«عطيل» .. تراجيديا الغيرة العابرة للعصور .. ترجمة جديدة لمسرحية شكسبير أنجزها محمد عناني

مشهد من مسرحية «عطيل» على مسرح رويال هيماركت اللندني، بإخراج توم موريس

• القاهرة: رشا أحمد

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 – 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما في ذلك حل بـ«كاسيو»فتح حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويبر له حامل أمر قتلها، حتى لا يتسنى لهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يطلبوها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن بوبا جناح الغرفة لي المتهالك عليها؛ حتى يبدو وكأنه طرحه قضاء وقدرة، وينجحان في تحقيق ذلك، ويتري المغربي حزن شديد على العمال، وكراهية شديدة لحامل العلم، ولكن لا يجرؤ على قتله فيفصله عن العمل.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» معه إلى ويقول له إن «عتيل» هو ضربه بالسيف فكسره بدافع الغيرة، ثم قتل، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس، ويستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث للتعذيب حتى الإصدار، فيصدر مجلس الحكم على الإنكار. عليه، ولكن عائلة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» الشر فيكون له المزيد من الظلمة، ولكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويذنب حتى الموت.

ولذلك فإن الدكتور كارل عناني إلى أن المأساة السريعة التي تسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحضّرنا إلى تعيننا بالتأكيد مأساة زوج يغار أو يشك في الضحايا أو حتى مأساة بطلة شخصية موار وشاعر تمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» تشارك «عطيل» لا تتواجد بمكتبيا إلى إقليم خاصا دولة تعتمد على التجارة وثراء العريان من ذوي التخصيص والنسب، فضلا عن امتيازات المقاتلين أو الأفذاذ في صنع الحرب من الأغلبية والأعلام. و«ياجو» لا يتميز بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا ينتهي الأمر إلا في أن ينافس ابن الراقي «كاسيو» الذي حصل على التعليم، ويتمتع بمزايا العريان من ذوي الشعر المهدل، ويتمتع بإعجاب النساء اللاتي يتمتعن بالشفاء، وموقعه في السلم الاجتماعي لأنه يغار غيرة حقد المجتمع ويتطلع إلى «كاسيو» الجديدة، ومن «عتيل» حتى.

******
المصادر
الشرق الأوسط
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم