ظاهرة تهميش افلام البانوراما مقارنة بافلام المسابقات في المهرجانات السينمائية

أفلام “البانوراما” في مهرجان برلين غالباً ما تمرّ على الهامش، مقارنة بالأضواء التي تُسلَّط على أفلام المسابقة الرسمية. وهذه، للأسف، ظاهرة سائدة في التظاهرات السينمائية الكبرى، سواء في برلين أو كانّ أو البندقية. فمع أن أي فيلم من هذا القسم كان يمكن أن ينافس في الأقسام الأخرى، فعالم الفنّ والثقافة، المهووس بالتصنيفات والهرمية، يفرض اصطفافات غريبة، تقف أحياناً على مسافة من جوهر الفنّ نفسه. فالتقسيمات التي تبتكرها إدارات المهرجانات، مصطنعة في الغالب، وتبدو كأقنعة إدارية.في هذا السياق، يبرز “جنّة” للمخرج الكندي جيريمي كونت (من كيبيك)، كواحد من أبرز الأعمال التي تستحق لفتة. ورغم ثراء العمل وأصالته، هناك لحظات قد يصعب على المُشاهد تقبّلها، لكنها، في الحقيقة، تعكس طبيعة الأعمال التي لا تسير وفق نسق واحد متواصل. التجربة التي يقدّمها الفيلم، فيها شيء من البحر الهائج، نصعد مع أمواجه ونغوص في أعماقه، فكلّ ارتفاع وانخفاض يحملان في طياتهما لحظة شعورية.على ذكر البحر، ينطلق الفيلم من أعماقه، كبقعة تختزن الخوف والرعب والظلام، تماماً كالإنسان. في إحدى الليالي، يهرع صياد إلى سفينة مشتعلة في وسط المياه، فيُنقذ قائدها الأميركي ويعيده إلى الشاطئ. هذه الحادثة، التي يرويها الرجل لاحقاً لابنه — الذي سيكون محور الفيلم — تلتصق بذهنه مثل كابوس لا فكاك منه.مهما اختلفت آراؤنا حول الفيلم، ورغم بعض ارتباكاته وهفواته (وهو فيلم أول لا يريد أن يخطئ) يبقى فيه ما يسحر العين. لقطة عامة لغانا وأسواقها الشعبية تكفي لنجد أنفسنا غارقين في عمق التجربة. المسافة التي تعبرها الكاميرا تكشف عن تشابه إنساني مشترك لم نكن لنتوقّعه، إلى جانب تفاصيل تمنح الفيلم دفئاً خاصاً، وتخاطب “مواطن العالم” الذي يسكن داخل كثر منّا. الخطاب ليس جديداً لكنه غاية في الأهمية: كيف يمكن تجربتين مختلفتين أن تتقاطعا؟ خصوصاً عندما تتعلقان بالمراهقة (العمر الذي لطالما اجتذب السينمائيين) والكيفية التي تتفاعل بها هذه المرحلة العمرية التي تُعتبر عالماً كاملاً لها خصوصيتها الفريدة.يصف ملف “جنّة” العمل على هذا النحو: “هذا فيلم عن المسافة، الثقة، الجاذبية الهادئة التي تربطنا”. وهو وصف يليق بعمل إنسانوي يعرف كيف يحوّل الغضب الذي نشعر به في البداية إلى احساس يتلاشى، كلما أمعنّا النظر في الشخصيات. في هذا الإطار، يدعو الفيلم إلى التريث، وامتلاك جميع عناصره قبل إصدار الحكم النهائي، مع أنه لا يسعى للتبرير، بل يمنح المشاهد مساحة تأمّل واستكشاف.الحكاية، التي تمتد بين قارتين، أفريقيا وأميركا، تنسج فضاءً روائياً غير متوقّع، حيث نكتشف من خلاله ما يجمع شابين وُلدا وعاشا في بيئتين متناقضتين، أو كما يصفهما المخرج في مقابلة: “وجهان لعملة واحدة”. شابان في أكثر لحظات حياتهما عرضة للتحوّل، إذ يقفان بين الطفولة وسنّ الرشد. ورغم اختلاف ظروف حياتهما وتجارب العيش والسلوك، يسعى الفيلم إلى استكشاف إمكان التقارب بينهما بعيداً من الفروقات الثقافية. كلاهما يعاني من غياب الأب، ويسعى لاكتشاف ذاته، لكن حلول التعافي واختيار المواجهة تختلف اختلافاً جذرياً. وهنا تكمن قوة الفكرة، برقتها وبساطتها: حقيقة إنسانية واضحة وسط التعقيدات، ومع الالتواءات السردية العديدة التي تسمح بحدوث لقاء لم يكن ممكناً لولا التخلّي المقصود عن الخوف الذي هو أحد أبرز هواجس الفيلم. ذاك الذي يجعل كثيرين يتردّدون عن تجاوز عتبة بيوتهم للذهاب نحو الآخر.يستعرض الفيلم عالماً تلعب فيه التكنولوجيا دوراً مزدوجاً: فهي تقرّب الناس، لكنها في الوقت نفسه تخلق أوهاماً وتحديات. ومع كلّ المشاعر التي يثيرها، من التعاطف إلى الرغبة في الانتقام وتحقيق العدالة، يحدث ما يشبه المعجزة السينمائية: لحظة تأمّل ومراجعة، حيث ننتقل من فيلم عن أخطار التعارف عبر الإنترنت والتنظير في الكولونيالية، لنجد أنفسنا في فيلم يغض الطرف عن الانقسامات، مركّزاً على ما يجمعنا، فينتهي الأمر بمرافعة تنبذ الأحادية في قراءة الآخر. وفي هذا الرفض للأحادية تكمن أهميته الكبرى.#هوفيك حبشيان # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم