عندما ابتلع الابيض 90 الف جندي في ليلة واحدة

1 – هوس العظمة وشيطان الخريطة

​في شتاء عام 1914، بينما كانت نيران الحرب العالمية الأولى تلتهم أوروبا، كان وزير الحربية العثماني “أنور باشا” ينسج حلمًا إمبراطوريًا خياليًا. تمثل خطته الجريئة في استعادة أراضٍ شاسعة من الإمبراطورية الروسية عبر جبال “ساريكاميش” الوعرة في شرق الأناضول.

​ورغم تحذيرات القادة العسكريين الميدانيين من خطورة المنطقة وقسوة تضاريسها في منتصف الشتاء، أصرّ الباشا على إطلاق الهجوم فورًا. صعد عشرات الآلاف من الجنود الشباب الجبال، وهم يرتدون ملابس صيفية رقيقة ويحملون معدات خفيفة، دون أن يدركوا أنهم لا يسيرون نحو مواجهة العدو… بل إلى مصيدة الطبيعة الغاضبة.

2 – الجحيم الأبيض… عندما تتكلم الطبيعة

​مع وصول الجيش إلى مرتفعات تزيد على 2000 متر فوق سطح البحر، انخفضت درجات الحرارة فجأة إلى 30 درجة تحت الصفر. اندلعت عواصف ثلجية هوجاء حُجبت فيها الرؤية تمامًا، وتلاشى المسار بين ثنايا الثلج الناصع.

​في تلك الليالي المرعبة، تجمدت دماء الجنود في عروقهم وهم يسيرون. لم يكن هناك حطب لإشعال النيران، ولا طعام يسد رمقهم، ولا مأوى يحميهم من الرياح التي كانت تقطع الأجساد كأنها شفرات حادة. بدأ الجنود يتساقطون واحدًا تلو الآخر؛ من يجلس ليستريح لعدة دقائق… لا يستيقظ أبدًا.

3 – صدمة الروس… القتال ضد التماثيل

​عندما تقدمت القوات الروسية لاستكشاف الموقع وتوقع خوض معركة دموية طاحنة، فوجئ الضباط والجنود بذهول مطلق يقطع الأنفاس.

​لم يجد الروس جيشًا يطلق النار، بل وجدوا آلاف الجثث المتجمدة في وضعياتها الأخيرة! جنود يقفون ممسكين ببنادقهم ومصوبة نحو الأفق، وآخَرون تحت الشجر يحضنون أجساد بعضهم طلباً للدفء، ووجوه شاخصة جمدها الجليد وحفظ ملامح الرعب والصدمة عليها إلى الأبد. لقد تحول الجيش العثماني إلى معرض مرعب من “التماثيل الثلجية” دون أن تطلق رصاصة واحدة في ميدان المعركة.

​4 – الحقيقة الخفية والنهاية الحزينة

​أسفرت هذه الكارثة عن إستشهاد وموت ما يُقارب 60,000 إلى 90,000 جندي في واحدة من أفجع المسالك العسكرية في التاريخ البشري. وللحفاظ على الروح المعنوية، فرضت الحكومة العثمانية رقابة صارمة على أخبار هذه المأساة، وظلت تفاصيلها طي الكتمان لسنوات طويلة.

​لم تكن ساريكاميش مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت تذكيرًا قاسيًا ومأساويًا بأن الطموح العسكري العشوائي وتجاهل الطبيعة قد يكلف أمة بأكملها زهرة شبابها في غمضة عين.

​#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم