فيلم (العروس!) : حين تستعيد المخلوقة صوتها وتتمرّد على أسطورتها
أسامة ختلان
يعود الاهتمام بأسطورة فرانكشتاين إلى الواجهة مجدداً مع مشروع سينمائي جديد يحمل توقيع الممثلة والمخرجة ماغي جيلينهال في فيلمها (العروس!)، وهو عمل يستلهم بروح معاصرة فيلم الرعب الكلاسيكي عروس فرانكشتاين الذي يعد أحد أبرز أعمال السينما في ثلاثينيات القرن الماضي. في هذه القراءة الجديدة، يؤدي الممثل كريستيان بيل دور الوحش ” فرانكنشتاين” الذي يسعى إلى إيجاد رفيقة له، مستعيناً بعالمة غامضة تجسدها الممثلة أنيت بينينغ، ليقوما معا بإحياء جثة امرأة مقتولة تؤديها الممثلة جيسي باكلي. غير أن عودتها إلى الحياة لا تسير وفق ما خطط له، إذ تتخذ القصة مساراً درامياً مختلفاً يقوم على فكرة الانتقام وإعادة تعريف الذات.لا يخفي الفيلم انحيازه لقراءة نسوية معاصرة للأسطورة، وهو توجه يجد جذوره في الإرث الفكري لمؤلفة الرواية الأصلية ماري شيلي التي نشرت روايتها عام 1818، متأثرة بإرث والدتها الفيلسوفة النسوية ماري ولستونكرافت. ومن هذا السياق، يبدو المشروع امتداداً لسلسلة من التأويلات الثقافية التي أعادت النظر في أسئلة الخلق والتمرد والهوية، وهي القضايا التي ظلت كامنة في قلب الأسطورة منذ ظهورها في الأدب الأوروبي في مطلع القرن التاسع عشر.وفي سياق استعادة الجذور الثقافية للرواية، يعيد هذا الاهتمام السينمائي التذكير بأعمال سابقة حاولت تخيّل اللحظة التي ولدت فيها فكرة الرواية الأصلية. ومن أبرز تلك المحاولات فيلم ( قوطي ) للمخرج كين راسل، الذي يستعيد أجواء اللقاء الأدبي الشهير الذي جمع الكاتبة ماري شيلي مع عدد من الشعراء والمثقفين خلال صيف عاصف في فيلا مطلة على بحيرة جنيف. خلال تلك الليلة، ووسط أجواء تنافسية لتأليف أفضل قصة رعب، تبلورت الفكرة الأولى لرواية «فرانكشتاين»، في لحظة أدبية تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر الحكايات تأثيراً في الأدب والثقافة الحديثة.في فيلم «العروس!» تقدّم الممثلة والمخرجة ماغي جيلينهال قراءة مختلفة لأسطورة فرانكشتاين، لا بوصفها مجرد حكاية عن طغيان العلم أو خطورة التجارب الخارجة عن حدود الطبيعة، بل كدراما وجودية تتمحور حول امرأة صنعت لتكون استجابة لرغبة رجل في ألا يكون وحيداً. هذا التحول في زاوية النظر يمنح الحكاية بعداً إنسانياً جديداً، حيث تتحول شخصية العروس من كائن صامت إلى محور درامي يعيد طرح أسئلة الهوية والاختيار والحرية.تستحضر المعالجة الجديدة الإرث البصري للفيلم الكلاسيكي «عروس فرانكشتاين» الذي أخرجه جيمس ويل عام 1935، والذي شكّل أحد أعمدة سينما الرعب في تلك الفترة. في ذلك العمل جسّد بوريس كارلوف شخصية الوحش، بينما أدّت إلسا لانشيستر دور العروس وماري شيلي معاً في مفارقة فنية تربط الخيال بمصدره الأدبي. ورغم أن ظهور العروس في الفيلم الأصلي كان قصيراً للغاية، فإن صورتها بشعرها المتوهج ونظرتها المذعورة تحولت إلى أيقونة بصرية راسخة في تاريخ السينما.غير أن الرؤية الجديدة لا تكتفي باستعادة تلك الصورة الكلاسيكية، بل تسعى إلى إعادة تفسيرها. فبدلاً من العروس الصامتة التي تختزل في لحظة رفض عابرة، تمنحها المعالجة المعاصرة صوتاً ووعياً بذاتها. لم تعد مجرد استجابة لحاجة الوحش أو امتداداً لعزلته، بل كياناً مستقلًا يطرح أسئلة حول شروط خلقه والسلطة التي صنعت وجوده. تؤدي الممثلة جيسي باكلي دور المرأة التي تُبعث من الموت عبر تجربة علمية تقودها شخصية العالمة التي تجسدها الممثلة أنيت بينينغ بأداء يجمع بين البرود الأكاديمي والتوتر العاطفي. تقدم بينينغ عالمة لا تحركها فقط رغبة الاكتشاف، بل أيضاً شعور خفي بالحاجة إلى الاعتراف في مجتمع لا يتسامح بسهولة مع النساء اللواتي يتجاوزن الحدود التقليدية للعلم والسلطة.أما الوحش، او ” فرانكنشتاين” الذي يؤديه الممثل كريستيان بيل، فيظهر هنا بملامح أكثر إنسانية مما اعتادت عليه التفسيرات السينمائية السابقة. يمنحه بيل حساسية درامية لافتة؛ فهو كائن ممزق بين حاجته إلى الحب وشعوره العميق بالوحدة. غير أن طلبه بخلق رفيقة يكشف عن مفارقة أخلاقية معقدة: هل يحق لمن يعاني العزلة أن يخلق كائناً آخر ليشاركه مصيره؟ من الناحية البصرية، يمزج الفيلم بين أجواء ثلاثينيات القرن العشرين وطاقة جمالية حديثة تمنح العمل توتراً بصرياً خاصاً. يتحول جسد العروس إلى بيان رمزي عن فكرة «الخلق»، حيث تتعامل الكاميرا معه بوصفه مساحة للصراع بين الإرادة المفروضة والحرية المكتسبة. يبدو فيلم «العروس!» محاولة لإعادة قراءة الأسطورة من زاوية إنسانية ونسوية في آن واحد. إنه فيلم يتأمل فكرة الامتلاك المقنّع بالحب، ويطرح سؤالاً قديماً بصيغة جديدة: ماذا يعني أن يخلق الإنسان ليكون شيئاً لغيره؟ وفي هذه القراءة، لا تعرَّف العروس بعلاقتها بالوحش، بل بقدرتها على إعادة تعريف نفسها خارج مختبر العلم وخارج الأسطورة التي صنعتها.# سينما العالم# مجلة ايليت فوتو ارت..


