1917 حين تركض مع الرصاصة لتسبق الموت برسالة
حين أعلن Sam Mendes عن فيلمه 1917، لم يكن يعدنا بحكاية حرب جديدة، بل كان يعدنا بتجربة حسّية كاملة، أشبه بعبور فعلي للأرض الحرام. الفيلم لا يروي الحرب بقدر ما يجعلنا نعيشها لحظة بلحظة، نسمع أنفاسها، نشم ترابها، ونرتجف أمام صمتها المطبق قبل أن تمزقه قذيفة أو طائرة عابرة.
القصة في ظاهرها بسيطة: جنديان بريطانيان، يُكلفان بمهمة شبه مستحيلة لإيقاف هجوم وشيك سيقع في فخ محكم نصبه الجيش الإمبراطوري الألماني. لكن ما يفعله Mendes بذكاء المخرج العارف، أنه يحوّل البساطة إلى ملحمة، ويحوّل المهمة إلى رحلة إنسانية وجودية، لا مجرد سباق مع الوقت.
الجندي الأول هو William Schofield، يؤديه ببراعة عالية الممثل George MacKay، وجندي يرافقه في بداية الطريق هو Tom Blake، يؤديه الممثل Dean-Charles Chapman. الاثنان لا يملكان وقتًا للفلسفة أو الخطابات الطويلة، فالحوار بينهما مقتصد، لكنه عميق، لأنه نابع من صدق اللحظة لا من زخرفة الكلمات. وفي الحرب، لا شيء أصدق من الكلمات التي تُقال بلا تحضير.
من أجمل ما يعلق في الذاكرة، ذلك الحوار الذي دار بين الجنديين عن وسام البطولة الذي يحمله Schofield. Blake كان يحاول أن ينتزع من رفيقه اعترافًا بقصته، يسأله مرة بعد أخرى: ماذا حلّ بوسامك؟ وحين يجيبه أخيرًا، لا يفعل ذلك بفخر، بل ببساطة مؤلمة وصادقة: لم أفقده… لقد استبدلته بقنينة نبيذ.
لم يكن ذلك قرارًا بطوليًا، بل كان قرار إنسان عطشان، وفي قلب المعركة، لا قيمة لذهبٍ أو شرفٍ إن لم ينقذك من عطشك، جوعك، أو بردك. Mendes لا يعلّق، لا يحاضر، لكنه يضعنا أمام سؤال أكبر: ما الذي يساويه الشرف حين لا يبقى من الإنسان سوى احتياجاته الأولى؟
الفيلم مصوّر وكأنه لقطة واحدة متصلة، وهو قرار فني لا يهدف للاستعراض، بل ليقول لنا: لا يوجد “مونتاج راحة” في الحرب. لا فواصل زمنية، لا قفزات تحريرية، لا فسحة لالتقاط الأنفاس. الكاميرا لا تتوقف، لأن الجندي لا يستطيع التوقف. نحن لا نتابع الأحداث، نحن نركض معها.
الخنادق في الفيلم ليست مجرد ديكور، إنها متاهة ألم حقيقية. كل جدار موحل، كل قطعة خشب، كل جندي مرهق يمرّ خلف الكادر، وكل شجرة مقطوعة في طريق Schofield، تشعر أنها تكاد تصرخ بصمت: هل من مغيث ؟ Mendes جعل من المشهد، مشهدآ لايحتاج للمبالغة، فالصورة نفسها تحمل الصراخ.
ثم يأتي مشهد الطيارة الألمانية المحترقة التي تهوي نحو المكان الذي يقف فيه الجنود. مشهد يبدأ كفعل إنساني نبيل، حين يحاول Schofield ورفيقه إنقاذ الطيار المشتعل، لكنه ينتهي بطعنة غادرة يسددها الطيار في جسد Blake. هنا لا يقدّم لنا Mendes درسًا أخلاقيًا مباشرًا، لكنه يذكّرنا بمرارة الحقيقة: الإحسان في الحرب لا يضمن الإحسان، والإنسان الطيب قد لا ينال نهاية طيبة.
المحفظة التي يحملها Blake، والصورة التي يخرجها Schofield بعد سقوطه، صورة الأم التي توضع على الجرح، ليست محاولة إسعاف بقدر ما هي رمزية التمسك بالحب في اللحظة الأخيرة. حين يتساقط البشر بلا أسماء، تبقى الأسماء الوحيدة التي نحفظها هي أسماء من نحب، حتى لو لم يكونوا حاضرين… صورهم تحضر عوضًا عنهم.
وحتى حين ينطلق Schofield وحده لإكمال المهمة، نسمع جملة الضابط التي تبقى واحدة من أثمن اقتباسات الفيلم، حين يقول له:
إذا وصلت إلى العقيد Mackenzie، تأكد أن هناك شهودًا… بعض الناس لا يهمهم سوى القتال.
هذه الجملة تختصر فلسفة الفيلم كلها: ليس الجميع يحاربون من أجل الحياة… بعضهم يحارب من أجل الحرب نفسها.
في عبوره للنهر، وفي ركضه داخل مدينة مدمرة، يطعن، يخنق، يقفز، يركض، يهرب من الرصاص، لا لأنه بطل خارق، بل لأنه جندي يحمل رسالة أثقل من روحه. كل شيء ينهار من حوله، إلا الهدف. الزمن يضيق، لكنه لا يضيع، لأن Schofield لا يملك رفاهية تضييع الوقت.
1917 ليس فيلم حوار، ولا فيلم بطولة تقليدية، ولا فيلم حرب يعتمد على الشعارات. إنه فيلم كاميرا تتحوّل إلى جندي ثالث، يحمل المهمة، يعبر معنا، ويجعلنا نعيش اللحظة بدل أن نتفرّج عليها.
ما يفعله Mendes هنا، أنه لا يقدّم الحرب كحدث تاريخي، بل يقدّمها كجرح بشري متّصل، بلا قطع، بلا راحة، بلا فواصل، وبلا تجميل.
فالحرب ليست رواية… إنها طريق طويل من الألم، يمشيه الإنسان وحده، حتى لو كان معه جيش كامل.
#سينما العالم
#مجلة ايليت فوتو ارت


