تذكُّر – REMEMBER
هادي ياسين
يُوهِمُنا هذا الفيلم بحكاية رجل مُسن ناجٍ من الهولوكوست ، مقيم في دار للمسنين في مدينة نيويورك ، ولكنه مصاب بالخرَف ، إسمه ” زيف غوتمان ” ، لعب دوره الممثل الكندي ” كريستوفر بلامر ” ( 1929 ــ 2021 ) . و في أوج خَرَفه راح ” غوتمان ” يبحث عن نازي قتل عائلته اليهودية في معسكر ( أوشفيتز ) النازي في بولندا ، هكذا سنفهم .. و سنتـوَهّم .
يقوم هيكل الفيلم على فكرة التذكر و الإنتقام ، الإنتقام من النازي المجهول وفق خطة وضعها العجوز المُقعَد ” ماكس روزنباوم ” الذي يحرّض ” غوتمان ” على الإنتقام و يذكّره بما وعد به زوجته ” روث ” التي توفيت قبل أسبوع . و يوفر ” روزنباوم ” كل مستلزمات البحث عن القاتل ، من مال و سلاح و تأجير وسائل النقل و الإقامة في الفنادق ، و قد لعب دوره الممثل الأمريكي ” مارتن لاندو ” ( 1928 ــ 2017 ).
إذن ، فكرة الإنتقام باتت واضحة و المخطط بات واضحاً أيضاً ، ولكن التذكر مُلتبس ، وذلك بسبب وجود عدة أشخاص يحملون اسم ذات النازي المقصود ، و هو ” أوتو واليش ” الذي هاجر الى الولايات المتحدة تحت الاسم المستعار ” رودي كورلاندر ” . هذا الإلتباس يجعل ” غوتمان ” يتخبط في البحث عن الشخص المطلوب الحقيقي ، و يسافر الى عدة مدن و بلدات ــ في أمريكا و كندا ــ ليلتقي بعدة أشخاص يحملون إسم ” كورلاندر ” بحثاً عن النازي الحقيقي ” أوتو واليش ” . و هذا الإسم المستعار هو الذي شكّل الخيط الخفي الذي حرّك أحداث الفيلم .
لم يكن التوجه الأساسي لكاتب الفيلم ” بنيامين أوغست ” ــ و هو يهودي ــ نحو قضية اليهود و النازية ، و هو أول فيلم يكتبه ، بل كان ينوي إعادة الاعتبار للممثلين من كبار السن الذين
أهملتهم السينما . يقول الكاتب لصحيفة ( أخبار يهود كندا ) إن مفهوم ” تذكر ” بدأ بالرغبة في كتابة فيلم من بطولة رجال مسنين ، لقد شعر أن الممثلين المسنين تلقوا عدداً قليلاً من الأدوار الرئيسية في السنوات الأخيرة . ولكنه في ذات الوقت تناول قضية ( اليهود و النازية ) من زاوية مختلفة بعد أن ملّ الناس طريقة تناول ( الهولوكوست ) التقليدية ، فكتب سيناريو مختلفاً و من زاوية مختلفة ، فجعل الفيلمَ مشوقاً تشويقاً هادئاً و بعدد قليل من الممثلين ، و قد صاغ هذا التشويق بَصَرَياً المخرجُ الكندي ــ من أصل مصري / أرميني ” أتوم إيغويان ” على مدى ساعة و 34 دقيقة . اذا كان سيناريو الفيلم ينوي إعادة الاعتبار للممثلين من كبار السن الذين أهملتهم السينما لتقدمهم في العمر ، كونهم لم يعودوا يمثلون وجوهاً جاذبة ، و كان ينوي تقديم موضوعة اليهود و النازية خارج نمطية أفلام الهولوكوست ، فإنه جعل العجوز ” ماكس روزنباوم ” يستغل خَرَفَ ” زيف غوتمان ” لينتقم من النازيين بواسطة مخطط ذكي و خبيث أوصلنا الى نهاية الفيلم الصادمة غير المتوقعة ، و ستوصلنا هذه النهاية الى ادراك أن ” روزنباوم ” كان يعرف حقيقة ” زيف غوتمان ” ، و على أساس هذه المعرفة ذكّره و كلفه بالمهمة .. و بذلك ضرب عصفورين بحجر واحد. و عن ذلك كتب ” جيريل برونر ” من مجلة ( باريد ) واصفاً الفيلم بأنه ( أحد أقوى أفلام الانتقام من النازية و أكثرها تميزاً منذ فترة طويلة ) .
فيلم هادئ و جميل ، يستحق المشاهدة بعناية ، و هو من انتاج كندي آلماني لعام 2015 ، و قد عُرض أول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الثانية و السبعين و حظيَ بتصفيق الحضور لمدة 10 دقائق متواصلة .
#سينما العالم
#مجلة ايليت فوتو ارت.


