حياة الماعز THE GOATLIFE
الكاتب هادي ياسين
و أنا أهمُّ بالكتابة ــ متأخراً ــ عن فيلم ( حياة الماعز ) الهندي ، خطر ببالي الشطر الأول من مطلع معلّقة ” عنترة بن شداد ” : ( هل غادر الشعراءُ من مُتردّمِ ….. ) بمعنى : هل ترك الشعراء قبلي شيئاً لم يقولوه ؟
إذ أينما التفتُ يومياً ــ منذ ظهور الفيلم ــ أجد مقالاتٍ و تعليقاتٍ و جدلاً حوله في وسائل التواصل الإجتماعي و المواقع الألكترونية و الصحف و المجلات و محطات التلفزيزن ، كلٌ يتناوله من طرف و من جهة و من زاوية ، و قد انقسم القوم الى فريقين : فريق ضده ، و في المقدمة المملكة السعودية لأن الفيلم يمس سمعتها مباشرةً ، و فريق معه متعاطفاً مع بطله ” نجيب ” . و قد اعتبره هذا الفريق فيلماً عظيماً ، و هو لا عظيم و لا هم يحزنون ، إذ لم يخرج عن السياق العام للسينما الهندية منذ نشأتها البسيطة بأفلام صامتة مع بدايات السينما نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم ، باستثناء أفلام قليلة جيدة ومختلفة ولكنها ضائعة في لجة فيضان الأفلام التي تنتجها الهند و التي تبلغ نحو 2000 فيلم سنوياً .
فالفيلم بسيط و ينطوي على أخطاء لم يعالجها المخرج ” بليسي إيبي توماس ” و تغافل عنها المشاهد الذي وجده فيلماً عظيماً ، مثل بلاهة موظف المطار الذي لا يتكلم الإنجليزية ، و هذا أمر غريب ، إذ لا يوجد موظف جوازات في أي مطار في العالم لا يتحدث الإنجليزية منذ نشأة المطارات ، فيما أحداث الفيلم تبدأ في التسعينيات و بطل الفيلم هندي ، و الشعب الهندي ــ كله تقريباً ــ يتحدث الإنجليزية ، كون الهند قد خضعت للإستعمار البريطاني منذ العام 1785 لغاية عام 1947 . و من اخطاء المخرج هو أنه جعل الحيوانات ترعى في صحراء قاحلة ليست فيها حتى رائحة لنبتة واحدة ، فهل أراد أن يجتهد ليرمز الى أن السعودية بلاد قاحلة لا حياة فيها ؟ فيا لبؤس نظرته الإخراجية إذا كان هكذا .
سنفترض أن المخرج وجد في القصة المأساوية لمواطنه ” نجيب محمد ” مادة سينمائية مثيرة من غير أن يقصد الإساءة الى المملكة السعودية ، ولكننا نعطي للمخرج الحق في أنه لا يستطيع أن يفلت من هذا الأمر ، ذلك أن الأحداث واقعية و قد حصلت على الأرض السعودية و المسيء الأساسي ، حد الوحشية ، مواطن سعودي مستقوٍ بنظامٍ تحميه السلطات السعودية هو ( نظام الكفيل ) ، على الرغم من أن هذا المسيء السعودي لا يمثل السعودية المليئة بالأخيار شأنها شأن جميع البلدان المليئة بالأخيار و الأشرار معاً .
و إذا كانت السلطات السعودية العليا لم تكن على علم بما يفعله الأشرار المستقوين بـ ( نظام الكفيل ) فعليها أن تعالج الأمر و تلغي هذا النظام الذي شوه صورة البلاد ، و هذه هي فضيلة الفيلم الذي كشف المستور ، و أحسب أنه قد قدم خدمة جلّى للسعودية ، ولكنها لم تنتبه الى الأمر أو لم تأخذه على محمل الجد منذ عام 2014 .
كيف ؟
في عام 2008 صدرت في ولاية ( كيرالا ) الهندية رواية بعنوان ( أيام الماعز ) للكاتب ” دانيال بنيامين ” و بلغة الـ ( ماليالامية ) السائدة في تلك الولاية . و ما أن صدرت الرواية حتى تلقت شعبية فائقة فطُبعت عشرات الطبعات و تُرجمت الى عدة لغات هندية فعمّت شهرتها الهند و اعتُمدت كمادة مقررة في جامعات ولاية ( كيرالا ) و تُرجمت الى عدة لغات أجنبية ، و في عام 2014 ترجمها ” سهيل عبدالحكيم الوافي ” الى اللغة العربية فنشرتها دار ( آفاق ) للنشر في الكويت ، و في العام ذاته عُرضت في معرض الرياض الدولي للكتاب ، ولكنها سُحبت بعد يومين و اختفت ، و تم حجبُها في دولة الإمارات أيضاً . و يبدو أن مسؤولي الرقابة في معرض الرياض نظروا الى الرواية كعمل مكتوب بخيال أدبي مسيء الى السعودية فحسب ، و لم يدركوا أن أحداثها مستلة من الواقع ، و هي حقيقية ، و أن هذه الرواية ستكون قنبلة موقوته ستنفجر عام 2024 في هيأة فيلم سيهز سمعة السعودية ــ بغض النظر عن مستواه الفني ــ و سيجعل كل من شاهد الفيلم يتعاطف مع الضحية الهندية الذي وقع عليه ظلم وحشي على يد سعودي متوحش ــ محمي بالقانون السعودي ــ و داخل الأراضي السعودية . فلو أن الرواية لم تُعامل بانفعال سطحي و لم تُسحب من المعرض و نوقشت أثناءه في ندوة ، فربما كان صوت الضحية قد وصل الى السلطات السعودية العليا لتلغي ( نظام الكفيل ) اللاإنساني . و ربما ما كان فعل الرواية قد اختمر و قد تحول الى فيلمٍ سينمائي أثار كل هذه الضجة غير المسبوقة .
يقول بطل الرواية في أحد فصولها ، و هو يصف حال الهاربين من الكفلاء :
( يقوم في السجن طابور الإستعراض مرة في الأسبوع . و ذلك هو يوم الدموع ، يقوم علينا مرة في كل أسبوع ، تتاح فيه للكفلاء فرصة للعثور على الهاربين من مكفوليهم ، ونصطف جميعاً خارج القسم بعد الإفطار .. يمر علينا الكفلاء ممعنين النظر في كل وجه كشاهد يحدد المجرم . و للأسف الشديد يتم في كل أسبوع تحديد بعضنا من أصحاب الحظ السيء . و إذا عرف الكفيل عامله الهارب يكون رد فعله أن يصفعه صفعة تفرقع طبلة أذنه ، و بعضهم يخلع حزامه و يجلد به العامل حتى تهدأ أعصابه على مرأىً من رجال الشرطة ، غير أنهم لا يكترثون به . عالماً بذلك يصرخ بعضنا بأعلى الصوت خارجاً عن طوره حالما يتراءى كفيله عن البُعد . و في تلك اللحظة فقط نفهم كيف يجبن الإنسان إذا أعيته الحيلة ، ربما كان يعيش في السجن مرتاح البال بعد معاناته لسنوات طويلة ، و لابد أنه لجأ الى السجن بعد أن لقي من كفيله ألواناً من العذاب فلا يتحمل حتى تصور العودة الى نفس الرجل الذي كان يتفنن في تعذيبه في كل قسوة ) . ألم يتمعن الذين سحبوا الرواية من معرض الرياض عام 2014 في هذا المقطع ، الذي هو نزر يسير من كم العذاب الذي عانته العمالة في بلادهم ، أم أنهم قرأوه قراءة سطحية و قرروا أنه يسيء الى السعودية دون أن يرفعوا تقريراً الى السلطات العليا و لم يحسبوا حساباً للواقع الذي حصلت فيه أحداث الرواية و معاناة بطلها و من شاركه العذاب لتتحول بعد عشر سنوات الى فيلم فجّر كل هذا الحقد على السعودية ؟
شخصياً ، أدعو دائماً الى الفصل بين عمل الروائي ككاتب و بين عمل المخرج كفيلم ، و أرى أن مسؤولية الروائي تنتهي عند الكلمة الأخيرة في السطر الأخير من روايته . و في الفيلم تبدأ مسؤولية المخرج منذ اللقطة الأولى من المشهد الأول . و المقارنات بين هذه الأعمال إنما تأتي متفاوتة ، فقد لا يستطيع أي مخرج أن يرتقي بفيلمه الى رواية عظيمة تستعصي على الإخراج السينمائي و قد يستطيع مخرجٌ أن يرفع سينمائياً من شأن رواية عادية فيصنع منها عملاً باهراً .
بخصوص رواية ( أيام الماعز ) التي حوّلها المخرج ” بليسي إيبي توماس ” الى فيلم بعنوان ( حياة الماعز ) ــ و هو نفسه كاتب السيناريو ــ فإن الفيلم كان ضعيفاً أمام الرواية من الناحية الإخراجية ، و يبدو إن المخرج لم يكن مسترخياً بما يكفي ليستوعب العذاب الإنساني الذي يمور بين دفتي الرواية ، فهي عمل موجع ، ربما يأتي مخرج آخر يقرأها قراء مختلفة ، يتمعن فيها و يدرسها جيداً و يخرجها بعيداً عن نمط الأفلام الهندية . فهي رواية تستحق أكثر من إخراج .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اضغط على الرابط التالي لمشاهدة الفيلم
https://ok.ru/video/7509759560225


