حين ودّع سقراط قضاة أثينا: “أنا إلى الموت وأنتم إلى الحياة، والله وحده عليم بأيهما خير!”
وقفت أغلبية شعبية لتحاكم فردا واحدا بتهمة إفساد الشباب وإنكار آلهة الدولة.
وحين صدر حكم الإعدام، لم ينهر الفيلسوف ولم يستجد العفو، بل جاءت أطروحته الختامية لتعيد تقييم مفهومي الحياة والموت من جذورهما.
يختتم سقراط مرافعته بمقولته:
“لقد أزفت ساعة الرحيل، وسينصرف كل منا إلى سبيله؛ فأنا إلى الموت، وأنتم إلى الحياة، والله وحده عليم بأيهما خير!”.
تمثل هذه الكلمات تلخيصا لرؤيته الفلسفية والأخلاقية.
يطرح سقراط أمام قضاته احتمالين لطبيعة الموت:
إما أن يكون انعداما تاما للوعي يشبه نوما عميقا هادئا لا تعكره الأحلام، وهو بذلك مكسب وراحة؛ وإما أن يكون انتقالا للروح إلى عالم آخر تلتقي فيه بالآلهة العادلة والأبطال القدامى أمثال أورفيوس وهسيود وهوميروس.
بناء على هذا التصور، ينتفي المبرر المنطقي للخوف من الموت، ويتجه الإشفاق بدلا من ذلك نحو القضاة والمدعين الذين تلطخت أرواحهم بظلم بريء، لأنهم ألحقوا الضرر الأكبر بجوهرهم الأخلاقي.
تنعكس هذه الرؤية للموت في سلوك سقراط الإجرائي طوال المحاكمة.
رفض الفيلسوف اللجوء إلى الأساليب العاطفية المعتادة في محاكم أثينا، كاستحضار الأطفال للبكاء أمام القضاة أو ذرف الدموع لاستدرار الشفقة.
يعلل هذا الرفض بأن التمسك بالحياة بأي ثمن، وتقديم البقاء البيولوجي على الاستقامة الأخلاقية، يمثل تفريطا في الفضيلة وفهما مغلوطا لقيمة الوجود الإنساني.
الحياة في نظره لا تكتسب قيمتها من طول أمدها، بل من جودتها الأخلاقية وتوافقها مع نداء العقل والضمير.
#فلسفة_الموت #الدفاع_السقراطي #تاريخ_الفلسفة#مجلة ايليت فوتو ارت.


