فيلم القارئ The Reader مع رابط للمشاهدة مع الاسرة.

فيلم القارئ The Readerتبدأ قصة فيلم القارئ من شتاءٍ ألمانيٍّ ثقيل ، مطرٌ بارد وأزقةٌ رمادية ، وصبيّ في الخامسة عشرة من عمره اسمه “مايكل بيرغ” يعود إلى البيت منهكاً فينهار فجأةً من شدة المرض. عند مدخل عمارة قديمة تظهر امرأةٌ غامضة في منتصف الثلاثينات ، اسمها “هانا شميتز”، فتسعفه وترافقه إلى منزله. لا يعرف الصبيّ أن هذه اليد التي امتدت لإنقاذه ستسحبه لاحقاً إلى أكثر علاقات حياته تعقيداً ، علاقة تبدأ بالامتنان… ثم تتحول إلى افتتانٍ غريزيّ، ثم تصبح قدراً.بعد أشهر من التعافي ، يذهب مايكل ليشكرها بباقة ورد. تستقبله ببرودٍ يربكه، ثم يلاحظ فيها شيئاً يفتنه ويقلقه في آنٍ واحد ، امرأةٌ لا تشبه النساء العاديات، حازمة، صامتة، ومع ذلك تحمل في داخلها اشتعالاً مكبوتاً. تتطور العلاقة سريعاً إلى علاقة سرية تُخفيها المدينة الصغيرة خلف ستائر البيوت. وفي قلب هذه العلاقة شرطٌ غريب تضعه هانا دون تفسير ، قبل كل لقاء، عليه أن يقرأ لها من كتاب. القراءة هنا ليست ترفاً، بل طقساً. كأن الجسد لا يكتمل إلا بصوتٍ يتلو الروايات، وكأن الحب نفسه لا يكتمل إلا حين يمر عبر الأدب.يمضي الصيف وتتحول أيام مايكل إلى إدمانٍ مزدوج ، إدمانها وإدمان القراءة لها. غير أن هذه النشوة لا تلبث أن تنكسر حين تختفي هانا فجأةً دون وداع، دون رسالة ، دون أثر. يضيع الصبيّ كما يضيع طفلٌ تُسحب منه لعبته المفضلة دفعة واحدة. تمر السنوات ، وتكبر الأسئلة معه، لكن الحياة لا تمنحه جواباً… إلا في المكان الأقل توقعاً ، المحكمة.بعد سنوات ، يصبح مايكل طالباً في كلية الحقوق، ويذهب مع زملائه لمتابعة جلسات محاكمة تخص جرائم الحرب النازية ، فإذا به يفاجأ بهانا تقف متهمةً ضمن مجموعة من النساء: حارسات سابقات في معسكرات الاعتقال. الصدمة ليست في أنها هناك فقط ، بل في أن الماضي الذي كان يخفيه عنها يتحول إلى حقيقةٍ عارية أمام الجميع. وتتصاعد المأساة حين تُتهم هانا بأنها قادت عمليةٍ انتهت بحرق مئات النساء داخل كنيسة أثناء قصفٍ جوي، وتُدفع إلى واجهة الجريمة بوصفها “العقل المدبر”، لأن تقريراً مكتوباً يُنسب إليها.لكن مايكل يلتقط في أثناء المحاكمة تفصيلاً صغيراً… تفصيلاً يهدم كل شيء ويعيد بناء كل شيء ، هانا كانت تطلب دائماً أن يُقرأ لها. كانت تبكي وهي تستمع. كانت ترفض أن تقرأ بنفسها. هنا، يدرك مايكل أن وراء فظاعة ماضيها سراً آخر تخجل منه أكثر من خجلها من جرائم الحرب: هانا لا تقرأ ولا تكتب. أمّيتها هي قيدها الحقيقي، وهي السبب الذي يجعلها تقبل أن تُدان بتهمة كتابة التقرير بدل أن تكشف الحقيقة. إنّها تفضّل السجن المؤبد على انكسار كبريائها أمام القاضي والناس.وهكذا يتحول الفيلم من قصة علاقةٍ غير متكافئة إلى مواجهةٍ شائكة بين الذنب والعار، بين الجريمة والضعف، بين التاريخ بوصفه كارثة، والإنسان بوصفه لغزاً. مايكل يختنق بالحقيقة: يستطيع أن ينقذها بكلمة واحدة لو قال للقاضي إنها أمية، لكنه في الوقت ذاته يرى أنها هي نفسها اختارت مصيرها… اختارت أن تدفع حريتها ثمناً لسرٍّ تعتبره أشد مرارة من كل ما ارتكبته.من هنا يشتغل الفيلم على طبقاته الأعمق: ليس الطبقة العاطفية وحدها، بل طبقة ما بعد الحرب، تلك التي تمثل صراع الجيل الألماني الذي وُلد بعد النازية مع إرثٍ لم يصنعه لكنه يلاحقه. مايكل لا يعيش الحب فقط، بل يعيش سؤالاً أخلاقياً رهيباً: هل يمكن أن يحب جلاداً؟ هل يمكن أن تتداخل الرغبة مع الإدانة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يفرّق داخل قلبه بين المرأة التي أحبها وبين المرأة التي شاركت في منظومة الموت؟أداء كيت وينسلت في دور “هانا” هو جوهر الفيلم النابض. ليست “شريرة” بالصورة الكاريكاتيرية، وليست “ضحية” كاملة. إنها امرأةٌ حادة مثل السكين، مغلقة مثل بابٍ صدئ، لكنها في داخلها معاناة تخرج على هيئة دمعة حين تُقرأ لها الكلمات. وينسلت جعلت من الشخصية مزيجاً مؤلماً من القوة والعار، من الرغبة والفراغ. لهذا لم يكن فوزها بجائزة الأوسكار مجرد تتويج لدورٍ ناجح، بل اعترافاً بأن السينما حين تقترب من المنطقة الرمادية في الإنسان تستطيع أن تُحدث رجّةً أخلاقية في المتلقي.أما رالف فاينس فيقدم “مايكل” في مرحلته اللاحقة بوجهٍ يحمل ندبة الزمن ، رجل لا يستطيع أن ينسى، ولا يستطيع أن يسامح تماماً، ولا يستطيع أن يكره تماماً. وفي مرحلته الأولى يظهر الممثل الشاب الذي أدى دور “مايكل” كمراهق بوصفه قلباً مفتوحاً على الفتنة وعلى الألم، مراهقاً لا يعرف أنه سيدفع ثمن كل لحظةٍ عاشها لاحقاً.مخرج فيلم القارئ (The Reader) البريطاني ستيفن دالدري (Stephen Daldry) ، تعامل مع الحكاية بهدوءٍ محسوب. لا افتعال ولا خطابة. المشاهد تُبنى على الإيحاء أكثر من الإعلان. الكاميرا تترك المساحات للصمت، لأن الصمت هو اللغة الحقيقية في هذا الفيلم ، صمت هانا عن سرّها، صمت مايكل عن إنقاذها، وصمت ألمانيا كلها وهي تحاول أن تفهم كيف تحوّل بشرٌ عاديون إلى تروسٍ في ماكينة إبادة.إن القارئ في جوهره ليس فيلم حب، بل فيلم عن “الثمن”. ثمن الشهوة، وثمن الأسرار، وثمن العار، وثمن التاريخ. إنه فيلم يضع المشاهد أمام معادلة صادمة ، قد تُدان هانا لأنها شاركت في الجريمة، لكنها أيضاً سجنت نفسها داخل سجنٍ آخر اسمه الأمية، وهذا السجن ربما كان أقدم من النازية نفسها. وبين السجنين تضيع الحقيقة: من هو المذنب حقاً؟ الفرد؟ المجتمع؟ التاريخ؟ أم كلهم معاً؟وفي النهاية، حين تتحول القراءة إلى شريط كاسيت يرسله مايكل إلى السجن كي تتعلم هانا الحروف متأخرة، يبدو الأمر كأنه اعتذارٌ لا يقال مباشرةً. اعتذارٌ متردد، بارد، يائس، لكنه الوحيد الممكن. غير أن المأساة لا تنتظر اكتمال التعلم، لأن بعض الأرواح تتعلم الحروف بعد فوات الأوان.هكذا يخرج المشاهد من القارئ وهو يشعر أن الفيلم لم يعرض قصة فقط ، بل فتح جرحاً ، جرحَ الذاكرة حين تتحول إلى محكمة ، وجرحَ الحب حين يصطدم بالحقيقة ، وجرحَ الإنسان حين يخجل من ضعفه أكثر مما يخجل من خطيئته.الفيلم ترجمة سينمائية لرواية الكاتب الآلماني ” برنهارد شلينك ” بعنوان Der Vorleser (القارئ) وتعني حرفياً الشخص الذي يقرأ بصوتٍ عالٍ للآخرين).طول فيلم القارئ (The Reader) حوالي (ساعتين و4 دقائق).ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلمشاهدة الفيلم اضغط على الرابط التالي https://ok.ru/video/357796416240

سينما العالم # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم