قراءات تشكيلية في لوحة “الوجه المتشظي” لعباس عبد الرزاق.

قراءة تشكيلية وفلسفية للوحة
«الوجه المتشظّي»

إسماعيل خياط: أنطولوجيا الوجه المتشظّي
قراءة فلسفية–نقدية موسّعة في لوحة الوجه المنقسم

 عباس عبدالرزاق

مدخل: اللوحة بوصفها حدثًا لا موضوعًا
ثمة لوحات تُقدَّم كموضوعٍ بصري جاهز للتلقي، وثمة لوحات أخرى تأبى أن تُختزل إلى موضوع، فتتحول بدل ذلك إلى حَدَث؛ أي إلى لحظة انفتاح تُربك المشاهد قبل أن تمنحه أي طمأنينة تأويلية. لوحة إسماعيل خياط هذه تنتمي إلى الصنف الثاني. فهي لا تُعرَض أمامنا لنراها، بل تحدث فينا، وتُعيد ترتيب علاقتنا بمفهوم الوجه ذاته قبل أن تُعيد ترتيب عناصرها التشكيلية. ومن اللافت أن هذا العمل أُنجز في مساحة لا تتجاوز (3 × 3 سم)، وهي مساحة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى المنمنمة منها إلى اللوحة بالمعنى التقليدي. غير أن هذا التقلص المادي يقابله اتساع دلالي لافت؛ إذ ينجح إسماعيل الخياط في تكثيف أسئلة الهوية والذاكرة والوجود داخل حيز بصري بالغ الصغر، بحيث يغدو حجم اللوحة نفسه جزءًا من خطابها الجمالي، لا مجرد وصف تقني. فكل سنتيمتر فيها يعمل بوصفه فضاءً أنطولوجيًا مكثفًا، يثبت أن قوة العمل الفني لا تُقاس باتساع مساحته، بل بعمق العالم الذي يفتحه أمام المتلقي.
سأتعامل مع العمل بوصفه كيانًا تشكيليًا مستقلًا بذاته، مكتفيًا بالإشارة إلى السمات العامة المعروفة في تجربة إسماعيل خياط الفنية، من دون أن أفترض نوايا لم يصرّح بها الفنان صراحةً؛ ذلك أن أي قراءة فلسفية جادة لعمل بصري يجب أن تحترم الفارق بين ما يقوله العمل وما قد يُسقطه الناقد عليه.

أولًا: أنطولوجيا الوجه المنقسم

تبدو اللوحة، للوهلة الأولى، وكأنها وجه إنسان، لكنها سرعان ما تنقلب إلى فضاء تتصارع فيه الأعضاء والخطوط والرموز. فالوجه لم يعد وحدة متماسكة، بل أصبح حقلًا للانقسام؛ العين تنظر من عالم، والفم ينتمي إلى عالم آخر، والأنف يكاد يتحول إلى جدارٍ يفصل بين نصفين من الذات. هنا لا يرسم الفنان ملامح الإنسان، بل يرسم انكسار الهوية ذاتها. إنه الوجه بعد أن فقد يقينه.
هذا الانقسام ليس عطبًا تقنيًا في التكوين، بل هو بيانٌ أنطولوجي: الوجه هنا لا يوجد كوحدة سابقة على التجربة، بل يتشكل ويتفكك في آن معًا، كأنه يعيد أمام أعيننا سيرورة صيرورته الخاصة بدل أن يعرض نتيجتها النهائية.

ثانيًا: الجسد شبكة قوى
— من دولوز إلى ميرلوبونتي

تذكّرنا هذه اللوحة بفكرة جيل دولوز عن الجسد بوصفه شبكة من القوى، لا بنية ثابتة. فالإنسان هنا لا يمتلك مركزًا واحدًا، بل يتكوّن من تدفقات وانقطاعات، ولذلك جاءت الخطوط السوداء وكأنها خرائط للطاقة أكثر منها حدودًا تشريحية. الوجه، في هذا الأفق، ليس شكلًا مغلقًا، بل حقل توتّرات دائم التشكّل.
ولو استعرنا من موريس ميرلوبونتي مفهوم “الجسد الحيّ” (corps vécu)، لأمكننا أن نرى في تشظي الوجه هنا لحظة انفصال الجسد عن كونه أداة إدراك شفافة للعالم، ليصبح هو نفسه موضوع مساءلة. فحين يفقد الجسد شفافيته المعتادة – حين يعود العضو المألوف غريبًا عن جاره – يتوقف الإدراك عن أن يكون فعلًا عفويًا، ويتحوّل إلى جرحٍ في العلاقة بين الذات وعالمها. اللوحة بهذا المعنى لا ترسم جسدًا مرئيًا فحسب، بل ترسم لحظة تعطّل الرؤية ذاتها.
ثالثًا: الانكشاف الهيدغري وسقوط القناع
في ضوء هيدغر، يمكن القول إن اللوحة تكشف الإنسان في لحظة الانكشاف (Unconcealment)، حيث يسقط القناع الاجتماعي ولا يبقى إلا الكائن في هشاشته الأصلية. وما يجعل هذه القراءة مشروعة هو أن الوجه، في اللوحة، لا يُقدَّم كهُويّة اجتماعية مكتملة – وجه يمكن التعرّف عليه، أو تسميته، أو إلحاقه باسم – بل كوجود عارٍ من كل تلك الإسنادات. إنه الكائن في لحظة ما قبل التسمية، حين يكون الحضور أعمق من أي تحديد.

رابعًا: الوجه بوصفه نصًا مؤجَّل الدلالة — دريدا

أما وفق جاك دريدا، فإن الوجه نفسه أصبح نصًا مؤجَّل المعنى؛ لا توجد دلالة نهائية، لأن كل خط يفتح قراءة جديدة، وكل لون يهدم القراءة السابقة. الدلالة هنا لا تكتمل أبدًا، بل تتناسل عبر الإرجاء (différance)، فكل عنصر تشكيلي يحيل إلى عنصر آخر، وكل قراءة تفتح على قراءة مضادة، بحيث يصبح الوجه أرشيفًا مفتوحًا لا مركز له، لا معنى ثابتًا يستقر فيه.

خامسًا: الهوية السردية المتصدّعة
بول ريكور

يقترح بول ريكور أن الهوية الإنسانية ليست جوهرًا ثابتًا، بل “هوية سردية” (identité narrative) تُبنى عبر حكاية الذات عن نفسها عبر الزمن. وما تفعله هذه اللوحة هو أنها تعرض علينا لحظة انقطاع تلك الحكاية: الوجه هنا لم يعد قادرًا على أن يروي نفسه كسردية متماسكة، فتتناثر فصوله – العين، الفم، الأنف – كأنها فقرات من سيرة تعرّضت للتمزيق. الانقسام البصري إذن هو تمثيل مكاني لانقسام زمني: حكاية ذات لم تعد قادرة على أن تجمع ماضيها بحاضرها في خيط واحد.

سادسًا: العين —
مركز الوجود ومستودع الذاكرة

أكبر عنصر في اللوحة هو العين اليمنى. إنها ليست عينًا ترى العالم، بل عينًا تحمل العالم داخلها. كأن إسماعيل خياط يقول إن الإنسان لا يعيش الواقع، وإنما يعيش أثره في الذاكرة. ولهذا تبدو العين مثقلة بالسواد، بينما يغيب البريق تمامًا. إنها عين الشاهد، لا عين المتفرج.
وهذا التمييز بين “عين الشاهد” و”عين المتفرج” جوهري: فالمتفرج يقف خارج الحدث ويكتفي بمراقبته، أما الشاهد فهو من يحمل الحدث في داخله بعد أن انتهى، ويظل مسؤولًا عن استعادته. حجم العين المبالَغ فيه ليس مبالغة تشكيلية اعتباطية، بل ترجمة بصرية لثقل هذه المسؤولية: عينٌ لا تستطيع أن تُغمض، لأن الشهادة لا تكتمل إلا بالبقاء مفتوحة.

سابعًا: الفم الصغير وفلسفة الصمت

الفم صغير جدًا مقارنة بالعين. وهذا الاختلال ليس تشريحيًا، بل وجودي. فالإنسان يرى أكثر مما يستطيع قوله. وهنا تتحول اللوحة إلى فلسفة للصمت. إنها تستعيد مقولة فيتغنشتاين بصورة غير مباشرة: ما لا يمكن قوله ينبغي الصمت عنه. لكن إسماعيل لا يصمت؛ إنه يجعل الرسم يتكلم بدل اللغة.
هذا الصمت هنا ليس عجزًا، بل هو استراتيجية تعبيرية مضادة: حين تُفلِس اللغة أمام هول ما تراه العين، ينتقل الفعل التعبيري من الكلمة إلى الخط، ومن الجملة إلى اللون. الرسم، في هذه الحالة، لا يعوّض عن اللغة فحسب، بل يفضح حدودها.

ثامنًا: الخط الأسود
أثر الذاكرة وما قبل الأبجدية

الخطوط ليست حدودًا للأشكال، بل آثار لجراح قديمة. إنها تشبه الكتابة الأولى قبل ظهور الأبجدية. ولهذا تبدو اللوحة أقرب إلى مخطوطة أثرية منها إلى صورة معاصرة. كل خط يحمل ذاكرة. وكل خدش يحمل زمنًا.
ثمة ما يشبه العودة إلى لحظة ما قبل الكتابة المنظّمة، حين كانت العلامة تُخدَش على الحجر أو الجلد لا لتُبلّغ معنى محددًا، بل لتُثبِت أن حدثًا وقع. الخط هنا وثيقة وجود، لا أداة تواصل.
تاسعًا: اللون — ثلاثية الأرض والذاكرة والجرح
يسيطر البني والرمادي والأحمر. ليست ألوانًا جمالية بقدر ما هي ألوان وجودية. البني يحيل إلى الأرض. والرمادي إلى الغياب. والأحمر إلى الحياة التي ما تزال تقاوم الفناء. إنها ثلاثية: الأرض، الذاكرة، والجرح.

عاشرًا: الأثر والصدمة
فالتر بنيامين والصورة الجدلية

يقترح فالتر بنيامين مفهوم “الصورة الجدلية” (dialektisches Bild)، وهي الصورة التي لا تعرض الماضي بوصفه سردًا متصلًا، بل تجعله يتوهّج فجأة في لحظة الخطر الراهنة، متقاطعًا مع الحاضر في ومضة واحدة. هذه اللوحة تعمل بمنطق مشابه: فالوجه المتشظي ليس استعادة حنينية لماضٍ منقضٍ، بل استحضارٌ لصدمة قديمة ما تزال حيّة في بنية الحاضر نفسه. الخطوط والألوان لا “تروي” الجرح، بل تجعله يظهر فجأة أمامنا كأنه لم يحدث في الماضي، بل يحدث الآن، في لحظة النظر ذاتها.

حادي عشر: اللوحة في أفق التجربة الجماعية

وإذا وُضِعت هذه اللوحة في سياقها الأوسع، فإنها لا تُقرأ بوصفها بورتريهًا لفردٍ بعينه، بل بوصفها إعادة تمثيل لذاكرة جماعية عاشت الانقسام والفقدان بصورة متكررة. الوجه هنا يتجاوز صاحبه؛ إنه يستعير خصوصية الوجه الفردي كي يحمل عمومية التجربة الإنسانية للألم المشترك، ذلك النوع من الألم الذي لا يُروى بصيغة “أنا”، بل بصيغة “نحن” الصامتة.

ثاني عشر: مقارنات تشكيلية
مع بابلو بيكاسو

لا يمكن ألا نستحضر بابلو بيكاسو، ولا سيما في مرحلته التكعيبية. لكن الاختلاف جوهري: بيكاسو يفكك الشكل من أجل إعادة بناء الرؤية، أما إسماعيل خياط فيفكك الشكل لأنه يعيش عالمًا متشظيًا أصلًا. التكعيبية عند بيكاسو تجربة معرفية، أما عند إسماعيل فهي تجربة وجودية. بيكاسو يسأل: كيف نرى الإنسان؟ أما إسماعيل فيسأل: كيف يبقى الإنسان إنسانًا بعد كل هذا الخراب؟

مع جان دوبوفيه

تقترب اللوحة أيضًا من عالم جان دوبوفيه (Jean Dubuffet). فالخامة الخشنة، والرسوم الطفولية، والعفوية الظاهرة، كلها عناصر نجدها لدى دوبوفيه. غير أن دوبوفيه كان يحتفي بما سماه “الفن الخام” بوصفه رفضًا للمؤسسة الفنية، أما إسماعيل خياط فيستخدم هذه اللغة الخام لأنها اللغة الوحيدة القادرة على حمل ذاكرة شعبٍ جُرح طويلًا. العفوية هنا ليست موقفًا جماليًا فقط، بل ضرورة أخلاقية.

مع بول كلي

تتجاور الرموز الصغيرة والعلامات المنتشرة في الخلفية مع تجربة بول كلي. لكن رموز كلي كانت تميل إلى الموسيقى والبراءة، أما رموز إسماعيل فتبدو كأنها شواهد قبور صغيرة أو آثار لكائنات اندثرت. إنها لغة ذاكرة، لا لغة حلم.

مع فرنسيس بيكون

من جهة أخرى، تستحضر اللوحة عالم فرنسيس بيكون؛ ليس بسبب التشابه الشكلي، بل لأن الوجه عند الاثنين يتحول إلى ساحة للعذاب. غير أن بيكون يصور العذاب الفردي والوجودي، أما إسماعيل خياط فيحمل فوق الوجه ذاكرة جماعية؛ وجهه لا يمثل شخصًا بعينه، بل يحمل آثار تاريخ كامل من القهر والمنفى والنجاة.

ثالث عشر: القراءة النقدية

تكمن قوة هذه اللوحة في أنها لا تبحث عن الجمال التقليدي، ولا عن الإتقان التشريحي، بل عن صدق التجربة. فهي لا تطلب من المتلقي أن يُعجَب بالشكل، وإنما أن يدخل في حوار مع أثر الإنسان بعد أن مرّ عليه الزمن والذاكرة والخراب.
إنها لوحة تُقاوم الإغلاق التأويلي؛ فكل عنصر فيها يبقى مفتوحًا، والخطوط لا تنتهي عند حدود الشكل بل تمتد إلى خيال المشاهد. وبهذا المعنى، لا يكون المتلقي مستهلكًا للصورة، بل شريكًا في إنتاج معناها. القراءة الفلسفية هنا ليست إضافة خارجية تُفرَض على العمل، بل استكمال لحركةٍ بدأها العمل نفسه حين رفض أن يمنح نفسه معنى نهائيًا.
خاتمة
يمكن القول إن إسماعيل خياط لا يرسم وجهًا، بل يرسم الشرخ الذي يسكن الوجه. ولا يصوّر إنسانًا بعينه، بل الكينونة الإنسانية وهي تحاول أن تحتفظ بما تبقّى من ذاتها بعد العنف والذاكرة والزمن.
لهذا تتجاوز هذه اللوحة حدود التعبيرية أو التجريد، لتغدو أنطولوجيا بصرية للهشاشة الإنسانية؛ عملًا لا يصف الألم، بل يجعل الألم نفسه لغةً تشكيلية، ويحوّل الوجه من ملامح إلى سؤال: كيف يظل الإنسان قادرًا على النظر إلى العالم، حين يصبح العالم نفسه جرحًا مفتوحًا؟

بيانات العمل: لوحة للفنان إسماعيل الخياط، قياسها 3 × 3 سم، وهي محفوظة حاليًا لدى الغاليريست فائق رسول.

#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم