سيرة ذاتية بعنوان: (عالم الأمس) بالألمانية Die Welt von Gestern: Erinnerungen eines Europäers) .من تاليف ستيفان تسفايغ صدر لأول مرة عام 1942 باللغة الألمانية بعد أن أرسله المؤلف إلى الناشر قبل أيام قليلة من انتحاره في البرازيل.كما صدر عربيا مؤخرا في عام 2023بعدد صفحات: 343.———————————-شرح تحليلي:اولا: فكرة هامة عن الكتاب///الكتاب ليس مجرد مذكّرات شخصية وانما مرثية كاملة لعصرٍ انهار، وشهادة إنسان رأى الحضارة الأوروبية في أوجها ثم في سقوطها المدوي.👈 يكتبه تسفايغ في سنواته الأخيرة، وهو في المنفى، بعد أن سُلب وطنه، لغته، وأمانه الداخلي، وقبل أن يختار الانتحار بقليل. 👈 لذلك فالكتاب مشبع بإحساس الفقد، لا بالحنين الساذج، بل بحزن العارف أن ما ضاع لن يعود.المحير ان هذا الكاتب العبقري لم يكتب عن عائلته وحتى زوجته الاولى ولا الثانية التي انتحرت معة سوى اشارات بسيطةسيجعلك الكاتب تعيش نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين بحرفية عالية.———————————ثانيا: جوهر الكتاب////هذا الكاتب الاستثنائي أشبه بزائرٍ عابرٍ على القرن العشرين، قادمًا بروح القرن التاسع عشر. عاش بين زمنين، وشهد امتداد قرنين كاملين؛ عرف رخاء ما قبل العواصف، وعايش سلامًا هشًا لم يلبث أن انكسر، ثم وقف شاهدًا على حربين عالميتين قلبتا وجه العالم وبدّدتا وهم الطمأنينةيحكي تسفايغ عن أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى، عالمٍ كان يؤمن بالعقل، بالتقدم، بالثقافة، وبأن التاريخ يسير دائمًا إلى الأمام. في فيينا، حيث نشأ، كانت الفنون مزدهرة، والكتب مقدسة، والمستقبل يبدو مضمونًا.لكن هذا ( العالم الآمن) كان هشًا أكثر مما ظنّ أهله.عندما تندلع الحرب لا ينهار فقط نظام سياسي بل تنهار فكرة الإنسان عن نفسه. يرى تسفايغ كيف يتحول المثقفون إلى دعاة كراهية، وكيف تصبح القومية أداة جنون جماعي، وكيف تُمحى القيم التي تربى عليها في أيام معدودة.بدأ حياته مواطنًا في الإمبراطورية النمساوية المجرية المترامية، ثم وجد نفسه بعد الحرب العالمية الأولى مواطنًا في جمهورية نمساوية صغيرة، تقلّص معها العالم كما تقلّصت الجغرافيا. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وابتلاع هتلر للنمسا، فقد ما تبقّى له: صار بلا جنسية. ذاق تحوّلات الانتماء كلها، من إمبراطورية إلى دولة، ومن دولة إلى فراغ. لجأ إلى لندن أولًا، ثم إلى البرازيل، وهناك، في عام 1942، وهو في الستين من عمره، اختار أن يضع حدًا لحياته برفقة زوجته، قبل أن تضع الحرب أوزارها.وهذا لم يكن صحيحا بلا شك.———————————ثالثا: العالم الذي ينعاه تسفايغ///ليس عالم رفاه فقط وانما عالم الإيمان بأن:العلم سيحلّ المشكلاتالعقل سينتصر على العنفالثقافة ستمنع الانحطاطلكن الحربين العالميتين تثبتان له أن الإنسان يمكن أن يكون متوحشًا رغم كل ما قرأ وكتب وعلّم.وهنا تكمن قوة الكتاب:لا يكتب تسفايغ بوصفه ضحية فقط، بل بوصفه شاهدًا مرتبكًا، يعترف بسذاجة جيله، وبأنه لم يتخيل أبدًا أن الحضارة يمكن أن تنتحر بهذه السهولة.———————————رابعا: المنفى وفقدان الهوية///أحد أعمق محاور الكتاب هو المنفى.ليس المنفى عند تسفايغ مجرد انتقال جغرافي بل اقتلاع روحي. اللغة التي يكتب بها تصبح غريبة، الذكريات تتحول إلى عبء، والإنسان يفقد إحساسه بالانتماء إلى الزمن نفسه.يصف نفسه كإنسان بلا عنوان، بلا وطن، بلا مستقبل واضح، وكأن التاريخ لفظه خارج مساره.———————————خامسا: أسلوب الكتاب////اللغة هادئة، رصينة، خالية من الصراخ.لا تجد غضبًا بل أسى عميق.ولا اتهامات مباشرة بل تأملًا حزينًا في كيف يمكن للإنسان أن يدمّر نفسه وهو يظن أنه يتقدم.👈 وهذا ما يجعل الكتاب مؤلمًا: لأنه صادق، وغير متصالح مع الأوهام.———————————⸻سادسا: أهمية الكتاب اليوم///«عالم الأمس» ليس عن الماضي فقط.إنه تحذير مستمر من:الانخداع بفكرة التقدم الأبديالاستهانة بالكراهية القوميةالاعتقاد أن الحضارة درعٌ لا يُكسركل قارئ معاصر يشعر، أثناء القراءة، أن تسفايغ يهمس له:👈 لقد رأيت هذا من قبل… لا تكرروا الخطأ.———————————في الختام////هذا الكتاب ليس سيرة كاتب، بل سيرة خيبة جيل كامل.هو وداع لعالم كان يظن نفسه خالدًا، فإذا به يسقط في أول اختبار دموي.وإذا خرج القارئ بشيء واحد، فهو هذا الإدراك القاسي:👈 أن الحضارة ليست خطًا صاعدًا،وأن الإنسان، مهما تعلّم، يبقى قادرًا على تدمير كل شيء.إنه كتاب يُقرأ بهدوء،لكن صداه يبقى طويلًا في الداخل.———————————⚠️ تنويه///‼️ يثير هذا الكتاب سؤالًا ملحًّا في النفس:من الذي يصنع التنظيمات العبثية والمدمّرة، كتنظيم هتلر مثلًا، ذاك التنظيم الذي لم يكن تفوقه العسكري وحده لافتًا، بل حتى تسليحه وملابسه ورموزه التي بدت أحيانًا أرقى من جيش دولة كاملة؟وإذا وسّعنا زاوية النظر إلى حاضرنا، وتوقفنا عند التنظيمات الإرهابية اليوم، أو حتى عند الميليشيات المعترف بها رسميًا، يبرز السؤال ذاته بإلحاح أكبر: من يقف وراء هذه الكيانات؟هل نحن دائمًا أمام مؤامرة خفية تُحاك في الظلال، أم أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك؟الواقع أن هذه التنظيمات لا تولد من فراغ ولا تعيش على الشرّ المجرد وحده وانما غالبًا ما تكون نتاجًا طبيعيًا لتقاطع مصالح دول، وفراغات سياسية، وانكسارات اجتماعية حتى تصبح بعضها دولة أو تقود دولة.في مثل هذه البيئات، تنمو التنظيمات كما تنمو الطفيليات: تتغذى على الفوضى، وتستمر ما دامت المنافع قائمة، والدعم—المعلن أو الضمني—متوفرًا.وهنا يلتقي الماضي بالحاضر كما رآه تسفايغ:فما بدا يومًا جنونًا استثنائيًا في القرن العشرين، يتكرر اليوم بأشكال أخرى، لأن الشروط التي أنجبته لم تختفي بل تغيّرت أقنعتها فقط.#موجز_الكتب_العالمية #مجلو ايليت فزتو ارت


