Film: Dead Poets Society
Director: Peter Weir
Cast: Robin Williams, Ethan Hawke, Robert Sean Leonard
Genre: Drama
مناف محمد
اغتنم اليوم… حين تعلمنا السينما أن ننقذ أرواحنا بالكلمة
في بدايات ظهور Dead Poets Society في العراق، جاء الفيلم في لحظة بدت شديدة الحساسية من حياتنا، الفردية والوجدانية. عبر برنامج عالم السينما قدّمه السينمائي سامي محمد لا بوصفه فيلمًا مدرسيًا فحسب، بل كتحفة سينمائية بصرية مشبعة بالثورة والتمرد. لم يكن مجرد عرض عابر على شاشة التلفزيون، بل تجربة تركت أثرًا طويل الأمد، ظلّ يرافقني كلما عدت إلى مشاهدته، وكأن الزمن لا يمر عليه، أو كأنني أنا من يتغيّر في كل مرة.
هذا الفيلم من تلك الأعمال النادرة التي لا تُشاهد بالطريقة ذاتها مرتين. في كل إعادة، تتبدّل زاوية الرؤية، ويختلف الوقع، وتنكشف طبقات جديدة من المعنى. كأن الفيلم ينمو مع المشاهد، أو كأنه مرآة تعكس المرحلة التي نعيشها أكثر مما تعكس صورته هو.
يقدّم لنا العمل شخصية الأستاذ جون كيتينغ، مدرس اللغة الإنجليزية في مدرسة داخلية عريقة في نيو إنجلاند، رجل لا يشبه الأساتذة التقليديين، ولا يؤمن بأن التعليم تلقين أو انضباط أعمى. روبن ويليامز في هذا الدور الاستثنائي لم يكن ممثلًا يؤدي نصًا مكتوبًا، بل كان طاقة إنسانية طليقة، قادرة على إلهام طلابه للتمرد على القوالب الجاهزة، وعلى مساءلة السلطة والتقاليد، لا من أجل الفوضى، بل من أجل اكتشاف الذات.
يُعدّ الفيلم واحدًا من أعظم الأفلام المدرسية في تاريخ السينما، وكثيرًا ما يُستشهد به كأحد أكثر الأعمال إلهامًا على الإطلاق. ذلك أنه لا يتوقف عند حدود الصف الدراسي، بل يتسلل إلى حياة المشاهد، إلى أسئلته المؤجلة، إلى رغبته الخفية في الرحيل، في الحرية، في أن يعيش كما يريد لا كما يُطلب منه.
الفيلم مليء بالاقتباسات التي تلامس جوهر الإنسان، حوارات تبدو وكأن الثورة تسكن كل كلمة فيها. حين يكرّر الأستاذ جون كيتينغ عبارته اللاتينية الشهيرة: (Carpe Diem اغتنم اليوم) ، فهو لا يدعو إلى متعة عابرة، بل إلى وعي عميق بقيمة اللحظة، وإلى شجاعة العيش قبل أن يتحول العمر إلى سلسلة من الندم.
وفي خطابه الشهير عن الشعر يقول:
(نحن لا نقرأ ونكتب الشعر لأنه لطيف. نقرأ ونكتب الشعر لأننا جزء من الجنس البشري، والجنس البشري مليء بالشغف)
ثم يضيف
(الطب والقانون والتجارة والهندسة… كلها مساعٍ نبيلة وضرورية للحياة. لكن الشعر والجمال والرومانسية والحب… هي ما يجعلنا نبقى على قيد الحياة)
هنا يضع الفيلم الفنون في قلب الوجود الإنساني، لا كترف ثقافي، بل كضرورة روحية، كقوة تحفظ الإنسان من التحوّل إلى آلة.
ويؤكد الفيلم إيمانه بالكلمة حين يقول
(بغض النظر عما يقوله لك أي شخص، فإن الكلمات والأفكار يمكن أن تغيّر العالم)
جملة تختصر فلسفة العمل بأكمله، وتعيد الاعتبار للغة، للفكرة، وللقدرة الفردية على التأثير، مهما بدت صغيرة أو معزولة.
أما استحضار قصيدة والت ويتمان
(يا أنا، يا حياة يا أسئلة هذه التكرارات ما الفائدة وسط هذه الأمور يا أنا يا حياة أجب على هذا أنك هنا، وأن الحياة موجودة، والهوية موجودة، وأن المسرحية العظيمة مستمرة، وأنت تستطيع أن تساهم بفصل فيها)
فهو لحظة تأمل عميقة، يواجه فيها الفيلم المشاهد بسؤال لا يمكن الهروب منه: ماذا ستضيف أنت إلى هذه المسرحية؟هل ستضيف اليها شيئًا مهما ؟ ام انك ستكون مررت فيها بدون اي أثر يذكر، وكأنك لم تكن هنا ابدا سؤال وجودي عميق ينظر فيه الى النفس البشرية بعمق.
هذه المقولات لا تدعو إلى الهروب من الواقع، بل إلى مواجهته بوعي مختلف. إلى البحث عمّا يمنح الحياة معناها الحقيقي بعيدًا عن ضغط المجتمع وتوقعاته الجاهزة. إلى الإيمان بأن الشغف، والفن، والكلمة، ليست كماليات، بل جوهر الوجود.
مشاهدتي للفيلم لاحقًا باللغة الألمانية كانت تجربة مغايرة في النبرة، لكنها حملت الإحساس ذاته. اختلفت الأصوات، لكن الروح بقيت كما هي، لأن ما يقوله Dead Poets Society يتجاوز اللغة، ويتسلل مباشرة إلى الداخل.
هو فيلم يوقظ تلك الرغبة القديمة في التمرّد والرحيل، في الحرية في الكلمة والعيش والسلوك. فيلم يهمس لك بأن الأيام ليست متشابهة إلا إذا عشناها بلا شغف، وبأن المسرحية ما زالت مستمرة، وأن الوقوف للحظة على الطاولة، لرؤية العالم من زاوية أخرى، قد يكون بداية فصل لا يشبه ما سبقه. # مناف. #سبنما العالم #مجلة ايليت فوتو ارت.


