فيلم حافة جبل هاكسو Hacksaw Ridgeبعد سنوات من الأفلام الحربية التي اعتادت أن تُقنعنا بأن البطل هو من يُتقن إطلاق النار، جاء فيلم (Hacksaw Ridge – حافة جبل هاكسو) عام 2016 ليقلب المعادلة كاملةً، وليضع أمامنا بطلاً لا يحمل بندقية، ولا يرفع إصبعه على الزناد، ومع ذلك يدخل التاريخ العسكري الأمريكي من أوسع أبوابه، بوصفه واحداً من أكثر الرجال شجاعةً في الحرب العالمية الثانية… بل أول “مُستنكف ضميري” يحصل على وسام الشرف الأمريكي Medal of Honor.الفيلم من إخراج النجم والمخرج الأسترالي الأمريكي مِل گبسون، وهو مخرجٌ يُجيد صناعة الألم على الشاشة كما لو أنه يعرفه شخصياً، ويُجيد نقل الجسد الإنساني في أقصى لحظات انكساره… ثم في أقصى لحظات قيامته. من هنا هذا الفيلم ليس مجرد حكاية حرب، بل يبدو ، وكأنه إنجيلٌ سينمائي عن معنى الإيمان حين يتحول إلى قوة عضلية، وعن البطولة حين تتعرّى من السلاح.منذ اللقطة الأولى يضعنا الفيلم في مواجهة مباشرة مع حقيقة الحرب ، ليست موسيقى حماسية ولا أعلام ترفرف، بل طينٌ ودمٌ وأعضاءٌ مبتورة وصرخاتٌ تأتي من تحت الجثث. معركة أوكيناوا التي يصورها الفيلم ليست “معركة” بالمعنى المألوف، بل هي جحيمٌ مفتوح… مكانٌ تتوقف فيه أخلاق العالم، وتبدأ فيه غريزة البقاء عاريةً تماماً. وهذه المعركة تحديداً كانت جزءاً من معركة أوكيناوا في المحيط الهادئ، حيث كُلّفت القوات الأمريكية بالصعود إلى مرتفعٍ شديد الوعورة يُعرف باسم Maeda Escarpment، وهو ما صار يُسمّى بين الجنود بـ Hacksaw Ridge (حافة المنشار). لكن العبقرية الكبرى في الفيلم ليست في مشاهد الحرب وحدها، بل في تقديم شخصية البطل ، ديزموند دوس Desmond Doss، الذي جسّد دوره ببراعة روحية نادرة الممثل أندرو گارفيلد Andrew Garfield ، شابٌ متديّن من طائفة السبتيين Adventists، يرفض القتل رفضاً عقائدياً لا يقبل التفاوض، ومع ذلك يذهب إلى الجيش لا ليحارب، بل ليُسعف. إنه يدخل الحرب لا ليأخذ الروح، بل لينقذها. وهنا تبدأ المفارقة التي تمنح الفيلم وهجه ، كيف يتعامل جيشٌ كامل، مبنيٌّ على فكرة القتل المنظم، مع جندي يرفض حمل السلاح؟الفيلم يرسم هذا الصراع بواقعية قاسية: إهانات، ضرب، سخرية، تهم جبن، ضباط يرون فيه خللاً يجب إصلاحه أو كسره، وزملاء يعتقدون أنه حملٌ زائدٌ في معركة لا ترحم. لكنه لا ينكسر… لا لأنه عنيدٌ فحسب، بل لأنه مؤمنٌ بأن الضمير أقوى من الرصاص.يصل الفيلم في منتصفه إلى تلك النقطة التي يتساقط فيها كل التمهيد، وتصبح الشاشة ساحة حرب مطلقة. المعركة على الحافة ليست مجرد إطلاق نار، إنها سيمفونية رعب: كاميرا سيمون دوغان Simon Duggan تلتقط طيران الأجساد وشظايا القنابل كأنها أمطارٌ معدنية، والمونتاج يحوّل الفوضى إلى إيقاع، أما الصوت فيبدو كأنه جزء من القصف لا جزء من الفيلم. وقد نال الفيلم بالفعل تقديراً كبيراً في الأوسكار، وحصل على جائزتي الأوسكار لأفضل مونتاج وأفضل مزج صوت ضمن 6 ترشيحات. ثم تأتي اللحظة التي تجعل الفيلم، في ذاكرة السينما، أعلى من كونه فيلماً حربياً ، لحظة انسحاب الجنود من الحافة، وبقاء المصابين هناك، حيث يختلط الليل بالدم، والبرد بالرعب، والصرخات بالموت. هنا يظهر “الجندي الأعزل” وهو يعود وحده إلى الأعلى… ليس لينتقم ولا ليقتل، بل ليفتش بين الجثث عن الحياة. كأنه صيادُ أرواحٍ معكوس ، لا يسحب الضحايا إلى الموت، بل يسحبهم من الموت إلى النجاة.وفي تلك الليلة ، التي صارت أسطورة عسكرية يبدأ ديزموند دوس بإنزال المصابين واحداً واحداً بواسطة حبلٍ من أعلى الجرف، وهو يكرر دعاءً بسيطاً صار أشهر من أي خطاب سياسي “يا رب… دعني أنقذ واحداً آخر.”وبحسب سجلات وسام الشرف الأمريكي، فإن بطولاته الممتدة في أوكيناوا كانت بين 29 أبريل إلى 21 مايو 1945. أما عدد من أنقذهم فقد اشتهر برقم 75 جندياً، مع وجود تقديرات تتفاوت تاريخياً. هنا تتحول الفكرة كلها ، فالحرب التي بُنيت على الموت، يتسلل إلى قلبها رجلٌ لا يحمل سوى “الإيمان” و”الحبل”. وتتغير نظرة الجميع إليه. الضابط الذي كان يراه عاراً يصبح يرى فيه شرفاً، والجنود الذين كانوا يسخرون منه صاروا ينتظرونه قبل أن يبدأ الهجوم التالي، حتى إن الفيلم يُدخلنا إلى تلك المفارقة المدهشة: الجنود يؤخّرون الهجوم إلى أن ينهي صلاته السبتية.الفيلم لا يخلو من اللمسة الجبسونية التي تُحب الألم وتجعله طريقاً للخلاص، وهذه سمة ملازمة لمخرج قدّم قبلها فيلم The Passion of the Christ ، آلام المسيح. لكنه هنا ينجح ، إلى حد بعيد ، في جعل هذا البعد الروحي متوازناً مع الواقعية الحربية القاسية، فلا ينقلب الفيلم إلى وعظٍ صريح، بل يبقى داخل الشعرية الإنسانية للحدث ، رجلٌ وجد في الحرب طريقاً ليبرهن أن الإنسان قادر على أن يكون “بطلاً” دون أن يكون قاتلاً.وفي النهاية، لا يخرج المشاهد من الفيلم وهو يتذكر المعركة فحسب، بل وهو يتذكر السؤال الذي تركه الفيلم مثل شظيةٍ في القلب:هل الشجاعة هي أن تقتل كي تعيش؟أم أن الشجاعة الأعلى هي أن تحمي الحياة حتى في قلب الموت؟هكذا يبقى Hacksaw Ridge فيلماً أكبر من حرب، لأنه يحكي عن ذلك النوع النادر من البشر… الذين لا يهزمون أعداءهم، بل يهزمون غريزة القتل داخل أنفسهم. فيلمٌ يُثبت أن البطولة ليست دائماً صوت الرصاص… أحياناً تكون صوت الضمير وهو يمشي وحيداً في الجحيم.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاضغط على الرابط التالي لمشاهدة الفيلمhttps://ok.ru/video/460858657482


