الفنان فيصل العيبي
** حين يصبح الصمت لغةً للتشكيل وذاكرةً للشعب**
قراءة نقدية في تجربة الفنان التشكيلي فيصل العيبي
المعمار الاكاديمي موفق جواد الطائي
إن تقدير الفنان فيصل العيبي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الإشادة بمنجزه التشكيلي، أو الاحتفاء بمهارته التقنية، بل يتطلب قراءة نقدية تحاول الكشف عن الأسباب التي جعلت تجربته تتجاوز حدود العمل الفني المنفرد لتقترب من مفهوم الظاهرة الفنية؛ تلك التي تتشكل عبر تفاعل الرؤية والمضمون والأسلوب، وتستمد استمرارها من قدرتها على تجاوز زمن إنتاجها إلى أزمنة التلقي المتعاقبة.
بالأمس، كنت أتحدث عن هذا الفنان العظيم، المناضل الملتزم بفنه وبمصير شعبه. كيف أراه؟ أراه فناناً لم يجعل من اللوحة مجرد سطح لعرض المهارة، ولا من الموضوع وسيلةً مباشرة لإعلان الموقف، بل سعى إلى بناء لغة تشكيلية قادرة على حمل المعنى الإنساني والاجتماعي، من دون أن تفقد استقلاليتها الجمالية. ومن هنا تبدأ أهمية تجربته: في العلاقة الدقيقة بين الالتزام والموقف من جهة، وحرية التعبير والتكوين من جهة أخرى.
من الواقعية التعبيرية إلى خصوصية التجربة
لفهم موقع فيصل العيبي، من الضروري وضع تجربته في سياق المقارنة مع مجموعة من الفنانين العراقيين الذين تقاطعت مساراتهم مع الواقعية التعبيرية، ومنهم وليد شيت، ونعمان هادي، وصلاح جياد. وقد أسهم المناخ التشكيلي العراقي، الذي كان للفنان فائق حسن دور محوري في ترسيخه، في توفير أرضية فنية اتسعت لمعالجة الإنسان والواقع والحياة اليومية بلغة تشكيلية تجمع بين الملاحظة والتعبير.
لكن المقارنة بين هؤلاء الفنانين لا ينبغي أن تتحول إلى ترتيب تفاضلي، أو إلى افتراض أن الجميع انطلقوا من منطلقات متطابقة. فلكل تجربة خصوصيتها في معالجة الموضوع، وبناء الشكل، وتوظيف اللون، وتحديد المسافة بين الواقع المرئي والرؤية الذاتية.
ضمن هذه المقارنة، تبرز أهمية فيصل العيبي في سعيه إلى تطوير لغة تعبيرية ذات خصوصية، لا تعتمد على صخب الحركة أو مباشرة الخطاب بقدر اعتمادها على اقتصاد الوسائل، وتكثيف الدلالة، وإعطاء العناصر التشكيلية قدرةً على الإيحاء بما يتجاوز ظاهر الموضوع. إن هدوء الصورة، في هذه القراءة، ليس غياباً للتوتر، بل طريقة أخرى لإنتاجه؛ وليس صمتاً خالياً من المعنى، بل صمتاً يترك للمتلقي فرصة اكتشاف ما تخفيه الصورة من ذاكرة وانفعال وتجربة إنسانية.
الظاهرة التكوينية: التوازن بين الشكل والمضمون
أقترح قراءة تجربة فيصل العيبي من خلال مفهوم الظاهرة التكوينية؛ وهو هنا مفهوم نقدي إجرائي، لا تصنيف تاريخي جاهز. والمقصود به أن خصوصية الفنان لا تنبع من عنصر واحد، كاللون أو الخط أو الموضوع، وإنما من الطريقة التي تتفاعل بها عناصر العمل لتنتج وحدة جمالية وفكرية متماسكة.
فاللوحة الناجحة ليست مضموناً اجتماعياً أُضيف إليه شكل جميل، وليست استعراضاً للمهارة التقنية منفصلاً عن التجربة الإنسانية. إنها علاقة متبادلة بين الموضوع والتكوين واللون والخط والملمس والإيقاع، بحيث يصبح كل عنصر جزءاً من المعنى، ويكتسب المعنى قوته من طريقة بنائه بصرياً.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى تجربة العيبي بوصفها محاولة لتحقيق توازن بين عناصر تبدو متعارضة: الالتزام والحرية، التعبير والاختزال، المهارة والعفوية، المباشرة والإيحاء. ولا يتحقق هذا التوازن بإلغاء أحد الطرفين، بل بتحويل التناقض نفسه إلى طاقة تشكيلية.
إن قيمة هذا التصور تكمن في أنه ينقل النقد من الاكتفاء بوصف ما تمثله اللوحة إلى تحليل كيفية إنتاجها للمعنى. غير أن إثبات هذه الخصائص على نحو علمي يتطلب فحص مجموعة من أعمال الفنان، ومقارنة مراحلها، وتتبع التحولات في بنيتها التكوينية؛ فالمفهوم النقدي لا يغني عن التحليل البصري المباشر، بل يوجّهه.
البعد المعرفي: اللوحة بوصفها تجربة متعددة الحواس
يمكن أيضاً مقاربة تجربة فيصل العيبي من خلال منظور معرفي وإدراكي، أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ Cognitive Approach. والمقصود هنا دراسة الكيفية التي تنظم بها الصورة إدراك المتلقي، وتستثير ذاكرته، وتربط ما يراه بما يعرفه ويشعر به ويستحضره من خبرات سابقة.
فالعمل التشكيلي لا يخاطب العين وحدها بالمعنى البسيط، بل يمكن أن يستدعي خبرات حسية متداخلة. قد يوحي اللون بحرارة المكان، وقد يستحضر الملمس خشونة الحياة، وقد يستدعي إيقاع الخطوط صوتاً أو حركةً غائبة. وهكذا يصبح المتلقي مشاركاً في بناء المعنى، لا مستهلكاً لصورة مكتملة الدلالة.
وفي هذا السياق، تكتسب علاقة الفنان بالذاكرة الجمعية أهمية خاصة. فحين يتناول العمل الإنسان وواقعه الاجتماعي، فإنه يستطيع أن يتجاوز الحكاية الفردية ليوقظ خبرات مشتركة تتصل بالمكان والعمل والحرمان والأمل والكرامة. وتصبح قوة اللوحة، عندئذ، في قدرتها على جعل التجربة الخاصة قابلةً للتعرف والتفاعل من جانب جمهور أوسع.
ويمكن وصف موقف الفنان، في ضوء هذه القراءة، بأنه ثورية هادئة في التعبير: موقف لا يحتاج بالضرورة إلى الصراخ البصري كي يعلن حضوره، بل يستطيع أن يترك أثره عبر التركيز والاختزال وتراكم الدلالات. غير أن هذا الوصف يظل فرضية نقدية ينبغي اختبارها من خلال الأعمال ذاتها، لا حكماً على الحالة النفسية للفنان أو نواياه.
الصمت والحركة: مفارقة التعبير
من الأفكار التي تستحق التوقف عندها في قراءة فيصل العيبي فكرة الصمت التعبيري. فثمة أعمال فنية تبدو ساكنة في ظاهرها، لكنها تحمل داخل تكوينها طاقةً حركية كامنة؛ تنشأ من اتجاه الخط، وتوازن الكتل، وتوتر المساحات، وتضاد الألوان، والعلاقة بين الحضور والفراغ.
إن الصمت هنا ليس نقيض الحركة، بل قد يكون شرطاً لإدراكها. فكلما انخفضت المباشرة، ازدادت أهمية التفاصيل التشكيلية في توجيه النظر، وصار المتلقي مطالباً بإعادة اكتشاف العلاقات داخل الصورة. ومن ثم، فإن الهدوء البصري لا يعني بالضرورة هدوء الدلالة، كما أن محدودية الحركة الظاهرة لا تعني غياب الطاقة التعبيرية.
وقد تتيح هذه الفكرة إجراء مقارنة مفاهيمية مع بعض اتجاهات الفن الحديث التي منحت الأشكال الهندسية والمساحات المختزلة قدرةً على توليد التوتر البصري، ومنها أعمال كازيمير ماليفيتش، وتجارب الفن التجريدي ذات البنية الشكلية المكثفة. لكن هذه المقارنة لا تعني وجود تأثير مباشر أو تطابق بين التجارب؛ إنها مقارنة في كيفية استخدام الاختزال والصمت البصري لإنتاج المعنى، مع ضرورة الحفاظ على الخصوصية التاريخية والجمالية لكل فنان.
والسؤال النقدي الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تتحول الصورة الهادئة إلى صورة مشحونة بالحركة؟ وكيف يستطيع التكوين أن يجعل المتلقي يشعر بما لا تعرضه اللوحة بصورة مباشرة؟ إن الإجابة لا تكمن في الموضوع وحده، بل في العلاقات الداخلية التي تنظم عناصره.
من الظاهرة العابرة إلى الأثر المستمر
يميّز هذا التصور بين ظاهرة فنية تستمد حضورها من لحظة تاريخية أو أسلوب رائج، وتجربة تملك القدرة على الاستمرار بسبب ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية وفكرية قابلة لإعادة القراءة. ولا يعني ذلك أن كل تجربة مستمرة تتجاوز زمنها بالضرورة، أو أن كل تجربة مرتبطة بمرحلتها قصيرة العمر؛ فالتاريخ الفني أكثر تعقيداً من هذه الثنائية.
ومع ذلك، فإن السؤال عن قابلية تجربة فيصل العيبي للاستمرار يظل سؤالاً مشروعاً: هل تكمن قيمتها في موضوعاتها المرتبطة بواقع اجتماعي محدد، أم في قدرتها على تحويل ذلك الواقع إلى بنية تشكيلية تظل قابلة للتأويل بعد تغير ظروف إنتاجها؟
أميل، في إطار هذه القراءة، إلى أهمية الاحتمال الثاني، من دون التقليل من الأول. فالموضوع يمنح اللوحة جذورها الإنسانية والتاريخية، لكن التكوين هو الذي يمنحها قدرتها على إعادة إنتاج المعنى لدى متلقين ينتمون إلى أزمنة مختلفة. وعندما يتكامل البعدان، لا تعود اللوحة وثيقةً عن زمنها فحسب، بل تصبح أيضاً مجالاً مفتوحاً لاستعادة ذلك الزمن وفهمه ومساءلته.
وهنا يمكن فهم وصف تجربة العيبي بأنها ظاهرة فنية لا بوصفه حكماً نهائياً على مكانتها التاريخية، بل بوصفه دعوةً إلى دراسة العلاقة بين خصوصية أسلوبه، والتزامه الإنساني، وقدرة أعماله على تكوين ذاكرة بصرية تتجاوز لحظة إنجازها.
تحية إلى الفنان والإنسان
إن فيصل العيبي، كما أقرأ تجربته، يمثل مناسبةً لإعادة التفكير في معنى الالتزام في الفن التشكيلي العراقي. فالالتزام لا ينبغي أن يكون عبئاً على الجمال، ولا أن تتحول الحرية الشكلية إلى غاية منفصلة عن الإنسان. وبين هذين الطرفين تتشكل المساحة الأصعب والأكثر أهمية: أن يكون العمل حراً في لغته، عميقاً في مضمونه، مقتصداً في وسائله، وغنياً في أثره.
إن قيمة الفنان لا تقاس فقط بما يرسمه، بل أيضاً بما يجعلنا نراه من جديد؛ كيف يعيد ترتيب علاقتنا بالواقع، وكيف يوقظ فينا ذاكرةً ظننا أنها صامتة، وكيف يمنح الصورة قدرةً على التعبير عما تعجز الكلمات عن احتوائه.
تحية إلى فيصل العيبي، الفنان الذي يدعونا إلى النظر خلف سطح اللوحة، وإلى اكتشاف الحركة في السكون، والصوت في الصمت، والإنسان في التكوين. وتحية إلى تجربته التي تستحق قراءةً نقدية متأنية، لا تكتفي بالإعجاب، بل تحاور العمل، وتختبر أدواته، وتكشف ما يميزه في سياق الفن العراقي الحديث.
فالفن الذي يبقى ليس هو الذي يرفع صوته دائماً، بل الذي يترك في الذاكرة ما يستحق الإصغاء إليه.
#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


