فيلم «سِلمى» (إخراج آفا دوفيرناي) يعد نموذجاً دالاً على دور السينما كمرآة للعدالة الاجتماعية.

ثمن التقدّم: السينما كمرآة للعدالة الاجتماعية وحقوق الأميركيين السودأسامة عبد الكريم – مجلة «سومر» السينمائية ما ثمن التقدّم؟ سؤال يتردّد بقوة في كل عمل سينمائي يتناول تاريخ العدالة الاجتماعية وحقوق الأميركيين السود من أصول أفريقية. فالتقدّم، كما تكشفه السينما، لم يكن مساراً خطياً ولا مكسباً مجانياً، بل حصيلة نضال طويل، وتضحيات جسيمة، وأرواح دفعت ثمن المطالبة بما يفترض أنه بديهي: الكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون.في قلب هذا السرد تقف حركة الحقوق المدنية بوصفها لحظة فاصلة في التاريخ الأميركي، وحالة اختبار حقيقي لفكرة الديمقراطية نفسها. السينما، منذ عقود، أدركت أن هذه اللحظة ليست مجرد مادة تاريخية، بل جرح مفتوح وأسئلة لا تزال راهنة. من هنا تأتي أهمية أفلام الحقوق المدنية، ليس فقط كتأريخ بصري، بل كأداة نقدية تعيد مساءلة الحاضر عبر الماضي.يبرز الدكتور مارتن لوثر كينغ الابن كأحد أهم رموز هذا النضال، ليس لأنه كان الصوت الأعلى فحسب، بل لأنه جسّد رؤية أخلاقية للعدالة الاجتماعية تقوم على اللاعنف، والضغط المدني، وقوة الجماعة. كينغ في السينما ليس تمثالاً جامداً ولا خطيباً أسطورياً، بل إنساناً محاطاً بالشكوك، مثقلاً بالمسؤولية، ومدفوعاً بإيمان عميق بأن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع. إلى جانبه، تبرز أسماء أخرى غالباً ما همّشتها السرديات السائدة، مثل جيمس بيفِل، وروزا باركس، وجون لويس، وغيرهم ممن شكّلوا العمود الفقري للحركة. كما لا يمكن فصل صورة مارتن لوثر كينغ في السينما عن خطبه المفصلية التي شكّلت الوعي الجمعي للحركة، وفي مقدمتها خطابه الشهير «لديّ حلم» (I Have a Dream). هذه الخطبة لم تكن مجرد لحظة بلاغية مؤثرة، بل مشروعاً أخلاقياً متكاملاً صاغ فيه كينغ رؤية واضحة لمجتمع عادل يتجاوز الانقسام العرقي دون أن يتجاهل جذوره. بلغة بسيطة وعميقة في آن، ربط كينغ بين الدستور الأميركي والقيم الإنسانية الشاملة، محوّلاً الحلم إلى أداة ضغط سياسي وسلمي. وقد نجحت خطبه في تحويل الغضب إلى أمل، واليأس إلى فعل جماعي منظم، وهو ما جعلها مادة حية تستلهمها السينما بوصفها نصوصاً مؤسسة للعدالة الاجتماعية لا مجرد وثائق تاريخية. فيلم «سِلمى» (إخراج آفا دوفيرناي) يعد نموذجاً دالاً على هذا التوجّه السينمائي. فهو لا يكتفي بإعادة تمثيل المسيرات الشهيرة من مدينة سلمى إلى مدينة مونتغمري، بل يكشف البنية العميقة للظلم الممنهج، وكيف تحوّل الحق في التصويت إلى ساحة مواجهة بين دولة تدّعي الديمقراطية ومواطنين محرومين منها. المخرجة دوفيرناي تقدّم العدالة الاجتماعية هنا كفعل جماعي، لا كبطولة فردية، وتظهر أن الانتصار السياسي ــ توقيع قانون حقوق التصويت ــ لم يكن نهاية الصراع، بل بداية وعي جديد بقوة الضغط الشعبي. تُحسب لهذه الأفلام قدرتها على كسر الحياد الزائف. فهي لا تتخفّى وراء الموضوعية الباردة، بل تنحاز بوضوح إلى العدالة، وتفضح عنف السلطة، وتُعيد تعريف الوطنية بوصفها مساءلة مستمرة للسلطة لا طاعة عمياء لها. في هذا السياق، تصبح السينما مساحة أخلاقية، تذكّر المشاهد بأن التقدّم الذي نعيشه اليوم هو ثمرة دموع ودماء الأمس.في عام 2026، لا تبدو أفلام الحقوق المدنية مجرّد استعادة نوستالجية لزمن مضى، بل قراءة نقدية حادّة لواقع لم يُحسم بعد. فعودة قضايا التمييز البنيوي، وتقييد الحقوق الانتخابية، والعنف الموجّه ضد السود، تمنح هذه الأعمال راهنية مضاعفة. إنها أفلام تضع المشاهد أمام مسؤوليته الأخلاقية، وتطالبه بعدم الاكتفاء بالتعاطف، بل بطرح أسئلة صعبة حول موقعه من الظلم القائم. إرث مارتن لوثر كينغ، في هذا السياق، لا يُختزل في الخطب والشعارات، بل يقاس بمدى قدرتنا على تحويل الذاكرة إلى فعل، والتاريخ إلى التزام حيّ. وهكذا، تذكّرنا السينما بأن ثمن التقدّم لم يدفع مرة واحدة، وأن العدالة الاجتماعية مشروع مستمر، يتطلّب يقظة دائمة وشجاعة لا تقل عن شجاعة أولئك الذين ساروا في شوارع سلما قبل أكثر من نصف قرن.. ـ سينما العالم ـ مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم