هل قُتلت رينيه لأنها مجرمة، أم لأنها ارتعبت من “شبح” لم يكلف نفسه عناء أن يعلن عن شخصيته وطبيعة مهمته ؟
بين الحس الأمني ومنطق العمل الشرطي والقانوني، والمشاعر الإنسانية تجاه مأساة هذه الأم التي كانت تبحث عن بداية جديدة في مدينة مينيابوليس:
في عالم العمل الشرطي ودوريات الطريق التي أفنينا فيها سنوات من أعمارنا، تعلمنا درساً مقدساً مفاده أن السلاح لا يخرج من قبوره إلا لحماية الحياة، لا لإزهاقها، وأن هيبة القانون لا تُبنى خلف قناع بل بوضوح الهوية والهدف؛ فنحن كرجال قانون وأمن نقف أمام مشهد يعبث بقدسية “الحق في الحياة” ويهدم أبجديات العمل الشرطي؛ فالمأساة لم تبدأ لحظة إطلاق النار، بل بدأت لحظة أن قرر رجل يحمل صفة الضبطية القضائية أن يواجه مدنياً وهو “مقنع”، متجاهلاً القاعدة الذهبية الأولى في إنفاذ القانون وهي “الإفصاح والظهور” وإبراز تحقيق الشخصية متى طُلب.
ولكن ما حدث مع السيدة “رينيه نيكول غود”، تلك الأم لثلاثة أطفال التي لم تتجاوز السابعة والثلاثين، يمثل شرخاً عميقاً في عقيدة الأمن وجرحاً في قلب العدالة؛ فالمشهد العبثي يبدأ من تلك اللحظة التي يواجه فيها مواطن مدني شخصاً “مقنعاً” يشهر سلاحاً نارياً في وجهه، فكيف لامرأة وحيدة في سيارتها أن تفرق بين رجل دولة ومجرم قاطع طريق إذا اختفت الشارة خلف القناع وغاب الإفصاح اللفظي الصارم عن الهوية؟ كيف تميز في لحظة رعب بين عميل فيدرالي وبين قاطع طريق أو قاتل مأجور؟
إن مجرد ارتداء القناع في موقف مواجهة يشكل بحد ذاته تهديداً وخطراً يستوجب رد فعل غريزي بالهرب، وهو ما فعلته الضحية التي استشعرت خطراً حالاً وجسيماً على حياتها، فحاولت النجاة بنفسها بالفرار من هذا المجهول المسلح، وهو تصرف لا يمكن تجريمه بل هو استجابة فطرية للخوف، خاصة وأن محاولة هروبها لم تشكل خطراً داهماً على حياة من حولها، إذ كان بإمكان العناصر الأمنية ببساطة إخلاء مسار السيارة والابتعاد عنها وتتبعها لاحقاً بدلاً من إعدامها ميدانياً…. لقد أهدر هذا العميل حق الضحية وحق الشهود في استبيان صفته، وحول “الهروب” المشروع من الخطر إلى ذريعة للإعدام الميداني، متجاوزاً بذلك كل حدود “الدفاع الشرعي” أو “أداء الواجب”.
هنا تسقط ذريعة “الدفاع الشرعي” عن رجل السلطة، فمن أبجديات إنفاذ القانون أن الخطوة الأولى لأي قبض أو استيقاف – في كافة القوانين في العالم ومن بينها مصر- هي الإعلان الواضح عن الصفة الرسمية، فإذا غاب هذا الإعلان وحل محله التخفي والتهديد الصامت، فقدت العملية شرعيتها الإجرائية، وتحول إطلاق النار المباشر والمكثف نحو جسد الضحية – وليس نحو إطارات المركبة لتعطيلها – إلى جريمة قتل عمدي مكتملة الأركان، تعكس نفسية مضطربة لعنصر قد يكون حديث العهد بالخدمة، تملكه حماس مفرط ورغبة جامحة في فرض السطوة وتوهم خطر لا وجود له إلا في مخيلته، متجاهلاً كل قواعد التدرج في استخدام القوة، لينهي حياة أم بريئة برصاصات اخترقت القانون قبل أن تخترق جسدها، تاركاً خلفه تساؤلاً مرعباً: هل قُتلت رينيه لأنها مجرمة، أم لأنها ارتعبت من “شبح” لم يكلف نفسه عناء أن يعلن عن شخصيته وطبيعة مهمته ؟ إن الرصاصة التي تخرج بدافع الخوف أو الاستعراض لا تصيب الهدف أبداً، بل تصيب ثقة المجتمع في حماته في مقتل.
#مجلة إيليت فوتو آرت


