قالت مى زيادة في الحفلة التي أقيمت مساء ۱۰ آب ( اغسطس ) ( يوم عيد العذراء ) سنة ١٩١٢ في بكفيا بلبنان

كلمة مى زيادة ألقيت في الحفلة التي أقيمت مساء ۱۰ آب ( اغسطس ) ( يوم عيد العذراء ) سنة ١٩١٢ في بكفيا بلبنان. من كتاب كلمات وإشارات لمى زيادة. “حفلة بكفيا لساني قاصر لا يهتدي إلى الكلمات المعبرة عما يهزني من عوامل التأثر والشكر لأهل هذه البلدة الجميلة الذين خصوني بالتفات رقيق فأقاموا في هذا العيد العظيم هذه الحفلة الأنيقة التي جعلت العيد عندي عيدين . ويا ليت لي بعض ما عند حضرات الخطباء والشعراء من الفصاحة والبراعة ، إذن لقابلت درر أقوالهم بالمثل ، ولما وجدتني متلعثمة في هذا الموقف . لو كان عندي أزهار ، أيها السادة والسيدات ، لقدمت إلى كل واحد وواحدة منكم زهرة تنطق بنضرتها عن شعوري . لكن الأزهار عندي قليلة جمعت في هذه الطاقة الواحدة ، وأنتم كثيرون ، وزهرات الحدائق تعيش يوماً وتموت في غده ، أما زهرات العواطف فتبقى على نضرتها دواماً . فاقبلوا إذا أزهار شكري القلبي وأسمى عواطف امتناني . ودوموا سعداء يمر بكم هذا الموسم عاماً بعد عام وأنتم أبدأ صاعدون في معارج العز والفلاح . *** أيها السادة والسيدات ، أجل ، شرقنا جميل ولكن الروح الشرقية التي تحييه أجمل منه . ومياه الشرق عذبة ، وأعذب منها العواطف الغزيرة المتدفقة في صدر الشرقي . وكل ما في الشرق من جبال وأودية ، من مروج وسهول ، من أنهار وأشجار بهي ، وأبهى من كل ذلك وأبهج ، تلك المكارم الكامنة في ثنايا الروح الشرقية . والتاريخ الشرقي تاريخ مجد وفخر ، ولكن هناك شيئاً أعظم منه وهو الذكاء الشرقي الذي أوجد التاريخ . هلا ذكرتم يوم كانت بلادنا نبراس الأمم وقائدة الشعوب ? هلا ذكرتم يوم كانت بلادنا مهد العلوم والصنائع والفنون ؟ على شواطئنا هذه ، على شواطيء فينيقيا القديمة ، ترعرع الفكر البشري وأطل الرقي من بين غيوم الجهل والخمول . كان البحر قبل الفينيقيين عصياً فعالجته همتهم القعساء فأطاع ، وسيروا فيه سفنهم طولاً وعرضاً حاملين إلى بلاد قامت على شواطئه ثمرة أتعابهم الفكرية واليدوية ومباديء المعارف الاجتماعية. انحنى الفينيقيون على الأرض فشقوا أديمها مستخرجين من أحشائها الثروة والغلال ، وتصرفوا بالمياه الضائعة في جوفها فاستخدموها لتعزيز الزراعة . لمسوا الصخر فلبي صاغراً ، وحدقوا في العناصر فانقادت لهم ، وما زالوا يكدون ويستنبطون حتى وضعوا للمستقبل قاعدة ارتقاء متينة . نعم ، هنا ابتسم الرقي ابتسامته الأولى ، وهنا خطا التقدم خطوته الأولى ، ومن هنا نقلت مباديء العلوم والفنون والصناعة والتجارة إلى اليونان ، إلى الرومان ، إلى العالم . قبل فينيقيا لم يكن يعرف أهل الحبشة قيمة ما عندهم من عاج ومواد ثمينة أخرى ، فسارت إليهم قوافل الفينيقيين فانتبهوا وتيقظوا . قبل فينيقيا لم يعرف أهل الجزر البريطانية معنى التجارة ، وظلوا جاهلين وجود معادن بها يقوم غناهم حتى ذهب إليهم قدموس التاجر الفينيقي على ظهر سفينته السوداء ، فألفتهم إلى ما لديهم وعلمهم أساليب التجارة . قبل فينيقيا كان الفكر البشري محدوداً مقيداً عاجزاً عن إبراز نفسه إلى عالم الوجود لصعوبة الكتابة الهيروغليفية . فلخص الفينيقيون تلك الرسوم الهيروغليفية العديدة في الحروف الأبجدية ، جاعلين لكل مقطع صوتي حرفاً. ومن الحروف تتألف الكلمات ، ومن الكلمات تتركب الجمل ، وبين الجملة والجملة على صفحات الأوراق تتجلى الأرواح ، وتخفق القلوب ، وتسيل الدموع ، ويسطع الفكر الإنساني بأنواره الباهرة .كذلك حملت فينيقيا إلى اليونان مباديء الفنون المختلفة، وعلمت الأمم أساليب الاستعمار . فهل نحن ذاكرون أنه علينا أن نستخرج من مستقبلنا تاريخاً لا يخجل حياله التاريخ القديم ؟ *** لقد قال عنا أهل الغرب ما قالوا فدعهم يفترون ! إن لكل أمة خطة سنتها أقدار الحياة ، وكل ما في الكون متموج إلى الأبد : فالأرض متموجة وأمواجها الجبال والسهول ، والمياه والبحار متموجة وأمواجها دوائر ودوام ومد وجزر ، والأثير يتموج ناقلا في تبيه الفلك الأصوات والأنوار والحر والبرد ، وفي المادة تتموج العناصر الكيماوية تموجاً عجيباً ، والنفس الإنسانية متموجة بعواطفها وأفكارها ورغائبها وميولها . وكذا أحوال الشعوب تصعد وتنحدر ، وترتقي وتنحط”، وتتقدم وتتقهقر . فما من أمة بلغت شأوا من الحضارة بعيداً إلا عادت تتراجع أو تتوقف عن المسير زمناً فيه تسبقها الأمم الأخرى . غير أن هذه الموجات العمرانية الواسعة لا تراها وتثبتها الا العصور البعيدة . توقف الشرق زمناً فقال الغرب : « هوذا الشرق في سبات عميق يشبه الموت » . لكن لم يلبث أن نفض الشرق عنه أكفان الهوان ونهض نهضة أدهشت من كان يحسبنا في غفوة لا تعقبها يقظة . فبلغت اليابان اليوم مبلغ أرقى الأمم في علومها وصناعاتها ونظاماتها ، وفي تأهبها لدفع الطواريء فملكت ناصية القوتين الهائلتين : الأدبية العلمية والوحشية الحربية . وها هي الصين المائجة بسكانها كالنمل تنهض بثورتها الحاضرة ، بعد جمود طويل ، نهضة يرجى منها كل خير . هذا في الشرق الأقصى ، أما في الشرق الأدنى فكلنا يذكر الثورة العثمانية وإن لم تأتنا بكل ما توقعناه من حسن النتائج . والخلاصة : إن المطلع على تاريخنا منذ نصف قرن ، يعلم أن الفرق بين ما كنا عليه وصرنا إليه كبير . *** الثورة العثمانية ! تلك الحركة العظيمة غير الدموية التي أذهلت الغرب ، لم نستفد منها كثيراً لأن الأمة لم تشترك فيها اشتراكا محسوساً ، بل كانت حركة عسكرية قصر التبديل فيها على هيئة الحكومة ، لكنها لم تغير من أخلاقنا شيئاً. يجب أن تكون الثورة فردية داخلية قبل أن تصير قومية عمومية : ثورة في الأفكار ، ثورة في المباديء ، ثورة في الاحتياجات ، ثورة في المطالب ، ثورة في كيفية المعيشة . يجب أن نغير طبائعنا قبل أن نغير حكامنا ، يجب أن يعكف كل على إصلاح نفسه قبل أن يتصدى لإصلاحالجمهور ، يجب خصوصاً أن نفهم معنى التضامن ، وأن نتكاتف ليس لغايات شخصية بل للخير العام ، والمصلحة العامة التي تشمل العدو والصديق والبعيد والقريب ، بل تشمل أبناء الوطن على الإطلاق . والتضامن من ارتقاء الجمهور بمثابة الاعتماد على النفس من ارتقاء الفرد . وما أقدر الذكاء والتضامن إذا هما مشيا جنباً إلى جنب ! *** والآن وقد فرغت من الكلام فأعز ما أتمنى هو أن أرى أبناء الوطن متحدي الكلمة ، موحدي الغاية ، مترابطين بالتضامن والتعاون ليعيدوا للشرق عزه الغابر ومجده القديم .وتحيتي الأخيرة إلى لبنان . لبنان ! يجب أن أنحني لهذه الكلمة العذبة المحبوبة ، لبنان ! هي كلمة واحدة ، هي لفظة صغيرة ، ولكن كل الحب وكل الرجاء فيها لأنها اسم الوطن الغالي . لبنان، الأمواج الزرقاء الطريه تلثم قدمه ، والثلوج البيضاء الطاهرة تكلل جبهته ؛ في صدره قبور الجدود والأحباب ، والتربة منه تعطف على بقاياهم عطف الأم على رضيعها . وعلى أكتافه يتنقل أبناؤه الأحياء أقوياء بالهمة والنشاط والأمل . ومن هؤلاء ينتظر شبيبة ذكية مفكرة عاملة ، ومنهم ينتظر مستقبلاً سعيداً وحياة ومجداً . فليحي لبنان ، وليحي الشرق !”ألقيت في الحفلة التي أقيمت مساء ۱۰ آب ( اغسطس ) ( يوم عيد العذراء ) سنة ١٩١٢ في بكفيا بلبنان. #القراءة_أسلوب_حياة #الكتب_خان_للنشر #مكتبة_الكتب_خان# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم