علامات الثراء في مصر القديمة

التحنيط الفاخر.. الكتان الشفاف.. أحواض اللوتس: 

في أحضان مصر القديمة، حيث ينساب النيل كشريط أخضر نابض بالحياة وسط بحر الصحراء الذهبي، كانت الثروة تتدفق غزيرة كمياهه، لكنها تتركز في يد الملك والنخبة المحيطة به. يُجمع علماء المصريات على أن **أغنى إنسان في تلك الحضارة كان الملك دائمًا**، وأبرز شاهد على ذلك مقبرة الفتى الملك **توت عنخ آمون**، الذي غادر عالمنا في حوالي الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره، مخلفًا وراءه كنوزًا لا تُضاهى: أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية (حوالي 5398 قطعة حسب السجلات الدقيقة)، من الذهب الخالص والفضة والعاج والخشب المنحوت والأحجار الكريمة، كلها مدفونة معه في مقبرته الصغيرة التي نجت من لصوص الزمن آلاف السنين. وهذه الكنوز تمثل مجرد لمحة عن ما كان يملكه في قصوره الواسعة.

في مصر القديمة، لم تُقاس الثروة بمعاييرنا المعاصرة. كانت **الفضة** – لندرة توافرها واعتمادها على الاستيراد من غرب آسيا أو شوائب الذهب – أغلى قيمة من الذهب في معظم العصور، خاصة في المملكة القديمة والوسطى، حيث كان الذهب وفيرًا من مناجم النوبة والصحراء الشرقية. احتكرت الطبقات العليا – الفراعنة والكهنة العظام والنبلاء والوزراء – الغنى الحقيقي، وعلامة الثراء الأوضح كانت **التحنيط الفاخر**: الجسد المحفوظ بإتقان عالٍ، مدفونًا في مقبرة مزخرفة ومجهزة بأثاث وتماثيل وأوانٍ، يدل على إمكانيات مالية هائلة، لأن عملية التحنيط كانت باهظة التكلفة، تحتاج إلى مواد نادرة ومهارات متخصصة. أما الطبقات المتوسطة فاكتفت بتحنيط أقل تعقيدًا، والفقراء دُفنوا ببساطة أكبر.

على موائد النخبة، كان **العسل** يتألق كسلعة ملكية نادرة، يليه اللحوم الفاخرة: لحم الثور والبقر والإوز المشوي، والطيور البرية والأسماك النيلية المختارة بعناية. أما عامة الشعب فكان يعتمد على غذاء يومي متواضع: خبز القمح أو الشعير الطازج، البصل الأخضر، الفول، الخضروات، السمك الوفير من النيل، والتمر والتين. وكانت **البيرة** – المصنوعة من الشعير المخمر – مشروب الجميع، غنيًا كان أم فقيرًا، لكن النصوص تحذر من الإفراط فيها خوفًا من فقدان الوعي والندم، بل إن بعض تعويذات يوم الحساب تتضمن قسمًا ينفي فيه الميت: “لم يغم على قلبي”، ويراه البعض إشارة إلى تجنب السكر.

الملابس كانت مرآة الطبقة الاجتماعية. النساء الثريات يرتدين فساتين من **الكتان الرفيع** الفاخر – خامة باهظة الثمن – بلون أبيض ناصع، متعددة الطبقات: داخلية شفافة، متوسطة، وخارجية مزينة بقلائد الأحجار الكريمة والأقراط الذهبية أو الفضية. الرجال الأثرياء يتأنقون بعباءات مطوية بثنيات أنيقة، بينما يكتفي الفقراء بقطعة قماش بسيطة تغطي الجسد. وفي الرسوم الجدارية نرى أحيانًا رجالًا يرتدون “تنانير” قصيرة مع صدور عارية، ربما زيًا احتفاليًا أو طقسيًا.

أما المنازل، فلم يبقَ من قصور الأثرياء سوى القليل، إذ بُنيت من الطوب اللبن الذي تحلل مع الزمن، على عكس المقابر الحجرية الخالدة. كانت تلك القصور فسيحة، محاطة بحدائق مورقة مليئة بالزهور وأحواض زينة تحمل أسماكًا وزهور اللوتس. وفي برديات ملونة نرى منازل مطلية بالأبيض لتعكس الحرارة، مرتفعة على قواعد تحميها من فيضان النيل – عبقرية معمارية بيئية مبكرة

التعليم كان رفاهية النخبة؛ يُستقدم المعلمون الخاصون لتعليم أبناء الأثرياء القراءة والكتابة بالهيروغليفية. أما أبناء الفقراء فيتوارثون حرف آبائهم: الفلاحة، النجارة، الصيد. ومع ذلك، حلم بعض الآباء الطموحين بأن يصبح ابنهم “كاتبًا” فيتقدم اجتماعيًا ويصاحب النبلاء. وكان “بيت الحياة” – الملحق بالمعابد – يوفر تعليمًا لأبناء العامة، فيفتح أبواب الارتقاء إلى الطبقة الوسطى أو الكهنوت أو الوظائف الإدارية.

الزواج كان يحمل طابعًا إنسانيًا رقيقًا: يتم بالتراضي والإيجاب والقبول، مع استشارة العروس وحقها في اشتراط خادمة تخدمها. وُجدت حتى عقود زواج مشروطة بإنجاب الأولاد. في الأعراس، تملأ الموسيقى الأجواء: هارب، مزمار، ناي، دف، وآلات وترية. يجلس الرجال مقابل النساء، والخادمات يقدمن الخمور والعصائر، بينما تضع السيدات “قمع الروائح” فوق الرأس لينساب العطر مع كل حركة، وتحمل الفتيات الصغيرات (في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة) باقات الزهور كهدايا.

كان الأثرياء إما كهنة – أغنى الطبقات لأن المعابد تجمع الهدايا والضرائب من الشعب – أو قادة عسكريين يحصدون غنائم الحروب. الطبقة الوسطى تضم الكتبة والمعلمين والإداريين، والفقراء الفلاحين وعمال الصف في الجيش.

هكذا عاش أهل الثراء في مصر القديمة: مزيج آسر من الرفاهية الفنية والإيمان الراسخ بالآخرة. كانوا ينفقون على مقابرهم أكثر مما ينفقون على منازلهم، لأنهم كانوا يؤمنون – إيمانًا عميقًا – أن الحياة الحقيقية الأبدية تبدأ بعد عبور بوابة الموت.

# مجلة إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم