفاصيلها بوضوح، ولا يستطيع أن يلمسها.
قادته خطاه المتعبة إلى مقهى صغير رابض قرب أرصفة الميناء. كان المقهى قد خلا من رواده في تلك الساعة، باستثناء رجلٍ مُسن كان يجلس ملاصقاً للواجهة الزجاجية المطلة على السواد الممتد في الأفق. كانت القهوة في فنجانه قد بردت، واستقرت أصابعه فوق صفحة كتاب مفتوح؛ كأن القراءة توقفت، بينما ظل الفكر ماضياً في مكانٍ آخر. لم يكن في هيئة العجوز ما يلفت الانتباه، لكن حضوره أشاع ألفةً غريبة، كصلةٍ خفية تربط الغرباء من غير سابق معرفة ولا موعد.
قطع الصمتَ صوتُ العجوز وهو يغلق كتابه برفق، دون أن يلتفت نحوه. قال بنبرة خافتة كأنه يكمل حواراً بدأه مع نفسه منذ ساعات:
— البحر لا يشبه أحداً، لكنه يجبر الجميع على تذكر شيء ما.
التفت نحوه ببطء. ابتسم العجوز ابتسامة مواربة، ثم عاد يرمق العتمة السابحة خلف الزجاج البارد. شعر راوي أن العبارة لم تأتِ مصادفة؛ فاعتدل في جلسته وقال:
— أحياناً أشعر أن الإنسان يحمل في داخله مدناً كاملة لا يلمحها أحد من العابرين.
عاد الصمت يخيّم على المكان. وفي المدى البعيد، تراءت سفينة تشق ليل البحر على مهل؛ كأنها الصدى الوحيد المتبقي في ذلك الفراغ الممتد. وظل العجوز ممسكاً بكتابه المغلق، يمرر إبهامه على حافة الغلاف، ثم قال:
— نعم، يحدث هذا. ماتت أمي منذ زمن بعيد، ومع ذلك أجدني أحياناً أردد جملةً كانت تكررها، وبنبرتها نفسها.
ابتسم وهزّ رأسه، ثم أضاف:
— مع أنني كنت أضيق بها كلما قالتها. كنت أظن أنني لا أسمعها أصلاً.
سكت لحظةً. كان في كلماته ما أيقظ في راوي شيئاً قديماً ظنّه استقر في مكان بعيد من ذاكرته. زاره طيفها فجأة: المرأة ذات المعطف الرمادي. لم يدرِ لِمَ داهمته صورتها في تلك اللحظة. انقضت سنوات طويلة على لقائهما الأخير، ومع ذلك ظل أثرها أنصع وأكثر رسوخاً من وجوه كثيرة شاركته تفاصيل أعوام كاملة.
التقى بها في مدينةٍ تحاكي هذه المدينة في ملامحها؛ باردة ومطيرة، يداري أهلها شجونهم وراء أناقتهم الرصينة. يومها، كان يتوهم أن بوسع المرء الهرب من ماضيه إن ابتعد مسافات كافية. ولم يكن يدرك بعد أن الروح لا تسافر في الحقائب، وأن المدن التي نقصدها فراراً قد تعيدنا، بعد طرق طويلة، إلى مواجهة أنفسنا.
أطال النظر إلى السواد المستقر وراء الزجاج، ثم التفت إلى العجوز وقال، والحيرة تملأ عينيه:
— هل تعتقد أن بعض الراحلين يعودون إلينا، حتى بعد أن يبتلعهم الغياب؟
لم يجب العجوز مباشرةً. أبقى كفه على غلاف الكتاب، وظل يتأمل أصابعه كأن السؤال أعاده إلى زمن بعيد. ضمّ شفتيه لحظةً، ثم قال:
— لا أعرف إن كانت تلك عودة. لكنني كلما قلت عبارةً كانت أمي تقولها، أسمع صوتها أوضح من صوتي.
رفع عينيه إلى راوي، وأضاف بابتسامة خفيفة:
— هذا كل ما أعرفه.
ساد سكون مباغت في داخله. بدا له كأن المدينة بأسرها انحسرت عنه، ولم يعد يسمع سوى الموج البعيد، فيما ظلت كلمات العجوز تتردد في أعماقه.
نظر إلى الزجاج مجدداً؛ لم تكن ملامحه هي كل ما انعكس عليه.
لوهلةٍ خاطفة، خُيّل إليه أنّه لمح امرأة تقف وراء ظهره؛ بمعطفها الرمادي، وشعرها الداكن.
استدار فوراًً، مدفوعاً بفضول اللحظة؛ فلم يجد أحداً.
ثمة مقهى ساكن، وأمواج تتكسر على الشاطئ من بعيد؛ بدا هديرها قادماً من وادٍ سحيق، ورجلٌ عجوزٌ غارقٌ في سطور كتابه؛ كأن شيئاً لم يكن؛ بيد أنّ شيئاً خفياً استيقظ في أعماقه.
لاح الفجر عند حواف السماء البعيدة؛ ضوءٌ شاحب، حدٌّ فاصل لا ينتمي لليل ولا يذعن للنهار؛ يجعل الأشياء تبدو هلامية، كأن العالم ما يزال عالقاً بين حلمٍ وآخر.
وفي هذا الهزيع الغارب من الليل، تخلع المدن أقنعتها؛ بلا صخبٍ، ولا زحام؛ لا شيء سوى الأرصفة العارية، والريح، والبحر، وأفكارٍ لا تجد مأوى.
سار بمحاذاة الشاطئ، والهواء البارد يلفح وجهه. كان البحر في تلك الساعة أشبه بمرآةٍ واسعة؛ لا تعكس الملامح، بل ما يختبئ خلفها. وكانت الأمواج الصغيرة تنكسر عند الصخور بإيقاعٍ وادع، ثم تتراجع ببطء، كأن البحر يتردد في الإفصاح عمّا يختزنه.
طافت به صورة أمه فجأة، ولم يعرف لماذا حضرت في تلك اللحظة؛ ولعل البحر هو الذي استدعاها. كانت تجلس أمامه ساعات طويلة في صمتٍ، كأنها تصغي إلى لحنٍ خفي لا يسمعه غيرها. وحين كان صغيراً، ظن أن الأمهات كلهن يفعلن ذلك، ثم اكتشف لاحقاً أن أمه كانت تسكن عالماً واسعاً من الصمت.
لم تكن تفصح عما يؤرقها إلا نادراً؛ وحتى أحزانها كانت تطويها بعناية، كأنها تخشى أن تُثقِل بها أحداً. تذكر أنه سألها ذات يوم:
— أمي، لِمَ لا تتحدثين عما يضنيك؟
تبسمت يومها؛ تلك البسمة الخفيفة التي توحي بالاعتذار أكثر مما تنبئ عن الفرح، وقالت:
— يا بني، ليس كل ما يؤلمنا يستحق أن يُقال.
لم يستوعب مغزى كلماتها آنذاك. أما الآن، فبات يخشى أنه فهم أكثر مما ينبغي.
بمرور السنوات أدرك أن أمه كانت تخفي جرحاً قديماً، سبق وجوده، ورافقها حتى آخر أيامها. لم يعرف حقيقته يوماً، ولم تسعفه الجرأة ليسأل. ظن، كما يظن الأبناء دائماً، أن الوقت متسع؛ ليكتشف متأخراً أن بعض الأسئلة ترحل مع أصحابها.
بلغ مقعداً خشبياً يواجه البحر فجلس عليه. كان الضوء يتسع فوق صفحة الماء شيئاً فشيئاً. وحلّقت نورسةٌ وحيدة بمحاذاة الأفق، ثم غابت في الضباب الخفيف الذي بدأ يتراجع مع أول الخيوط الذهبية.
دهمه شعور غريب؛ أحس أن أمه لم تكن بعيدة عنه؛ لا لأن طيفها يتجسد أمامه، بل لأن جزءاً منها ما زال حياً فيه؛ في طريقته في تأمل الناس، وتعاطفه الفطري مع الغرباء، وتلك الشجون التي تعبره لأسباب لا تخصه وحده، ورغبته القديمة في فهم البشر قبل الحكم عليهم.
رفع ناظريه نحو الأفق؛ كانت الشمس تشق طريقها بين الغيوم؛ وفكر:
كم من الأشياء نرثها دون أن ندري؟ كم من المخاوف؟ وكم من الحنان؟ وكم من الأحزان التي لم تكتمل؟
ربما لا نرث الملامح وحدها؛ بل نرث أيضاً ما لا يُرى؛ أشياء تعيش فينا بصمت؛ وتواصل رحلتها عبرنا دون أن نشعر.
عاد إلى شقته ليستسلم لسباتٍ هشّ، ظلت خلاله وجوه الليل تتحرك بين أطياف الحلم والذاكرة.
وحين فتح عينيه، كان ضوء الصباح قد بسط هدوءه على المدينة. أعدّ قهوته السوداء في صمت، ووقف عند النافذة يرقب العالم. تصاعد بخار القهوة ببطء، ثم تلاشى في برودة الصباح.
وفي الأسفل، كانت الحياة تمضي كعادتها؛ حافلاتٌ مكتظة تشق الشوارع، وطلابٌ يسرعون إلى مدارسهم، وعمالٌ يلاحقون ساعات النهار الأولى، وأمهاتٌ يحاولن اللحاق بخطوات أطفالهن الصغيرة. وبين الحين والآخر، كان صوت مكابح حافلةٍ يتسلل من الشارع، ثم يبتلعه صخب المدينة المتصاعد.
كان كل شيء يتحرك وفق إيقاع يعرفه الجميع؛ كل واحدٍ يمضي إلى وجهته، كأن في يده بوصلةً لا تخطئ.
أما هو؛ فمنذ سنوات، كان يشعر أن تلك البوصلة قد ضاعت منه؛ وأنه يمضي في الحياة مدفوعاً بفراغٍ لا يرحم، أكثر مما يقوده يقين.
وبعد الظهيرة؛ غادر شقته من جديد، هرباً من صمت جدرانها. سار من غير وجهة؛ ليتوغل بعيداً عن امتداد البحر؛ نحو عمق المدينة؛ حيث الأزقة العتيقة المتوارية خلف واجهتها المألوفة.
هناك؛ حيث يخفت صخب السياح، ترتكن مقاهٍ ضامرة في زوايا هادئة، وتصطف محالٌ هرمة تحمل آثار عقودٍ غابرة؛ كانت الوجوه نفسها تعبر المكان كل يوم، حتى غدت ملامحها جزءًا من تضاريس الحي وجدرانه التي أنهكتها الرطوبة. ومن نافذة مخبزٍ صغير عند أول الزقاق، تسللت رائحة الخبز الطازج؛ ممتزجةً برائحة الحجارة الرطبة، كأن الأزقة نفسها ما زالت تحتفظ بحرارة الحياة بين جدرانها العتيقة.
وفي قلب تلك الأحياء المنسية؛ لمس سكينةً غابت عنه طويلاً؛ أحس أنها أحياءٌ ما زالت تحرس نبض البشر الدافئ، ولم تبتلعها بعد واجهات المدينة الحديثة.
وفي أحد شوارعها الضيقة؛ حيث لا تصل الشمس إلا نادراً، استوقفته مكتبةٌ صغيرة بدت كأنها نجت من زمنٍ آخر.
عبر واجهتها الباهتة، تراصّت رفوفٌ مثقلة بالكتب، وتكدست في الزوايا مجلداتٌ قديمة تفوح منها رائحة الورق الأصفر العتيق.
وفي العمق، عند طاولةٍ خشبية، يقبع كتبيٌّ عجوز حفرت السنون ملامحه، غارقاً في كتابٍ مفتوح؛ كأن العالم الخارجي لم يعد يعنيه، وقد أمضى بين تلك الكتب عمراً أطول مما أمضاه بين البشر.
وقف يتأمل العناوين التي خفت بريقها، ولم يبقَ منها سوى ظلال حروفٍ كادت تنمحي؛ حتى باغته من خلفه صوتٌ نسائي هادئ:
— إذا استمررت في الوقوف أمام الرفوف هكذا؛ فلن تعثر على ما تبحث عنه.
استدار؛ كانت امرأة في منتصف الأربعين، تحمل بين ذراعيها حزمة كتب؛ في ملامحها هدوءٌ نادر، وفي عينيها تعبٌ خفيف يمنح حضورها صدقاً غامضاً.
تبسمت؛ مشيرةً إلى الرفوف الممتدة حولهما:
— معظم الذين يدخلون هذا المكان يحبون فكرة الكتب أكثر من الكتب نفسها.
لاحت على شفتيه ابتسامةٌ خافتة؛ وقال من غير أن يزيح عينيه عن الرفوف:
— ربما لأن بعض الكتب تقرؤنا أكثر مما نقرؤها.
نظرت إليه باهتمام، وقالت:
— وكيف تقرؤنا الكتب؟
أطرق برهةً؛ كأنه يستنطق الصمت، ثم قال:
— لأنها لا تمنحنا ما نريد دائماً.
— بل؟
— تمنحنا أسئلة كنا نتجنبها.
تأملت عتمة المكان لحظة، ثم قالت:
— لهذا تبدو بعض الكتب ثقيلة؛ قبل حتى أن نفتحها.
اكتفى بإيماءةٍ صامتة.
وضعت حزمة الكتب على طرف طاولة قريبة، ونظرت إليه باهتمامٍ بدا عفوياً:
— يبدو أنك لا تبحث عن كتاب فحسب.
لم يُجب؛ بل ارتدت نظرته إلى الداخل. وحين طال صمته؛ سألته:
— ما اسمك؟
شعر بثقل هذا السؤال؛ ذاك الذي يجيب عنه الناس عادةً من غير تفكير. تنفّس بعمق، كمن يحتاج إلى لحظة يستجمع فيها نفسه قبل أن ينطق؛ ثم قال أخيراً:
— اسمي راوي.
كررت الاسم بهدوء، كأنها تختبر وقعه، ثم ابتسمت:
— راوي… اسمٌ يُحمّل صاحبه مسؤولية لا يستهان بها.
تحركت في داخله ضحكةٌ جافة؛ وعقّب:
— لم يخترني أحد لها.
ابتسمت:
— وربما لهذا السبب اختارتك هي.
تأملها بصمت؛ منتظراً تفسيراً لم يأتِ؛ ثم سأل:
— وماذا عنكِ؟
نظرت إلى الكتب التي تحملها، وقالت:
— أشتري من الكتب أكثر مما أقرأ؛ وأشعر أنني أخذل الكتاب كلما أغلقته قبل أن أصل إلى صفحته الأخيرة.
امتد الحديث بينهما دقائق، دار حول الكتب القديمة، والمكتبات التي أخذت تختفي من المدينة، وذلك الأثر الصامت الذي يتركه الورق في الذاكرة. وكان الكتبي يقلب صفحة بين حين وآخر، من غير أن يرفع رأسه، كأنه اعتاد أن تبدأ بعض الحكايات أمامه من غير أن يكون طرفًا فيها.
كان حديثًا عاديًا في ظاهره؛ لكنه أشاع في نفسه سكينةً غامضة؛ سكينةً لم تولد من الكلمات نفسها، بل من النبرة المتزنة التي قيلت بها.
وحين همّت بالمغادرة؛ حملت كتبها؛ وألقت إيماءةً عابرة نحو صاحب المكتبة؛ ثم خرجت، لتتوارى سريعاً عند منعطف الشارع. بقي باب المكتبة موارباً لحظات؛ قبل أن ينغلق ببطء، كأن المكان نفسه كان يتابع رحيلها.
ظل راوي واقفاً يرمق الزاوية التي غابت خلفها دون سببٍ يدركه؛ لم يكن إعجاباً ولا انبهاراً عابراً؛ بل إحساسًا قديمًا أيقظته في داخله دون وعيٍ منها؛ بأن بعض العابرين قادرون على إيقاظ جزءٍ فينا نظنه خمد منذ زمن.
اقترب منه الكتبي العجوز ببطء؛ وهو ينفض الغبار عن أحد المجلدات القديمة؛ وقال دون أن يرفع عينيه:
— تأتي إلى هنا كل أسبوع؛ وتخرج محمّلةً بالكتب، كأنها تخشى أن تترك واحداً منها وحيداً.
وضع العجوز يده على كتف راوي بخفة؛ وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة؛ ثم أردف:
— ثمة بشرٌ يا بني؛ يتركون أثرهم في أرواحنا قبل أن نعرف أسماءهم.
لم يُجب.
لكن العبارة بقيت فيه.
خرج من المكتبة؛ واتجه نحو بيته بخطى بطيئة؛ كانت الشمس تميل إلى الغروب، والمدينة تستعد لمساءٍ آخر.
وفي داخله، كان يشعر أن شيئًا صغيرًا ظل ساكنًا منذ زمن بعيد، بدأ يستيقظ على مهل.
ومضت الأيام بعد ذلك على وتيرتها نفسها، من غير أن يبدو أن شيئًا قد تغير. لكنه كان يزداد اقتناعًا، كلما استعاد ذلك اللقاء، بأن المنعطفات الكبرى لا تعلن عن نفسها بصخب؛ بل تبدأ أحيانًا من حديثٍ عابر مع شخصٍ غريب، لا ندرك أثره إلا بعد زمن.”
من رواية “تواتر الأرواح”
#عدنان علي جنوب#مجلة ايليت فوتو ارت .


