آخر ملوك سكوتلاندTHE LAST KING OF SCOTLANDهادي ياسين ثمة عناوين لأفلام لا تتطابق مع مضامينها مطلقاً ، و لا تقترب منها ، بل هي غريبة عليها ، و بعضها أفلام مشهورة . و نستطيع القول أن المُشاهد يعجز ــ ازاءها ــ عن أن يجد تطابقاً بين الفيلم و عنوانه ، أو أنه عبثاً يحاول أن يجد معنى لعنوان فيلم بعيد كل البعد عن مضمونه . هذا العبث ينطبق على الفيلم الرائع ( آخر ملوك سكوتلاند ) الذي لا يوجَد فيه ما يبرر اطلاق هذا العنوان عليه . فكل ما في الأمر هو أن الشاب السكوتلاندي ” نيكولاس غاريجان ” ( لعب دوره الممثلالسكوتلاندي ” جيمس ماكفوي ) كان قد تخرج طبيباً في احدى جامعات سكوتلاند عام 1970 و اختار أن يذهب في العام التالي ليقدم خدماته في جمهورية أوغندا التي تقع في الجانب الشرقي من أفريقيا . و صادف وصوله مع صعود الجنرال الأوغندي الشهير ” ايدي أمين ” ( 1925 ــ 2003 ) الى السلطة بعد انقلابه على الرئيس ” ميلتون أوبوتي ” ( 1925 ــ 2005 ) ، و أن الرئيس ” أمين ” جعله طبيبه الخاص ، مُخبراً إياه أنه أحب السكوتلانديين عندما خدم معهم في الجيش البريطاني . فهل هذا يبرر منح الفيلم عنوانَ ( آخر ملوك سكوتلاند ) ؟الفيلم مأخوذ ــ بتصرف ــ من رواية بذات العنوان للكاتب الإنجليزي ” جيلز فودن ” المولود عام 1967 ، و قد نالت جوائز أدبية عديدة . و ربما كان في الرواية ــ التي لم أقرأها ــ ما يبرر عنوانها في سياق الأحداث و الحوارات و الوقائع التي ترويها ، لكن الفيلم يفتقر الى هذا التبرير . و من الملاحظ أن معظم أعمال الكاتب ــ الذي يعمل في صحيفة ( الغارديان ) حالياً ــ تدور أحداثها في أفريقيا .. أو أن أجواءها مستلهمة من هذه القارة .عندما يصل الطبيب الشاب ” غاريجان ” الى مكان عمله ، كانت أوغندا تعيش فترة المراقبة و ترقب ما سيجري فيها عقب الانقلاب الذي قام به جنرال سيقترن اسم أوغندا به كما حصل لمعظم بلدان أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية في الستينيات : كوبا ، العراق ، ليبيا ، سوريا ، تركيا ، الأرجنتين ، تشيلي ….. و كانت فترة السبعينيات من القرن العشرين قدشهدت نحو 100 انقلاب ، بل إن افريقيا ــ وحدها ــ شهدت خلال الستين سنة الماضية نحو 200 انقلاب كان للعسكر اليد الطولى فيها . و بعض هذه الانقلابات ألصقت بنفسها صفة ( الثورة ) و أضفت على القائمين بها صفة ( الوطنية ) ولكنها تساوت جميعها في اللاثورية و اللاوطنية حين جرّت بلدانها الى صراعات داخلية و خارجية و امتلأت سجونها بالمعترضين على سياساتها و منتقدي فشلها في الإصلاح و إدارة الحكم .و في هذا السياق ، جاء انقلاب 25 يناير 1971 الذي قاده الجنرال ” إيدي أمين ” ضد الرئيس ” ميلتون أوبوتي ” الذي كان يحضر ــ حينها ــ مؤتمراً لدول الكومنولث .. منعقداً في سنغافورا ، ولكن ” أوبوتي ” عاد الى السلطة بعد اسقاط حكم ” ايدي أمين ” عام 1979 الذي فرّ إلى المملكة العربية السعودية ليموت في جدة عام 2003 .لا ندري ما الذي كان يجري في أوغندا إبان حكم ” أيدي أمين ” ، ولكن فيلم ( آخر ملوك سكوتلاند ) أظهر الجنرال قاسياً ، حين قدّم لنا مَشاهد تـَـشوّهٍ لأجساد بشرية تعود الى معارضين للحكم ، ينسب ” ايدي أمين ” ــ في الفيلم ــ جرائم التشوهات تلك الى جماعات ” أوبوتي ” ، لكن الفيلم يظهرهم كضحايا للجنرال نفسه . و الواقع إن الإعلام الغربي لم يكن على توافق مع ” ايدي أمين ” فعمل على تشويه صورته ، فقدمه على أنه ( آكل للحوم البشر ) و أن سجون أوغندا تزدحم بضحايا ” أمين ” ، و هذا يقف وراءه عاملان أساسيان هما ، أولاً : عدم تأييد ” ايدي أمين ” للحكم العنصري في دولة ( جنوب افريقيا ) التي كانت تسيطر عليها بريطانيا الاستعمارية ، حينذاك ، و ثانياً : تأييده للقضية الفلسطينية ، حتى إن ” ياسر عرفات ” كان اشبيناً في أحد زيجات الجنرال ، بل حد أن العناصرالسبعة من حركة ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ) و من ( الخلايا الثورية الأممية ) الذين اختطفوا طائرة فرنسية من مطار أثينا ــ في 27 يونيو 1976 ــ و على متنها 248 راكباً ، إنما اختاروا مطار ( اينتبي ) في أوغندا لتحط الطائرة المختطفة فيه ، فهيأ ” ايدي أمين ” طائرة خاصة أقلت جميع الركاب غير الإسرائيليين ، فيما بقي الإسرائيليون مُحتجزين في الطائرة المختطفة . و هذا ما ضاعف الحقد الإسرائيلي والغربي على ” أيدي أمين ” ، لذلك كان من الطبيعي أن يقدم إعلام هذه البلدان صورة غير ايجابية عنه على أنه مزواج خطير و أن سجون بلاده مزدحمة بضحاياه و أنه يأكل اللحم البشري .اسرائيل لم تقف مكتوفة اليدين إزاء مصير مواطنيها المختطفين ، فوضعت خطة خاطفة خلال أسبوع لإنقاذهم . و في 4 يوليو 1976 قطعت ثلاث طائرات إسرائيلية نحو 4000 كيلو متر لتحط قربَ المطار الأوغندي ، ضمت الأولى 100 عنصر من الكوماندوز و الثانية ذهبت فارغة لتقلالاسرائيليين المختطفين ، أما الثالثة فكانت مهمتها التواصل مع الأقمار الصناعية . و استغرقت عملية تحرير الرهائن نحو الساعة و نصف الساعة تم خلالها قتل الخاطفين ، و قُتل أيضاً أربعة من الرهائن ، فيما قُـتل واحدٌ فقط من الكوماندوز الإسرائيلي هو الكولونيل ” يوناثان نتنياهو ” ( 1946 ــ 1976 ) الذي هو شقيق ” بنيامين نتنياهو ” ، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي ، و تم تحرير 103 رهينة . و في تلك العملية قُتـل 45 من الجنود الأوغنديين ، فيما تم تدمير 11 طائرة مقاتلة أوغندية من طراز ميغ 17 سوفيتية الصنع .رسمياً ، سُميت هذه العملية في إسرائيل بـ ( الصاعقة ) ولكنها سُمّيت في الأدبيات الإسرائيلية بـ ( عملية جوناثان ) نسبة إلى ” جوناثان نتنياهو ” ضابط الكوماندوز الوحيد الذي قُتل في العملية ، و هي إحدى أكبر العمليات التي قدمت فيها إسرائيل صورة جلية للعالم عن كيفية الحرص على مصائر مواطنيها . و هي عملية أقحم الفدائيون الفلسطينيون أوغندا فيها فوجد ” ايدي أمين ” نفسه وسط عاصفتها بحكم تعاطفه مع القضيةالفلسطينية التي كانت شاغلاً سياسياً حماسياً عالمياً في ذلك الوقت .و يبدو أن زج هذه العملية الواقعية في الرواية ، و بالتالي في الفيلم ، قد تم توظيفها من أجل افلات الطبيب الأسكتلندي الشاب ” نيكولاس غاريجان ” من قيود الجنرال ” ايدي أمين ” الذي اُعجب به . بل أيضاً من أجل إنقاذه من الموت المحتم على أيدي رجال أمن القصر الذين علّقوه إلى السقف بالخطافات من صدره بانتظار أن يقرر ” ايدي أمين ” مصيرهالذي سيكون الموت حتماً ، ذلك لأن الطبيب الشاب كان قد وقع تحت غواية احدى زوجات الجنرال فضاجعها فحملت منه .فجاءت عملية الرهائن في مطار ( اينتيبي ) فرصة لإنقاذه على يد ضابط أمن مدني ــ من ضباط القصر ــ متعاطف معه يأخذه الى الطائرة التي أعدها الجنرال لتقل الرهائن غير الإسرائيليين ليرحل معهم ، فكان ذلك مَخرجاً موفقاً من رسم كاتب الرواية و بالتالي من قبل المُخرج ” كيفن ماكدونالد ” الذي نفّذه بصرياً .عن استحقاق ، فاز ” فوريست ويتاكر ” ، الذي جَسّد شخصية ” ايدي أمين ” ، بجائزة غولدن غلوبز و جائزة بافتا و كذلك الأوسكار .. كأفضل ممثل في دور رئيس ، و هو رابع ممثل أمريكي أسود يفوز بالأوسكار بعد ” سيدني بواتييه ” ( 1927 ــ 2022 ) و ” دنزل واشنطن ” و ” جيمي فوكس ” .الممثل الاسكوتلندي ” جيمس مكافوي ” قدّم أداءً تلقائياً باهراً و مُلفتاً و هو يجسّد شخصية الطبيب الشاب ” نيكولاس غاريجان ” استحق عنه الترشيحات في الأقل ، ولكن ذلك لم يحصل . فقد كان نداً بارعاً لـ ” فوريست ويتاكر ” في التمثيل .و الفيلم الذي لم تتجاوز ميزانيته 6 ملايين دولار عاد بنحو 50 مليوناً من شباك التذاكر .فيلمٌ سلسٌ يستحق المشاهدة .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرابط https://ok.ru/video/9486677314201


