“فلسطين في ارشيف النسوية السوداء”,دعوة لإعادة قراءة التضامن ليس كفعل رمزي، انما كممارسة و تحمّل المسؤولية السياسية.

النسوية السوداء المسير نحو الحياة: فلسطين في أرشيف النسوية السوداء

هنادي عدامةكاتبة وباحثة فلسطينية… يقوم المقال بتجميع أرشيفات تكشف خلافات داخل “النسوية السوداء” (Black Feminism) حول الصهيونية، من خلال تبيين موقفي اثنتين من أبرز المنتميات إلى هذا التيار، جون جوردان وأودري لورد، بشأن قضية تحرير فلسطين وأشكال ممارسة التضامن. كما يناقش النزاع الذي وقع بينهما نتيجة موقفيهما المتعارضين آنذاك.قد يكون المقال بمثابة دعوة لإعادة قراءة تاريخ التضامن ليس كفعل رمزي، بل كممارسة شاقة تتطلب تحمّل المسؤولية السياسية. بالإضافة إلى كونه وثيقة لفهم جذور الحركات التضامنية المعاصرة وتحدياتها في مواجهة الرقابة وتزييف الوعي.تستعرض الكاتبة مارينا ماجلوير، في مقالها “المسير نحو الحياة” (Moving Towards Life)، المنشور في مجلة “LA Review of Books” في آب/أغسطس 2024، تاريخًا من الكتابات والرسائل المتبادلة بين عدد من الكاتبات الأميركيات خلال ثمانينيات القرن الماضي، في سياق النقاشات التي أثارتها حرب لبنان عام 1982 وقضية فلسطين داخل الأوساط النسوية الأميركية.في شباط/فبراير عام 2024، نشر الكاتب الفلسطيني مصعب أبو توهة صورة على حسابه على “إنستغرام” لمجموعة من الكتب التي أنقذها أخوه حمزة من بين أنقاض منزل مقصوف ومدمّر في غزّة. على رأس المجموعة ووسط ألواح خرسانية محطّمة وقضبان حديد متقطعة، كانت هنالك نسخة من “الأعمال الشعرية الكاملة لأودري لورد (1997)”. من المنطقيّ أن يُعجب الفلسطينيون بمواقف لورد ونقدها اللاذع للعنصرية والإمبريالية. على سبيل المثال، تحمل أبيات من قصيدتها “ابتهالٌ من أجل البقاء”: “لذلك فَمِن الأفضل أن نتحدّث/ نتذكّر/ لم يكن المقصود لنا البقاء على قيد الحياة”، صدى قويًا للمقاومة الفلسطينية ضد التضليل والقمع الإسرائيلي.وفي الخطاب الشهير الذي ألقته في حفل تخريج في كلية أوبرلين عام 1989، أي قبل وفاتها بثلاث سنوات، تناولت لورد محنة الشعب الفلسطيني بشكل مباشر قائلة: “إن حث أعضاء الكونغرس للضغط من أجل حل سلمي في الشرق الأوسط، ومن أجل الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، ليس إيثارًا، بل هو مسألة بقاء”. ومع ذلك، يجهل الكثيرون أن نقد لورد للاحتلال الإسرائيلي وإشارتها المقتضبة إلى حقوق الشعب الفلسطيني في ذلك الخطاب لم يكونا سمة ثابتة في مسيرتها ونشاطها. فقد كانت رحلتها نحو تبنّي موقف مؤيد لفلسطين بطيئة ومتلكّئة.في كتابها “زامي: تهجئة جديدة لاسمي” (1982)، تصف تفاؤلها وهي شابّة بقيام “دولة إسرائيل” الوليدة حينها: “مثّلت دولة إسرائيل أملًا جديدًا للكرامة الإنسانية”. ولعل ذلك التفاؤل ليس غريبًا إذا عرفنا أنها عام 1948 كانت طفلة في الرابعة عشرة، وطالبة في مدرسة “هانتر كوليدج” الثانوية مُحاطة بشباب صهاينة متحمّسين. وقد كانت صداقاتها العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل موقفها من هذه القضية طوال حياتها. بحلول عام 1982، وجدت لورد نفسها تحت ضغط قوى متضاربة، فإلى الجانب الأقرب من الفلسطينيين وقفت الكاتبة والشاعرة جون جوردان، زميلتها ونظيرتها في الخلفية والتجربة، فكلتاهما نسويّتان سود كويريّتان، وُلدتا لمهاجرين من جزر الهند الغربية في نيويورك، وكلتاهما عملتا كأستاذتين في جامعة مدينة نيويورك، وفي نهاية المطاف سيتشاركن أيضًا سبب الوفاة بسرطان الثدي.حتى عام 1982، جمعت جوردان ولورد علاقة زمالة وصداقة حميمة مهنيًا وفكريًا، وتقاطعن في مسارات سياسية وفكرية كثيرة، خاصة فيما يتعلّق بقضايا العرق والجندر. إلا أن الكلمات الأخيرة التي كتبتها جوردان للورد، بعد سجال طويل بالرسائل حول الصهيونية، كانت: “لقد تصرّفتِ بشكل خاطئ وجبان. وهذه مسؤوليتك، عسى أن تعيشي مع ذلك بسلام”.حظيت جوردان مؤخرًا باحتفاء واسع بوصفها نموذجًا يُحتذى به لتضامن النساء السود مع فلسطين، كما يتجلّى في أبيات من قصيدتها “المسير نحو البيت”، التي كتبتها عام 1982: “وُلدتُ امرأة سوداء، وها أنا الآن صرتُ فلسطينية”. لكن سياق ذلك العام المفصلي الذي ألهم جوردان لكتابة هذه القصيدة – الاجتياح الإسرائيلي للبنان والمجازر التي نفّذتها عصابات الصهاينة في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين – نادرًا ما يُطرح ويُناقش، كما يغيب السياق الأشمل لالتزام جوردان طوال حياتها بقضية تحرير فلسطين. وبالنظر إلى هذا الالتزام، يُطرح سؤال ملحّ: لماذا كان كتاب لورد وسط الأنقاض، وليس كتاب جوردان؟تعدّ جوردان أقل شهرة من لورد محليًا وعالميًا، ويبدو أن أحد أسباب ذلك، هو عقود من التزام جوردان ودعمها الثابت للشعب الفلسطيني. فقد تسبّب موقفها الصريح المناهض للصهيونية في تقويض مسيرتها المهنية لما يقارب العشر سنوات، تخلّلتها تهديدات بالقتل وخسارة فرص للنشر وعزل اجتماعي داخل الأوساط النسوية متعددة الأعراق. وحتى بعد وفاتها، صعّب موقفها المؤيّد لفلسطين من احتوائها أو دمجها في خطاب التنوّع الليبرالي الذي ظلّ فيه الحديث عن تحرير فلسطين من التابوهات لعقود.تُعرف لورد بمقولة “صمتك لن يحميك”، لكن صمتها الأوليّ بشأن فلسطين قد حمى بالفعل مسيرتها، وضمن لها خلود ذكراها كـ”قديسة” للمعذّبين في الأرض. في المقابل، لم يُقدّر ما كتبته جوردان وما ناضلت من أجله طوال حياتها دفاعًا عن الفلسطينيين. وقد كتبت مرة: “أقول إننا بحاجة إلى انتفاضة، إلى انتفاضة في الولايات المتحدة”، وبالنسبة لها لم تكن الانتفاضة مجازًا. فعلى عكس لورد، أرادت جوردان أن تكون كتابتها سلاحًا وفعلاً حقيقيًا في سبيل خدمة التحرير الفلسطيني.وعلى الرغم من تشابه سيرتيهما، فإن ممارسات التضامن تختلف لدى كلّ منهما. فكيف يمكننا أن نضفي تركيبًا وتعقيدًا على السردية التاريخية لتضامن النسويات السود مع فلسطين؟ فحتى بعد أربعين عامًا، ما زالت حركات التضامن في الولايات المتحدة تواجه التصدّعات ذاتها التي أودت بصداقة لورد وجوردان.في حزيران/يونيو 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان وبدأت حصارًا دام تسعة أسابيع على العاصمة بيروت، مستهدفة حركة المقاومة الفلسطينية في المنطقة. وخلال هذه الحرب وما تلاها من مجازر ضد اللاجئين الفلسطينيين بقيادة مجموعات شبه عسكرية مدعومة من إسرائيل، استشهد أكثر من عشرين ألفًا من اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين اللبنانيين. في كتابه الصادر عام 2020 بعنوان “حرب المائة عام على فلسطين: قصة الاستعمار الاستيطاني والمقاومة 1917–2017″، يجادل رشيد الخالدي بأنه “نظرًا للدعم الأميركي لإسرائيل والتغاضي عن أفعالها (…) يجب أن يُنظر إلى اجتياح عام 1982 على أنه مسعى عسكري إسرائيلي–أميركي مشترك، وهي حربهم الأولى التي استهدفت الفلسطينيين تحديدًا”.وفي الولايات المتحدة، بدأت وسائل الإعلام السائدة مثل “ABC”، “NBC News”، مجلة “تايم”، و”نيويورك تايمز”للمرة الأولى بنشر تقارير تبدي تعاطفًا مع النضال الفلسطيني، وتعرب عن غضبها حيال الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل. تجادل إيمي كابلان في كتابها “إسرائيل الأميركية: قصة تحالف متشابك” (2018)، أن إسرائيل خلال هذه الحرب ” فقدت ادعاء البراءة الذي حافظت عليه خلال حروبها السابقة. لم يعد خطابها فوق النقد، ولا رؤيتها للعالم متطابقة تلقائيًا مع رؤية الجمهور الأميركي”، بل إن رونالد ريغان نفسه، وجّه في آب/أغسطس 1982 توبيخًا لمناحيم بيغن، وكتب في مذكراته أن “رمز حرب بيغن صار صورة طفل عمره سبعة أشهر بذراعين مبتورتين”.ربما كانت تلك اللحظة الأصعب لظهور نسويات أميركيات يعبّرن عن تمسّكهنّ بـ”النسوية الصهيونية”، لكنّ النسويات اليهوديات في الولايات المتحدة كنّ منقسمات حول دعم إسرائيل منذ تأسيسها عام 1948. وفي سبعينيات القرن العشرين، كانت الأوساط النسوية الأميركية تخوض نقاشات محتدمة حول الصهيونية في الدوريات النسوية ومؤتمرات دراسات المرأة. وهنا تظهر أدريان ريتش، الشاعرة اليهودية الكويرية البارزة والناشطة المخضرمة في قضايا المضطهدين.كانت كل من جوردان ولورد صديقتين مقربتين لريتش، وتبادلتا معها مراسلات شخصية ومهنية امتدت لعقود، وهي محفوظة الآن في أرشيفاتهن الخاصة. تُعرف ريتش اليوم كشاعرة معادية للصهيونية، فقد نشطت في المنظمات اليهودية المناهضة للصهيونية بدءًا من منتصف الثمانينيات، وفي عام 2009 أيّدت المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل. لكن في صيف عام 1982، راودتها لفترة وجيزة فكرة أنه ربما بإمكانها أن تكون نسوية وصهيونية في آن.في رسالة مفتوحة نُشرت في المجلة النسوية “Off Our Backs” في تموز/يوليو 1982، انضمت ريتش إلى ست نساء أطلقن على أنفسهن اسم “Di Vilde Chayes”، وهي عبارة باليديشية تعني “الوحوش البرية”. في رسالة معنونة بـ”… ماذا تعني الصهيونية؟”، عرّفت جميع الموقّعات أنفسهن بأنهن “نسويات/مثليات يهوديات من خلفية أشكنازية”، ورغم إدراكهنّ لــ”تعقيدات” تهجير إسرائيل للفلسطينيين، كانت ريتش وشريكاتها حاسمات في تأكيد حق إسرائيل في الوجود: “الصهيونية هي استراتيجية لمواجهة معاداة السامية وضمان بقاء اليهود. معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية (وُضع تحتها خط في النص الأصلي)”.ولعل أكثر ما يستفز هو ادّعاؤهن بأن معاداة الصهيونية تعد أيضًا عنصرية، “لأنها ترفض الاعتراف بأن ثلثي يهود إسرائيل هم من الملونين”. وبغض النظر عن حقيقة أن هذا البيان صاغته بالكامل يهوديات أميركيات بيض، فإن التعاطف الظاهري بـ”اليهود الملونين” بدا أقرب إلى أداة خطابية صُممت لإسكات النقاش القادم من الملونين الآخرين، أكثر من كونه مسعى حقيقيًا لبناء التحالفات.وحتى بعد أن هيمنت الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان على دورة الأخبار الأميركية ذلك الصيف، أكدت مجموعة “Di Vilde Chayes” التزامهنّ بالصهيونية، إذ نشرن رسالة ثانية في تشرين الأول/أكتوبر 1982 في “Off Our Backs” و “WomanNews”. وواصلن تقديم أنفسهن بوصفهن “صهيونيات – متمسّكات بوجود إسرائيل – غاضبات إزاء الهجوم الإسرائيلي على بيروت، وغاضبات بالقدر نفسه من موجة معاداة السامية العالمية التي أُطلق لها العنان منذ اجتياح لبنان”.لاحقًا، أعربت إحدى الموقعات على الرسالتين، إيرينا كليبفيش، عن ندمها بشأن توقيت الرسائل، الذي “جعلنا نبدو غير مباليات بالأحداث الوحشية للحرب”، كما عبّرت. وكما هو الحال في ردّهن الأوليّ، فإن ندم كليبفيش نفسه يشوبه الرغبة في الظهور بمظهر “الموضوعية”، عبر خلق تماثل زائف بين معاداة السامية – كمفهوم ضبابي – وبين حقيقة ملموسة متمثلة في مقتل عشرين ألف عربي (وهي ممارسة بلاغية مضللة لا تزال قائمة حتى اليوم).شعرت جوردان بالخيانة بسبب الرسائل، فقد جمعتها صداقة بريتش منذ عام 1976، وتصور مراسلاتهما الشخصية علاقة رفاقية فكرية عميقة تبادلت فيها الشاعرتان الأعمال والأفكار والدعم العاطفي. لاحقًا، تتذكّر جوردان صدمتها من رسالة ريتش، إذ إن ريتش، في جميع محادثاتهما السابقة، لم تُعرّف نفسها يومًا كصهيونية ولا كيهودية. لكن يبدو أن ريتش قد وقعت في فخ شائع للنسويات في الثمانينيات، كما حددته الماركسية اليهودية جيني بورن: “أن تُحتسب سياسيًا بالنسبة للنسويات اليهوديات، كان يعني، إن لم يكن منافسة واضحة مع النسويات السود، فعلى الأقل محاولة الانضمام إلى ركبهن ومساواة نضالهنّ ضدّ الاضطهاد بشكلٍ ميكانيكي”.من السهل تخيّل جوردان وهي تُعيد التفكير بعلاقتها الفكرية مع ريتش في هذه المرحلة، خصوصًا بعد أن وصفت ريتش الموقف السياسي المناهض للصهيونية بأنه عنصري، بينما كانت تدّعي الانتماء إلى العرقنة (Racialization) ونضالات العالم الثالث بطريقة لا تعكس تجربتها المعاشة كأميركية بيضاء. وربما زادت الفوارق في موازين القوة بين جوردان وريتش – إذ كانت ريتش أكبر سنًا، وأكثر شهرة، وبيضاء – من إحساس جوردان بأن دعم ريتش كان مشروطًا بكون سواد جوردان مجرّد هوية وليس موقفًا سياسيًا.تقول جوردان في ردها على بيان ريتش: “لا ينبغي أن يكون مفاجئًا بأننا نحن السود وشعوب العالم الثالث في كل مكان، نولي أهمية جوهرية لقضية فلسطين”. مدفوعةً بحزنها وغضبها من مجازر صبرا وشاتيلا في أيلول/سبتمبر 1982، حيث استشهد آلاف الفلسطينيين على يد ميليشيات خلال يومين، كتبت جوردان رسالة مفتوحة بعنوان “عن إسرائيل ولبنان: ردّ من امرأة سوداء على أدريان ريتش”، بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 1982.كان خطابها الموجّه لريتش شخصيًا (إذ خصّتها بالاسم من بين الموقّعات على الرسالتين)، ولكنها أيضًا تعليمية (فهي رسالة مفتوحة للنشر في WomenNews وبالتالي للاطلاع العام). مستخدمة مفردات مثل “الإبادة الجماعية” و”الهولوكوست”، استعرضت جوردان سلسلة جرائم الحرب المروّعة التي ارتكبتها إسرائيل على مدى خمسة أشهر – من قنابل فوسفورية، وتدمير للبنية التحتية، ومجزرة صبرا وشاتيلا – وتنتقد ريتش لعدم تحمّلها المسؤولية عن هذه الأفعال باعتبارها النتائج الملموسة للصهيونية التي تدّعي ريتش تبنّيها.ويتجلّى مفهوم جوردان للمسؤولية في تصريحها الفذ: “أُعلن مسؤوليتي عن الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية لأني أميركية، ولأن الأموال الأميركية هي التي جعلت هذه الفظائع ممكنة. أُعلن مسؤوليتي عن صبرا وشاتيلا لأنه من الواضح أنني لم أفعل ما يكفي لوقف حلقات المحرقة والإبادة الجماعية الشنيعة حول العالم. أقبل هذه المسؤولية وأعمل من أجل اليوم الذي قد أساعد فيه على إنقاذ حياة أي شخص بشكل فعلي”.ولأن ريتش لا تتحمل المسؤولية، تقدم جوردان نموذجًا عمليًا لها في ذلك. ولعل هذا هو التحوّل البلاغي الأهم في رسالة جوردان، رغم أنه لم يحظ بالاعتراف في الردود اللاحقة من القرّاء الآخرين. تدرك جوردان أن كون المرء جزءًا من دولة قومية إثنية، سواء بالمولد أو بالاختيار، يحمل في طياته التزامًا بنقد عنفها. إن حقيقة أن امرأة سوداء ولدت في هذه الدولة – أميركا – قادرة على الإدلاء بهذا التصريح، بتواضع يفوق بشدّة تماهي ريتش الانتقائي والمجتزأ مع إسرائيل، لهو شهادة على إمكانيات التغيير لـ”سياسات الهوية”، كما تراها جوردان.لم تُنشر رسالة جوردان المفتوحة أبدًا، وذلك بسبب تدخّل مجموعة من النسويات السود واليهوديات، بمن فيهن لورد، فهي موجودة فقط (بحسب ما رأيت) في الأرشيف غير المنشور لمراسلات لورد. وبحسب رسالتها المرفقة إلى محرّرات “WomanNews”، كانت جوردان قد أرسلت نسخًا إلى كاتبات سوداوات أخريات تعتبرهنّ صديقات أو نظيرات، من بينهنّ أليس ووكر وتوني كيد بامبارا وباربرا سميث. ربّما قدّم بعضهن لجوردان دعمًا عبر مكالمات هاتفية أو غيرها من أشكال التواصل غير الموثّقة، فلا توجد أي رسائل منهنّ في أرشيف مراسلات جوردان في خريف 1982، وبعيدًا عن الدعم، أرسلت سميث نسخة إلى لورد، التي وافقت على الانضمام إلى سميث وثماني نساء أخريات في كتابة رسالة إلى محررات “WomanNews” لمنع نشر رد جوردان بحجّة أنه “يساهم في خلق جو من الاستقطاب المتزايد بين النساء اليهوديات والسود”. (تبدو النسخة الموجودة في أرشيف لورد هي نسخة طبق الأصل من نسخة سميث المباشرة من جوردان، وكانت تحمل ملاحظة بخط اليد: “عزيزتي باربرا، أردتُكِ أن تعرفي أنتِ وتشيري [موراغا] أن هذا يحدث. مع التحية،ج.ج.”).وعلى الرغم من اتفاقهن مع جوردان أن “الرسالتين المفتوحتين لـ”Di Vilde Chayes” تعكسان اهتمامًا سياسيًا خجولًا بمصير الشعب الفلسطيني”، إلا أن الموقّعات رأين أن تخصيص ريتش بالذكر والنقد يعدّ “اغتيالًا لشخصيّتها”. وجادلن بأنّ جوردان تُظهر “عدم حساسية تجاه اليهود كمجموعة” عبر مساءلتها هوية ريتش الصهيونية، ويُشرن إلى أن “Di Vilde Chayes” كتبن رسالتهم الثانية قبل صبرا وشاتيلا (وإن كانت قد نُشرت بعد ذلك)، وبالتالي لا يجوز اتهامهنّ باللامبالاة تجاهها. كما أعربن عن أسفهن لأن جوردان “لم تعبّر عن غضبها تجاه سياسات المجموعة بطريقة مسؤولة”.وبشكل عام، يبدو ردّهن مهتمًا بتوبيخ جوردان على نبرتها وتوقيتها أكثر من اهتمامه بالاشتباك مع محتوى نقدها المكوّن من أربع صفحات. (وقد أشارت جوردان إلى ذلك في ردها: “افتراضكما أنني كنت أعلم متى كُتبت بيانات ريتش مقابل متى نُشرت، واعتقادكما أن ذلك يجب أن يكون ذا أهمية توازي أو تفوق ما قالته بياناتها المنشورة، هو في الواقع حقائق إضافية عنكما أجدها غريبة ومثيرة للاشمئزاز”).في ردّ لاذع وجّهته إلى لورد وسميث، كتبت جوردان: “إيّاكما ووصمي بمعاداة السامية، الجما غروركنّ المقيت وانطقا بشيءٍ من الحقيقة (…) إنني على استعداد لمواجهتكما في أي زمان ومكان، لنرى من هي الأثبت موقفًا في نضالها ضد شرور “معاداة السامية” (المتمثّلة بمعاداة اليهود والفلسطينيين والعرب على حد سواء) وفي سعيها الدؤوب لبناء تحالفات سياسية حقيقية وفعّالة”.وبالفعل، في عام 1982 وحده، كانت تعبيرات جوردان الغاضبة والمتكررة ضد الحرب في لبنان، تصدح بقوة من خلال الشعر والنثر والخطابات العامة، في مقابل صمت النسويات اللاتي حاولن إسكات رسالتها المفتوحة وتبرير حذفها.حُفظ سجلّ هذه المراسلات في أرشيف لورد في كلية “سبيلمان”، في الملف الذي يحتوي على مراسلاتها مع جون جوردان. ولا توجد أي مراسلات مكتوبة بينهما، لا في أرشيف لورد ولا في أرشيف جوردان بعد عام 1982. ومن جهةٍ أخرى، استعادت جوردان وريتش صداقتهما بعد قطيعة دامت أربع سنوات، وظلّتا مقربتين حتى وفاة جوردان في عام 2002. وفي مقابلة مع بيتر إريكسون عام 1994، روت جوردان تفاصيل خلافها ومصالحتها مع ريتش. فعندما كانت كلتاهما تشاركان في أمسية شعرية لمناهضة الفصل العنصري في نيويورك عام 1986، اقتربت جوردان من ريتش وقالت: “أمقت تمامًا ومطلقًا آرائك حول إسرائيل، وأحبك”.في غضون ذلك، كانت الرسائل الواردة إلى جوردان من كاتبات أخريات، مثل ريتش وسميث وألكسيس دي فو، تتضمّن أحيانًا أسئلة متردّدة من قبيل: “هل سمعتِ إن كانت أودري قد مرضت مرة أخرى؟”، لكن جوردان لم تكتب أي رسائل أخرى للورد. وعلى عكس الحال مع ريتش، لم يكن الخلاف بين جوردان ولورد مجرد مسألة تتعلق بآراء لورد حول إسرائيل، بل كان أيضًا خيانة شخصية عميقة من امرأة سوداء لأخرى. كتبت جوردان متهكّمة في رسالتها للورد وسميث: “إذًا هذا كل ما في الأمر فيما يخصّ الحوار والدعم، وأي نوع من التضامن”.وطبعًا كان “الشخصي سياسي”، ففشل لورد في التضامن مع النضال الفلسطيني وتفضيلها لعلاقاتها الشخصية بالنساء البيض كانت له تداعيات مفجعة على حركة التضامن، التي كثيرًا ما وجدت جوردان نفسها وحيدة فيها، مستعدة لأن تكون الصوت النقدي الوحيد في الفضاءات الثقافية الأميركية التي يهيمن عليها الصهاينة.في مقالها “الحياة بعد لبنان”، تصف جوردان تعرّضها للمحاصرة والمضايقة من قبل “رجال بيض ضخام، اثنان منهم شاعران إسرائيليان” في أمسية شعرية، وكيف تدخّلت ثلاثة من صديقاتها لإخراجها من المكان. كانت تدرك تمامًا ضرورة الدعم المجتمعي في مواجهة التهديدات الحقيقية، التي يمكن أن يشكّلها الصهاينة على صحة وسلامة المسيرة المهنية للمعارضين لهم علنًا. لم يكن دعم لورد ليُحدث فرقًا لجوردان على الصعيد الشخصي فحسب، بل كان من الممكن أيضًا أن يشكّل تحولًا مهمّا – وإن كان صغيرًا – في المشهد السياسي للتضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة، الذي لم يبدأ في اكتساب زخم شعبي واسع إلا مؤخرًا.ربما شعرت جوردان برغبة في الاتصال بلورد قبل وفاتها، ونظرًا إلى طبيعة الأرشيف لم يُسجَّل لقاؤهما. وربما قالت جوردان للورد: “أكره تمامًا ومطلقًا ما فعله استعلاء البيض بنا، وأحبك”. أو ربما، كما تشير أليكسيس بولين غامبس، كانت المصالحة بينهما متأخرة إلى حدّ ما؛ إذ كانت الكلمات التالية التي كتبتها جوردان للورد بعد وفاتها في رثاء غير منشور كتبته بعد عام من رحيل لورد. تقرّ جوردان بأنه على الرغم من الانقسامات التي زرعتها الأيديولوجيات العنصرية بينهما، كانت هي ولورد تناضلان من أجل هدف مشترك: “في مراحل مختلفة تباعدت حياتنا كما تباعدت مساراتنا المختارة للنضال. لكننا لم ننفصل أبدًا انفصالًا كاملًا عن النضال المشترك ضد الكراهية وسعينا للقضاء على كل أشكال التعصب”.وعلى الرغم من هذا التباعد، احتفظت لورد بتفاصيل خلافها الحادّ مع جوردان ضمن أرشيفها الذي نظّمته بنفسها بعناية. فلماذا تفعل ذلك إن كانت قد تخلّت عن صداقتهما تمامًا؟ أعتقد أن لورد ظلّت تمضي في دربها إلى جانب جوردان وجدانيًا، حتى بعد أن تفرقت بهما السبل.تقول جوردان في قصيدتها “تعويذة الانتفاضة: القصيدة رقم 8 إلى b.b.L”: “أَهبُ نفسي للاحتكاكِ.. وبمهمّة تكوين اللّؤلؤة”. يمكن قراءة هذه الأبيات كشعار روحي “مانترا”، للدور الذي لعبته جوردان في الضغط على أفراد مجتمعها كي يتعرفوا على معاناة الشعب الفلسطيني ويتحمّلوا مسؤوليتهم تجاهها. وربما يمكننا حتى الاستنتاج بأن تحول ريتش اللاحق نحو مناهضة الصهيونية – وربما موقف لورد أيضًا – كانا نتاجًا لذلك “الاحتكاك” الذي ولّده التزام جوردان الحاسم، وبفضل نموذج استعدادها للتضحية بالصداقات والفرص من أجل مواجهة اللوبي الصهيوني.كانت نسوية جوردان السوداء قائمة على رفض الامتيازات الفارغة التي يوفرها العيش داخل ما سمّته بـ”البيت الكبير”، في إشارة إلى الولايات المتحدة كبنية إمبريالية، حيث يُتاح للسود فرصة فريدة لإضافة “الملح أو الزرنيخ إلى الحساء”. كانت صراعات جوردان تهدف إلى أن تكون – وقد كانت بالفعل – صراعات مُحفّزة ومُحرّكة في محاولة لتشجيع رفيقاتها “sistren” على استخدام مواقعهنّ لتعطيل آلة الحرب الأميركية.كانت جوردان مفكرة أممية تملك فهمًا ماديًا للتضامن، وكأن شعرها ومقالاتها يعملان ككاشف ضوئي يُسلّط ويتنقّل بين جنوب إفريقيا ونيكاراغوا وكوبا وهاواي والعراق، دعمًا لحركات التحرر وحق تقرير المصير، وتندمج فلسطين بشكل طبيعي ضمن هذا النطاق الواسع من مناهضتها للإمبريالية. لكن قصائد مثل “المسير نحو البيت”، و”اعتذار لكل الناس في لبنان”، و”تعويذة الانتفاضة”، ومقالات مثل “الحياة ما بعد لبنان” و”شاهد عيان في لبنان”، تجسد المسار الطويل لالتزام دام عشرين عامًا بالنضالات المناهضة للإمبريالية في جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط.تعد هذه الأعمال روائع في قدرتها على تحويل الشعور بالعار إلى فعل سياسي، أي الانتقال من عار التواطؤ كمواطنة أميركية تدفع الضرائب نحو مسؤولية أن تكون ضمن “أولئك الذين لم يموتوا منا”. وفي قصائدها ومقالاتها اللاحقة، لم تتوقف عن النضال ضد احتلال فلسطين، وضد معاداة المسلمين والعرب في الولايات المتحدة وإسرائيل. وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، كانت جوردان في المراحل الأخيرة من معركتها مع السرطان، وحتى ذلك لم يوقفها من إدانة العنصرية والإسلاموفوبيا اللتين غذّتا سياسة “الحرب على الإرهاب”. وقد كتبت لها صديقتها الشاعرة اللبنانية إيتيل عدنان ذات مرة بمزاح مشوب بالمرارة: “إنهم لن يغفروا لكِ أبدًا اعتقادكِ بأن العرب بشر”.إن ما يجعل تضامن جوردان ملهمًا وعابرًا للأزمنة هو أنها لم تحصر اهتمامها بالعنف الممارس على الفلسطينيين، بل ألهمتها بعمق المقاومة الفلسطينية نفسها. كان هذا موقفًا راديكاليًا في عام 1982، كما تجادل إيمي كابلان، فإنه رغم تزايد التعاطف مع ضحايا الحرب الفلسطينيين، “سرعان ما تحوّل تركيز الإعلام الأميركي من معاناة الفلسطينيين إلى التركيز على ألم الإسرائيليين”، بينما شرع الصهاينة الأميركيون بإعادة تأطير الحرب باعتبارها انحرافًا ووصمة على “مشروع دولة إسرائيل النبيل” في جوهره؛ وحتى يومنا هذا، لا تزال المواقف السياسية التي تضع “الإنسان الفلسطيني وحياته” في المركز – بدلًا من التركيز على “تطهير الأخلاق اليهودية” من عثراتها – تمثل نقطة شائكة ومثيرة للانقسام. وقد كشفت النقاشات المحتدمة حول استخدام عبارات مثل “انتفاضة” و”من النهر إلى البحر”، عن سقف التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين، فثمّة قبول للتعاطف معهم طالما وُضعوا في إطار “الضحايا السلبيين”، وليس كشعب له قضية وطنية ومطالب سياسية.تميزت جوردان برفضها لهذا الإطار، تجلّى ذلك في توظيفها لكلمة “انتفاضة” في العديد من قصائدها ومقالاتها. فقصيدة “تعويذة الانتفاضة” مصاغة كقصيدة حب مؤكدة مكتوبة بأحرف كبيرة، واستهلالها الشهير يقول: “قلتُ إنني أحبك وأردتُ للإبادة أن تنتهي”. لكن العمل لا يقتصر على علاقة بين شخصين، بل يتخذ من الشعب الفلسطيني ومقاومته نقطة انطلاق لصياغة مفاهيم الحب والوطن، وأي مظهر# ميكازين# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم