فيلم البروفيسور والمجنون مع رابط للمشاهدة

فيلم البروفيسور والمجنون (The Professor and the Madman)كتابة رحيم الحلييفتح الفيلم أبوابه على لندن في القرن التاسع عشر، مدينةٌ تعيش في نظام طبقي ، وتُخفي تحت الضباب وجوهاً متعبة تتقن الاصطناع. ومن وسط هذا المناخ الرمادي ينهض رجلٌ أمريكي بملامح محطمة ونظرة ممزقة ، الطبيب ويليام تشستر ماينور (William Chester Minor)، جرّاح عسكري سابق في الحرب الأهلية الأمريكية، خرج من الحرب حاملاً في رأسه حرباً أخرى لا تتوقف. .تُودع المحكمة ماينور في مصحّة برودمور (Broadmoor) الجنائية، حيث تُغلق الأبواب الثقيلة على أجسادٍ حُكم عليها بالعتمة. المصحّة في الفيلم ليست مكاناً للعلاج بقدر ما هي تعبيرٌ عن خوف المجتمع من المختلف، وخوفه من فكرة أن الجنون قد يكون قناعاً آخر للألم. وراء القضبان يصبح كل شيءٍ بلا معنى، وتصبح الأيام متشابهة، لا يقطعها إلا صدى الصراخ، أو صمت الممرات الذي يشبه الصقيع.وفي الجهة الأخرى، بعيداً عن هذا الجحيم، تتحرك جامعة أكسفورد (Oxford) كأنها دولة داخل دولة ، قاعاتٌ عتيقة، لجانٌ أكاديمية، ووقارٌ صارم يعتقد أن اللغة إمبراطورية يجب الإمساك بمفاتيحها. هناك يظهر جيمس موراي (James Murray)، الاسكتلندي العصامي الذي لم تمنحه الحياة شهادة تليق بهذا المشروع العملاق، لكنها منحته عقلًا لغويّاً من الطراز النادر. يتسلم موراي مهمة تحرير مشروع القاموس العظيم، ذلك المشروع الذي لا يريد تعريف الكلمات فقط، بل يريد أن يكتب تاريخ الكلمة: ولادتها، تحوّلاتها، اشتقاقاتها، وشواهد استعمالها في الكتب والصحف والرسائل.يقترح موراي فكرة عبقرية وبسيطة في آن: أن يفتح مشروع القاموس على الناس جميعاً، وأن يطلب من كل متحدثٍ بالإنجليزية أن يساهم بالشواهد والمعاني. وكأن الأمة كلها ستكتب صورتها في المرآة اللغوية. وهنا يحدث أحد أجمل انعطافات الفيلم: تصل الدعوة إلى حيث لا يتوقع أحد… تصل إلى المصحّة، إلى السجين، إلى الرجل المصنّف مجنوناً… تصل إلى ماينور.في لحظةٍ شديدة الشعرية، يقرأ ماينور الرسالة، فيستيقظ داخله النصف المنير الذي لم تمتْه المصحّة. وكأن الكلمة فتحت شقاً في الجدار، فدخل منه الضوء. يبدأ بنهمٍ مذهل في البحث داخل الكتب، يلتقط المفردات من ظلالها، ويستخرج الشواهد كما يُستخرج الذهب من الطين، ثم يرسل إلى موراي آلاف المساهمات. تتحول زنزانته إلى ورشةٍ معرفية، وتصير الكتب رفاقاً يصدّون عنه صرخات الأشباح. هنا يرفع الفيلم ثيمته الكبرى: الذكرى والكلمة. الذكرى تُعذّب ماينور وتشوه نومه، والكلمة تمنحه سبباً للاستيقاظ. الذكرى تجرّه نحو الهاوية، والكلمة تسحبه نحو الضوء. إننا أمام إنسان يحاول أن يخفف حكمه الداخلي لا بالصلاة ولا بالبكاء، بل بالعمل… بالمعرفة… بالانغماس في اللغة.وتكبر العلاقة بين ماينور وموراي شيئاً فشيئاً حتى تتحول إلى صداقة من نوعٍ نادر: صداقة بين رجلين لا يجمعهما المكان ولا الطبقة ولا المصير، بل تجمعهما فكرة واحدة: أن اللغة ليست زينة للحياة بل هي الحياة نفسها. موراي يرى في ماينور عقلاً فذاً لا يجوز أن يُدفن خلف التشخيص الطبي، وماينور يرى في موراي اليد التي فتحت له نافذة ليشارك العالم وهو خلف القضبان. ومع كل رسالة تتسع إنسانية الفيلم أكثر: يصبح السجين مشاركاً في مشروع وطني، ويصير الأستاذ الأكاديمي مديناً لرجلٍ يُنظر إليه باعتباره “خطراً” يجب عزله.ثم يضيف الفيلم خطاً درامياً بالغ الحساسية حين يقود شعور ماينور بالذنب إلى الاقتراب من أرملة الرجل الذي قتله، إليزا ميريت (Eliza Merrett)، التي تؤدي دورها الممثلة البريطانية ناتالي دورمر (Natalie Dormer). في هذا الخط لا يذهب الفيلم إلى عاطفةٍ رخيصة، بل يطرح أسئلة موجعة ، هل يمكن للضحية أن تغفر؟ وهل يحق للجاني أن يبحث عن الغفران؟ وهل يصبح التكفير ممكناً حقاً أم أنه عقوبةٌ أخرى بأسماء مختلفة؟ هنا يغدو الألم مادةً للسينما، لا حكايةً مسلية، ويصبح الصمت أبلغ من الكلام.هكذا ينتهي الفيلم تاركاً في القلب أثراً من نوع خاص: أثر السؤال. من هو البروفيسور ومن هو المجنون حقاً؟ وهل يمكن للجنون أن يحمل عبقريةً لا يراها الناس؟ وهل تستطيع كلمة واحدة أن تفتح في الجدار ثغرة تكفي لعبور الروح؟ في هذا المعنى تحديداً يرسخ فيلم البروفيسور والمجنون (The Professor and the Madman) كتحفةٍ سينمائية تستحق أكثر من مشاهدة، لأنها لا تتحدث عن قاموسٍ يشرح اللغة فقط، بل عن لغةٍ تشرح الإنسان.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاضغط على الرابط التالي لمشاهدة الفيلمhttps://mp4plus.org/ppnnt5xy2eft.html?fbclid=IwY2xjawPO1LlleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZBAyMjIwMzkxNzg4MjAwODkyAAEe1YjhONWLqkPh9C_YLJKFQgv9yhA_7rQxJMjwL4UPccVGe9Mb7r-PrPC7jmI_aem_lMj2Wx1X73NKu7-J7NINBQ

#سينما العالم

#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم