فيلم قانون هيرودس Herod’s Law هو فيلم مكسيكي صدر سنة 1999، من إخراج لويس إستريادا Luis Estrada المعروف بجرأته الفنية، وبمعالجته للمواضيع السياسية والاجتماعية بأسلوب ساخر ولاذع. يعد هذا الفيلم هو الفيلم الثاني الذي شاهدته له بعد فيلم الجحيم Hell أو El infierno بالإسبانية والمنتج سنة 2010.
الفيلم يقدم نقدا صريحا لنظام وسلطة الحزب الثوري المؤسساتي المكسيكي (PRI)، هكذا الأخير قد حكم المكسيك لأكثر من سبعين عاما دون انقطاع تقريبا. ابتداءا من سنة 1929 إلى سنة 2000، أي أكثر من 70 سنة. وهي واحدة من أطول فترات الحكم المتواصل لحزب واحد في التاريخ الحديث. عند عرضه، واجه الفيلم في البداية رقابة شديدة من الحزب، وحاولوا منع عرضه أو تأجيله خوفا من تأثيره على الانتخابات.
يكشف لنا “إستريادا” ميكانيزمات السلطة الديكتاتورية وطرائق اشتغالها بأسلوب كوميدي كعادته، ليس الغرض من الفيلم ترفيه المشاهد وإضحاكه، بل دفعه إلى التفكير. هنا يكون الضحك الذي يستفز المشاهد ضحكا مرا على بشاعة الواقع، والمشهد الذي يبدو لنا طريفا ينتهي غالبا بشكل صادم أو دموي.
فالبرغم من أن موضوع الفيلم محلي الطابع، إلا أنه كذلك يعتبر نقدا موجها للسلطة الديكتاتورية بشكل عام، وفكرته العامة تنطبق على النظم السياسية الفاسدة في كل مكان وزمان. فـ “خوان فارغاس” بطل الفيلم الذي كان مجرد عامل نظافة، تم تعيينه في منصب العمدة على أمل أن يملأ الفراغ ويجلب النور والتغيير للبلدة الفقيرة المسماة “سان بيدرو دي لوس ساغواروس” – وهي بلدة خيالية – تحت شعار “الحداثة والعدالة الاجتماعية”، يمثل الحاكم/الرئيس في أي نظام سياسي فاسد.
فارغاس الذي كان في البداية رجلا ساذجا وطيبا، نزيه ولديه مبادئ سامية، سرعان ما تحول إلى شخص فاسد بعدما تذوق طعم السلطة واستسلم لإغراءاتها؛ حيث تعود على أخذ الرشاوي من السكان، وتصفية خصومه مستخدما أساليب وحشية ومرعبة في سبيل البقاء في السلطة، في تحول دراماتيكي يعكس المقولة الشهيرة: “السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”. ولأجل الوصول إلى غايته استخدم قانون هيرودس والمسدس (هيرودس هو ملك مذكور في الرواية الإنجيلية وقد كان طاغية)، القانون هو الوسيلة ناعمة للإخضاع والتحكم، أما المسدس فيرمز للقوة والعنف. إذا لم يلتزم السكان بالقانون طواعية، حينها يتم اللجوء إلى المسدس كحل أخير.
لكي يكون الحاكم فاسدا ومتسلطا، يحتاج إلى مواطنين أميين وفقراء، وهذا هو بالضبط حال سكان سان بيدرو دي لوس ساغواروس. فهذه البلدة الفقيرة والمهمشة، التي تنعدم فيها أبسط المرافق الضرورية كالمدرسة وباقي البنية التحتية الحيوية، كان لها – لسوء الحظ – تاريخ طويل مع العُمَد الفاسدين؛ إذ إن أغلبهم كانت نهايتهم بشعة على يد السكان الثائرين، حتى غدت بمثابة مقبرة للمفسدين. وهي إشارة إلى فكرة مفادها أن ثورة الفقراء محدودي الوعي والثقافة تُعيد إنتاج نفس المسؤولين الفاسدين.
لكن التخلص من مسؤول فاسد في سان بيدرو ليس حلا كافيا، ولا يعني القضاء التام على الفساد، لأنه فساد بنيوي. فالمشكل أكبر من ذلك بكثير؛ إذ نحن أمام أزمة نظام سياسي واجتماعي، لأن الفساد المستشري لا يقتصر على المسؤولين فقط، بل هو فساد عضوي يشمل جميع فئات المجتمع. والعمدة ليس سوى ترس صغير في ماكينة فساد ضخمة؛ فالعمدة الفاسد ينتمي إلى حزب فاسد. هذا الأخير كان يقتات من مكاسب الثورة ويستفيد منها، حولها إلى رواية رسمية واحدة، وقدم نفسه الوريث الشرعي والوحيد لها. وباسم الحفاظ على الثورة كان يتخلص من خصومه بطرق غير شرعية، متهما إياهم بمعاداة الثورة، وذلك من أجل الحفاظ على استمرارية سلطته وامتيازاته.
#سينما العالم
#مجلة ايليت فوتو ارت.


