دراسات في العربية وتاريخها الفضيلة الاستاذ الأكبر محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وعضو المجمع اللغوي في القاهرة والمجمع العلمي العربي في دمشق المدخل فضل اللغة العربية و مسايرتها للعلوم والمدنية: في الكائنات ما يدرك باحدى الحواس ، فيولد في الذهن صورة شيء آخر غير محسوس بالفعل ، كالدخان المشاهد على بعد ، يولد في اذهاننا صورة النار ، والنار غير ظاهرة الأنصارنا ، وكالاحرار يدو على الوجه فجأة فيحضر في أذهاننا معنى الخجل ، ولم يكن قبل ظهور هذا الاحرار حاضرا، وكلفظ الاسد يحضر في أذهاننا صورة الحيوان المفترس ، وهذا الحيوان غير حاضر عندما يطرق اللفظ أسماعنا . ولا شيء يدل آخر بطبيعته حتى يكون مجرد وجوده كافيا في الدلالة ، وانما توجد الدلالة بعد العلم بما بين الشيئين من رابطة ، ولولا ملاحظة هذه الرابطة لما اقترن شيئان في الذهن على أن هذا دال ، وذاك مدلول له . فالأوضاع البدنية كقطيب الوجه ، تدل على بعض أحوال نفسية كالعقب ، وهذه الدلالة لا تتحقق الا عند من عرف – بطريق التجربة مثلا أن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية يرتبطان في الوجود، وهذا هو الذي يمكنه أن يلاحظ هذا الارتباط ، فتقترن تلك الأوضاع البدنية والأحوال النفسية في ذهنه ، أولاها بصفة دالة . وأخراهما بصفة مدلول عليها . واذا قالوا : أن دلالة احمرار الوجه على الحجل طبيعيه ، فعلى معنى أن احترار الوجه يرتبط بالحجل بقانون طبعي، أما نحس الدلالة فانهالا تتحقق الا بعد أن يكون الناظر قد علم أن احرار الوجه ينشأ عن الخجل ، وهذا العلم اننا يحصل من نحو التجربة أو التلقين . وعلى هذا النحو يجرى حال الأمور التي لا يربطها بما تدل عليه قانون طبعي ، وانما هو العرف والاصطلاح ، فاذا رأينا علماً على شاطي البحر عرفنا أن هناك سفينة . ومن البين أن لا رابطة بين العلم ووجود سفينة بالمرسى غير تلك الرابطة الذهبية الناشئة من اصطلاح الناس على أن يرفعوا على السفن أعلاماً . ومن هذا الوادي دلالة الألفاظ على المعاني ، فان المعنى لا يحضر عند النطق باللفظ أولا يحضر حضورا تنشأ عنه فائدة الا أن يسبقه العلم بأن هذا اللفظ قد وضع ليدل على هذا المعنى ، وان المتكلم به مس يحذو في الكلام حذو هذا الوضع . اللغة : اللغة – كما قال ابن جني – أصوات يعبر بها كل قوم عن أعراضهم. وهي مزية عرف بها الانسان ، ولم يعرف في البشر أمة ليس لها لسان تغير به عن حاجاتها ، وقد حاول بعض الباحثين أن يثبت من تركيب أدمغة أشخاص عاشوا في القرون الخالية أنهم كانوا محرومين من هذه المزية ، فلم يستطع أن يقيم على ما يقوله دليلا تام المقدمات صحيح الإنتاج كما أن العلم لم يستطع أن يثبت لغير الانسان من الحيوان لغة تخاطب . وفي دائرة المعارف الانكليزية أن هذه المسألة لا تزال تحت البحث . اصل نشاة اللغة : تصدى للبحث في أصل نشأة اللغات كثير من الفلاسفة والمتكلمين واللغويين ، وذهبوا في البحث مذاهب شتى : هذا يقول مصدرها التوقيف من الله ، وذلك يقول مبدؤها الطبيعة ، وآخر يقول منشؤها الاصطلاح والتواطؤ ، والقائلون أن مبدأ اللغات التوقيف لا يتكرون ان تعدد اللغات وتسوها من بعد كان بطريق الاصطلاح وعلى حسب الحاجة ورجح ابن حزم في كتاب الإحكام أن أصلها التوقيف من الله تعالى ، ثم قال : ولا تشكر اصطلاح الناس على إحداث لغات ثبتي بعد أن كانت لغة واحدة وقفوا عليها ، بها علموا ماهية الاشياء وكيفياتها وحدودها ، ثم قال : ولا تدرى أي لغة هي التي وقف آدم عليه السلام عليها أولا . وليس في أدلة هذه المذاهب ما يجعل النفس في قرارة من علم لا يخالطه ريب ، وقصارى ما وصل اليه الباحثون اليوم أن الناظر في اللغة منى توغل في أطوارها إلى أقصى ما يسعه التاريخ ، يصل إلى شدود في تركيب الكلمات أو تركيب الكلام ، بحيث يعتقد أن هذه اللغة لم تبلغ حالتها الحاضرة إلا بعد أن تقلبت في أطوار مرت عليها أحقاباً ، فمن الصعب على الفيلسوف أو اللغوى أو المؤرخ أن يحكم في أصل نشأة هذه اللغات حكما فاصلا ، وانما يستفيد من بحثه في اللغات التي بين يديه أنها تكون في أول أطوارها قليلة الكلمات غير متنوعة الأساليب، ثم تعزر مادتها وتتعدد أساليبها ، على حسب ما يكون المناطقين بها من ثقافة أو حضارة . تأثير الفكر في اللغة : المفكر أثر في اللغة عظيم ، ولولا الفكر الفقدت اللغة خواصها ، ولم يكن لوجودها آية فائدة ، فان الفكر هو الذي يربط الألفاظ بمعانيها فيصد اليها وهي أصوات فارغة ، فيردها كالأصداف تحمل من درر المعالي ما يبهر العقل ، أو كالاغصان تحمل من الثمار ما تشتهيه النفس . والفكر هو الذي يتوسل به الانسان إلى توسيع نطاق اللغة وتنظيمها فيدخل فيها عند الحاجة كلمات جديدة ، أو يبتدع فيها أساليب طريفة. ويضع لها قواعد تساعد الناس على تعلمها ، وتحفظهم من الخطأ عند النطق بها . ومن شواهد تأثير الفكر على اللغة أن اللغة لا يرتفع شأنها وتظهر فصاحة الفاظها وغزارة مادتها وحسن بيانها ، إلا أن تلد أرضها رجالا ذوى عقول بيرة وقرائج جيدة . تاثير اللغة في الفكر : المفكر تأثير في اللغة كما أسلفنا بيانه ، وهذا لا يمنع من أن يكون اللغة تأثير في الفكر من بعض الوجود، وقياس هذا أن العلم يزيد الاخلاق تهذيبا ، والاخلاق المهدية – كالصبر على طول البحث ، والانصاف في المحاورة – دخل في توسيع دائرة العلم أو التحقيق ما يتشكل من مباحثه . تؤثر اللغة في الفكر من جهة أن المعاني لا تشاير ولا تخرج في وضوح إلا أن يشار الى كل معنى اللفظ يخصه ، فاللغة وسيلة إيضاح المعاني الغامضة ، وتنسيق المعاني المختلطة ، والرجل الذي يريد أن يؤدى المعنى في صورة منتظمة، يفكر في اختيار الألفاظ والأساليب أكثر ممن لا يبالي أن تقع صور المعاني في ذهن مخاطبة مهنة مختلفة . وتأثير اللغة في وضوح المعنى وتنظيمه في ذهن المخاطب أمر لا شبهة فيه ، والذي يمارس التدريس أو التحرير ، قد يحس في نفسه معالى مجملة أو مختلطة ، فيأخذ في معالجتها بالبسط أو الشيق ، وانا يستعين على بسطها أو تنسيقها بكلام نفسي ، وليس هذا الكلام النفسي إلا صور الفاظ لغوية تتسرب من قوة الحافظة إلى المفكرة ، قلعة تأثير على الفكر من قبل أن يعبر عنه بالقلم أو اللسان . واللغة تصور ما يخطر في الفكر من المعانى ، وهي التي تجعل المعاني محفوظة باقية ، وكذلك يقول أحد الفلاسفة : « الأفكار التي لا تودع# الاطلس العربي# مجلة ايليت فوتو. ارت


