يُعد فيلم Certified Copy للمخرج Abbas Kiarostami واحدًا من أكثر الأفلام غموضًا وسحرًا في السينما المعاصرة؛ فيلم يبدو بسيطًا في ظاهره: رجل وامرأة يتجولان في شوارع وقرى توسكانا الإيطالية، يتحدثان عن الفن والحب والزواج. لكن كل دقيقة فيه تخفي طبقة جديدة من الأسئلة حول الهوية والذاكرة والحقيقة نفسها.
تبدأ الحكاية مع الكاتب البريطاني جيمس ميلر، الذي جاء إلى إيطاليا للترويج لكتابه “نسخة طبق الأصل”، حيث يدافع عن فكرة أن النسخة قد تمتلك قيمة جمالية لا تقل عن الأصل. تحضر إحدى النساء محاضرته، ثم تقرر أن ترافقه في رحلة قصيرة بالسيارة. يبدو الأمر في البداية لقاءً عابرًا بين غريبين، لكن الفيلم يبدأ تدريجيًا في زعزعة يقيننا. فجأة يتعامل الغرباء معهما كما لو كانا زوجين قديمين. والأغرب أن الاثنين لا يعترضان دائمًا على هذا الافتراض، بل يندمجان فيه شيئًا فشيئًا حتى يصبح المشاهد عاجزًا عن الجزم: هل هما غريبان يلعبان دور زوجين؟ أم زوجان حقيقيان يتظاهران بأنهما غريبان؟ أم أن الأمرين معًا صحيحان بطريقة ما؟
هذه الحيرة ليست لغزًا يريد كيارستمي حله في النهاية، بل هي جوهر الفيلم نفسه. فكما يناقش الكتاب قيمة النسخة والأصل، يناقش الفيلم أيضًا ما إذا كانت الحقيقة الموضوعية مهمة أصلًا في العلاقات الإنسانية. هل الحب الحقيقي هو الحب الأول النقي كما نتخيله؟ أم النسخة التي يعيدها الزمن بعد أن تمر عليها سنوات من التعب والاعتياد وخيبات الأمل؟ هل الزوجان بعد خمسة عشر عامًا هما الأصل أم مجرد نسخة باهتة من نفسيهما القديمة؟
الفيلم كله قائم على هذه الازدواجية. الحوار يتحول إلى مرآة متكسرة تعكس صورًا متعددة للشخصيتين. كل كلمة يمكن فهمها بطريقتين، وكل نظرة تحتمل أكثر من معنى. كيارستمي لا يمنح المشاهد أرضًا صلبة يقف عليها، بل يجبره على العيش داخل الاحتمال ذاته. ولهذا يشعر البعض أن الفيلم أقرب إلى حلم طويل منه إلى قصة تقليدية.
أداء Juliette Binoche مذهل بكل معنى الكلمة. تحمل الفيلم على كتفيها تقريبًا، متنقلة بين الفرح والحنين والغضب والانكسار بمرونة استثنائية. شخصيتها تبدو في لحظة امرأة تلتقي رجلاً للمرة الأولى، وفي اللحظة التالية زوجة تحمل سنوات من المرارة المكبوتة. هذا التحول المستمر يجعلها نابضة بالحياة بصورة مدهشة. أما William Shimell فيقدم شخصية باردة ظاهريًا، لكنها تخفي خلف هدوئها طبقات من الارتباك والوحدة.
من الناحية البصرية، يصور كيارستمي توسكانا كأنها مساحة معلقة بين الواقع والخيال. المقاهي والكنائس والساحات القديمة لا تعمل مجرد خلفيات للأحداث، بل تتحول إلى عناصر درامية تشارك في بناء المعنى. المرايا والنوافذ والانعكاسات تتكرر باستمرار، وكأن الفيلم يذكرنا دائمًا بأننا لا نرى الأشياء نفسها، بل صورها وانعكاساتها ونسخها.
ورغم الطابع الفلسفي العميق، لا يفقد الفيلم حساسيته الإنسانية. فخلف كل النقاشات حول الفن والأصالة توجد قصة مؤلمة عن المسافة التي تتسلل بين شخصين مع مرور الوقت. عن الحاجة إلى أن يُرى الإنسان ويُفهم ويُحَب، وعن العجز المتكرر عن تحقيق ذلك حتى مع أقرب الناس إلينا. لهذا يبدو الفيلم أحيانًا تأملًا في الزواج أكثر مما يبدو تأملًا في الفن.
أما النهاية، فهي من تلك النهايات التي لا تُغلق شيئًا. لا تقدم إجابة، بل تترك المشاهد أمام مرآة الفيلم الأخيرة. بعد كل ما رأيناه، لا نعرف على وجه اليقين من يكون هذان الشخصان، لكننا نعرف شيئًا أهم: أن الهوية نفسها ربما ليست حقيقة ثابتة، وأن العلاقات الإنسانية تُبنى بقدر كبير من الخيال والتمثيل والذكريات المنتقاة، تمامًا كما تُبنى الأعمال الفنية.
في النهاية، لا يسأل Certified Copy ما إذا كانت النسخة أقل قيمة من الأصل، بل يطرح سؤالًا أكثر إرباكًا: ماذا لو لم يكن هناك أصل أصلًا؟ ماذا لو كانت حياتنا كلها سلسلة من النسخ التي نعيد تشكيلها كل يوم، ونمنحها معناها فقط لأننا نؤمن بها؟ لهذا يبقى الفيلم تجربة فريدة؛ عملًا لا يُشاهَد بحثًا عن إجابات، بل بحثًا عن أسئلة أعمق، وأسئلة كيارستمي دائمًا أكثر جمالًا من أي إجابة ممكنة.
#مجلة ايليت فوتو ارت


