هل وُلد الفينيقيون من رماد أوغاريت؟.. أوغاريت والفينيقيون… سؤال الاستمرارية الحضارية.كتب د.غسان القيم “””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””الجزء الأول:”””””””””””””””منذ اكتشاف مدينة أوغاريت في رأس الشمرة عام 1928م.. لم يعد تاريخ الساحل السوري وشرقي البحر المتوسط كما كان من قبل. فقد كشفت لنا آلاف الألواح المسمارية عن حضارة مزدهرة بلغت أوجها خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد. وأسهمت في صياغة جزء مهم من تاريخ الشرق القديم. ومع سقوط المدينة في مطلع القرن الثاني عشر قبل الميلاد ضمن أحداث الانهيار الكبير للعصر البرونزي.. برز سؤال لا يزال يشغل العلماء والباحثين والمهتمين يتاريخ المنطقة حتى اليوم: عن هل اختفت أوغاريت نهائياً من الوجود أم أن إرثها استمر في الحضارة الفينيقية التي ازدهرت لاحقاً على سواحل بلاد الشام؟للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الابتعاد عن الأحكام القطعية. فالبحث العلمي لا يملك دليلاً يثبت أن الفينيقيين هم امتداد مباشر لسكان أوغاريت وحدهم. كما لا يملك دليلاً على انقطاع كامل بين الحضارتين. لكن ما تكشفه النصوص والآثار يشير بوضوح إلى وجود استمرارية ثقافية وحضارية عميقة بين أوغاريت والعالم الفينيقي اللاحق.أوغاريت لم تكن حضارة معزولة عن محيطها، بل كانت إحدى أهم مدن العالم الكنعاني في أواخر العصر البرونزي. فقد ربطتها علاقات تجارية وسياسية وثقافية واسعة بمدن الساحل السوري واللبناني وقبرص والأناضول ومصر وبلاد الرافدين. لذلك فإن سقوطها لم يكن نهاية للثقافة الكنعانية، بل نهاية لكيان سياسي معين ضمن منظومة حضارية أوسع.ومن هنا يرى عدد من الباحثين أن الفينيقيين الذين ظهروا بقوة خلال العصر الحديدي كانوا استمراراً لتطور المجتمعات الكنعانية الساحلية التي نجت من انهيار العصر البرونزي، وليسوا شعباً جديداً هاجر فجأة إلى المنطقة. حيث تشير الأدلة الأثرية إلى أن أوغاريت تعرضت لدمار كبير وحرائق واسعة في أواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ثم هُجرت تدريجياً بعد ذلك. إلا أن اختفاء المدينة من السجلات التاريخية لا يعني اختفاء سكانها أو تراثها الفكري والثقافي.ففي التاريخ القديم كثيراً ما تسقط المدن وتبقى الشعوب وتنهار الممالك بينما تستمر اللغات والعقائد والعادات في مراكز أخرى أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الجديدة.وتكشف لنا النصوص الأوغاريتية عن مكانة الإله إيل بوصفه الأب الأعلى ورئيس مجمع الآلهة. وتظهر أوصافه باعتباره مصدر الحكمة والأبوة والشرعية الدينية.وعندما ننتقل إلى النقوش الفينيقية اللاحقة نجد أن صورة إيل لم تختفِ بل بقيت جزءاً أساسياً من الموروث الديني الكنعاني وإن اختلفت تفاصيل العبادة بين مدينة وأخرى.ولا يعني ذلك تطابقاً كاملاً بين الديانتين، بل استمراراً لمفهوم ديني مشترك تطور عبر الزمن داخل البيئة الثقافية نفسها.وبعل: سيد المطر والعاصفة إحتل موقعاً مركزياً في النصوص الأوغاريتية فهو إله الخصب والعاصفة والمطر والضامن لدورة الحياة الزراعية.وبعد قرون من سقوط أوغاريت ما زالت النصوص الفينيقية تتحدث عن بعل بألقاب متعددة مثل بعل صور وبعل صيدون وبعل شمين ما يعكس استمراراً واضحاً في الموروث الديني الكنعاني مع تكيفه مع الخصوصيات المحلية لكل مدينة.إن ما تكشفه النصوص حتى هذه المرحلة لا يقودنا إلى الحديث عن “ولادة” الفينيقيين من أوغاريت بل عن استمرار تيار حضاري واحد تغيّرت مراكزه السياسية مع الزمن.فحين سقطت أوغاريت، لم تسقط معها اللغة الكنعانية ولا المعتقدات الأساسية ولا الخبرة البحرية والتجارية التي ميّزت سكان الساحل الشرقي للمتوسط.وفي الجزء الثاني سنتناول الأدلة اللغوية والثقافية التي تجعل من أوغاريت إحدى أهم الحلقات التاريخية التي مهّدت لازدهار العالم الفينيقي.يتبع…

