ظاهرة الصليب على عملة معاوية: قراءة في المنطق الاقتصادي والسياسي خارج السردية التقليدية.

ظاهرة الصليب على عملة معاوية: قراءة في المنطق الاقتصادي والسياسي خارج السردية التقليديةعندما ننظر إلى المسكوكات الأموية المبكرة بعين الباحث الجريء، نجد أنفسنا أمام إشكالية تثير حيرة كل من يدرس تلك الفترة: كيف لخليفة مسلم أن يسك نقوداً تحمل الصليب، وهو الرمز الأكثر قدسية في المسيحية والذي يتناقض مع جوهر العقيدة الإسلامية التوحيدية؟ الإجابة المباشرة التي تقدمها المصادر العربية التقليدية غير كافية، بل غالباً ما تتجنب المواجهة مع هذه الحقيقة المادية الصلبة. لنتعامل مع القطع الأثرية نفسها كمصدر أولي، ونقرأ ما تقوله لنا بعيداً عن الروايات التي كتبت بعد قرنين من الأحداث.الشاهد المادي: ما تخبرنا به العملات نفسهاالعملات التي سكها معاوية بن أبي سفيان (661-680م) في دار الضرب بحمص (إميسا القديمة) تكشف لنا حقيقة مذهلة: إنها تحمل صورة الإمبراطور البيزنطي هرقل واقفاً بملابس طويلة، مرتدياً تاجاً إمبراطورياً يتوسطه صليب، وفي يده اليمنى صولجان ينتهي بصليب، وفي اليسرى كرة ذهبية تعلوها علامة الصليب أيضاً .لكن التأمل الدقيق يكشف أن المسكوكين الأمويين لم يكونوا مجرد ناسخين. على العملات البيزنطية الأصلية، كانت هذه الصلبان واضحة تماماً. على عملات معاوية، هناك محاولة واضحة لإخفاء هذه العلامات أو طمسها، لكنها بقيت مرئية لمن يدقق النظر . هذه ليست عملات إسلامية بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل هي ما يسميه علماء المسكوكات “الفترة الانتقالية العربية البيزنطية” .الأكثر إثارة للاهتمام هو ما حدث في دمشق. هناك، سك معاوية عملات ذهبية (دنانير) حاول فيها المصممون تحويل الصليب على الدرجات إلى عمود بسيط، وإزالة الصلبان من التيجان. لكن النتيجة كانت أقل نجاحاً. تشير المصادر المعاصرة – وبالتحديد المخطوطات المارونية التي كتبت في ذلك الزمن – إلى أن هذه العملات “لم يتم قبولها لأنه لم يكن عليها صليب” . هذا النص السرياني المعاصر للأحداث هو مفتاح فهم المشكلة برمتها.لماذا الصليب؟ المنطق الاقتصادي الصرفالمجتمع الذي وجد معاوية نفسه يحكمه كان مجتمعاً شرق أوسطياً متعدد الثقافات والأديان، لكن اقتصاده كان يعتمد بشكل كامل على النظام النقدي البيزنطي. لعقود بل قرون، كان الناس في سوريا وفلسطين ومصر يتعاملون بالعملة البيزنطية الذهبية (السوليدوس) والفضية (الهيكساغرام) والنحاسية (الفوليس). هذه العملات لم تكن مجرد وسيلة تبادل، بل كانت مخزناً للقيمة ووحدة للحساب ووسيلة للادخار .عندما سيطر العرب على هذه المناطق، واجهوا معضلة اقتصادية حقيقية: إما أن يستمروا في استخدام العملة البيزنطية كما هي، وإما أن يسكوا عملة جديدة تماماً. الخيار الأول كان يعني استمرار تدفق الذهب والفضة إلى الخزائن البيزنطية، واستمرار صورة الإمبراطور البيزنطي كرمز للسلطة النقدية. الخيار الثاني كان مستحيلاً عملياً، لأنه كان سيتطلب بناء نظام نقدي جديد من الصفر، وإقناع سكان يعتمدون على اقتصاد نقدي معقد بقبول عملة لا يثقون بها.هنا يكمن العبقرية الاقتصادية لمعاوية. هو لم يخترع نظاماً نقدياً جديداً، بل عدل النظام القائم. العملات التي سكها كانت تحمل الوزن نفسه والعيار نفسه والنقش الأساسي نفسه الذي اعتاد عليه الناس. التعديلات كانت رمزية ومحدودة: طمس الصلبان قليلاً، إضافة عبارات عربية قصيرة مثل “بسم الله” أو “طيِّب” .لكن تجربة دمشق أظهرت له شيئاً مهماً: التعديل الجذري على رمز الصليب أدى إلى رفض السوق للعملة. الناس لم يثقوا بعملة لا تحمل العلامات المقدسة التي اعتادوا عليها. العقلية الاقتصادية في القرن السابع لم تكن تميز بين القيمة المعدنية للعملة وقدسية رموزها. الصليب كان جزءاً من ضمان قيمة النقود في الذهنية البيزنطية.المنطق السياسي: الصليب كرمز للسلطة وليس فقط للدينالتحليل الأكاديمي المعاصر يقدم قراءة أكثر تعقيداً. الباحث Günnur Aydoğdu يطرح فكرة مهمة: بالنسبة للمسلمين الأوائل، ربما لم يكن الصليب يُنظر إليه فقط كرمز ديني مسيحي، بل كرمز سياسي للإمبراطورية البيزنطية المنافسة . هذا التمييز دقيق ويحتاج منا لتفكيكه.البيزنطيون لم يكونوا مجرد دولة مسيحية، بل كانوا الإمبراطورية الرومانية المستمرة، والصليب كان شعار الدولة الرسمي. عندما حارب المسلمون البيزنطيين، كانوا يحاربون جيشاً يحمل الصليب على راياته ودروعه. الصليب كان رمز العدو السياسي والعسكري قبل أن يكون رمزاً دينياً.الدليل على صحة هذه القراءة هو ما فعله الأمويون مع العملات الساسانية. عندما سكوا نقوداً في المناطق التي كانت تحت حكم الفرس، استخدموا التصاميم الساسانية نفسها بما فيها مذبح النار الزرادشتي، دون أي تعديل يذكر . لماذا؟ لأن مذبح النار لم يكن رمزاً للإمبراطورية الساسانية المهزومة بنفس الطريقة التي كان فيها الصليب رمزاً للإمبراطورية البيزنطية التي كانت لا تزال قائمة وتشكل تهديداً مستمراً. مذبح النار كان مجرد طقس ديني، أما الصليب فكان شعار الدولة العدوة.الأدلة المعاصرة: ما قاله السريان عن عملة معاويةالمصادر السريانية المعاصرة، التي كتبها مسيحيون يعيشون تحت الحكم الإسلامي، تقدم لنا منظوراً مختلفاً تماماً عما نجده في المصادر العربية اللاحقة. المخطوطات المارونية تذكر صراحة أن معاوية “سك الذهب والفضة، لكن ذلك لم يقبل لأنه لم يكن عليه صليب” .هذا النص هو كنز حقيقي للباحث. فهو يخبرنا بأمرين: أولاً، أن معاوية حاول بالفعل إصدار عملة إسلامية خالية من الصليب. ثانياً، أن محاولته فشلت لأن الناس رفضوها. ثالثاً، أن هذا الفشل دفع إلى التراجع وإصدار عملات تحتفظ بشكل الصليب (ولو بشكل معدل أو مطموس).هذا يفسر التنوع الكبير في العملات المعاوية. هناك عملات طُمس فيها الصليب بالكامل تقريباً، وهناك عملات بقي فيها واضحاً، وهناك عملات في منطقة وسطى. هذا التنوع يعكس عملية تجريب ومحاولة وتراجع، وليس سياسة نقدية موحدة وواضحة.المقارنة مع الإصلاح الأموي المتأخر: لماذا نجح عبد الملك حيث فشل معاوية؟لإدراك خصوصية ظاهرة عملات معاوية، من المفيد مقارنتها بما حدث بعد جيلين. في عهد عبد الملك بن مروان (685-705م)، وبالتحديد بعد عام 697م، تم إصلاح نقدي شامل أدى إلى ظهور عملات إسلامية خالصة تحمل فقط نقوشاً عربية وشهادات إسلامية، بدون أي صور أو رموز صليبية .لماذا نجح عبد الملك حيث فشل معاوية؟ الإجابة تكمن في عاملين:الأول: الوقت. بعد أربعين عاماً من الحكم الأموي، بدأ المجتمع يتعود على فكرة أن السلطة الجديدة مستقرة وقادرة على فرض نظامها النقدي. الاقتصاد لم يعد مرتبطاً عضوياً بالبيزنطيين.الثاني: الصراع مع بيزنطة. في عهد عبد الملك، وصل الصراع مع الإمبراطور جستنيان الثاني إلى ذروته. هناك رواية في تاريخ ثيوفانيس (القرن التاسع) تفيد بأن جستنيان اعترض على استخدام العرب لنقوش إسلامية على عملاتهم، معتبراً ذلك تحدياً للاتفاقيات السابقة . هذا يعني أن الصراع على شكل العملة كان جزءاً من الصراع على السيادة والشرعية الدولية.معاوية لم يكن في هذا الموقف. هو كان لا يزال في مرحلة تأسيس الدولة وتثبيت أقدامها. كان بحاجة لعلاقات تجارية مع الإمبراطورية البيزنطية، وكان بحاجة لقبول عملته في الأسواق المحلية والعالمية. التخلي الكامل عن الصليب كان ترفاً لا يستطيع تحمله.هل كانت العملات معاوية إسلامية؟السؤال الجريء الذي يجب طرحه: هل كان من الممكن أصلاً وجود “عملة إسلامية” في عهد معاوية؟ مفهوم “الإسلامي” كصفة للدولة والمؤسسات لم يكن قد تبلور بعد بالشكل الذي نعرفه. المصادر المبكرة لا تستخدم مصطلح “الدولة الإسلامية” بالمعنى الذي استخدم لاحقاً.ما كان موجوداً هو جماعة المؤمنين (أمة المؤمنين) التي تضم مسلمين ومسيحيين ويهوداً تحت قيادة سياسية واحدة. في هذا السياق، لم يكن من الغريب أن تحمل عملة الخليفة رموزاً مقبولة لدى جميع المؤمنين، بما فيهم المسيحيون الذين كانوا يشكلون غالبية السكان في الشام.النظريات الأكاديمية الحديثة (مدرسة أوبنهايم-أوليج) تذهب إلى أن الهوية الإسلامية المنفصلة تطورت تدريجياً خلال القرن الأول الهجري، ولم تكن مكتملة في زمن معاوية. هذا يفسر لماذا لم ير معاوية تناقضاً كبيراً في استخدام رموز كانت مقبولة في محيطه الثقافي.الخلاصة: المنطق العملي قبل الأيديولوجياالقراءة الموضوعية للأدلة المادية والتاريخية تقودنا إلى استنتاج واضح: قرار معاوية بسك عملات تحمل الصليب (بدرجات متفاوتة من الوضوح والطمس) لم يكن قراراً دينياً ولا أيديولوجياً، بل كان قراراً عملياً اقتصادياً بحتاً.المنطق الذي حكم معاوية كان:،، الاستمرارية النقدية: لا يمكن تغيير النظام النقدي الراسخ فجأة دون انهيار اقتصادي.،، قبول السوق: العملة يجب أن تكون مقبولة من المتعاملين بها، وهؤلاء كانوا معتادين على الصليب كجزء من شكل النقود.،، الاعتبارات السياسية: العلاقة مع بيزنطة كانت تتطلب نوعاً من التوازن، فاستعداء الإمبراطورية بشكل مفتوح عبر شطب رمزها الأساسي كان مغامرة غير محسوبة.،، التدرج في التغيير: معاوية كان يختبر حدود الممكن. طمس الصليب كان محاولة أولى، ولما فشل في دمشق، تراجع قليلاً في حمص.ما نراه على عملات معاوية ليس تناقضاً مع التوجه الإسلامي، بل هو المرحلة الجنينية لذلك التوجه. هو إسلام في طور التكون، لم يجد بعد لغته البصرية الخاصة، فاستعار لغة الآخر وعدلها قليلاً، إلى أن جاء عبد الملك بعد جيلين ليصوغ تلك اللغة بشكل مستقل تماماً.العملات المعاوية هي شهادة مادية على أن بناء الدول لا يبدأ بالأيديولوجيا، بل بالاقتصاد والواقع العملي. الأيديولوجيا تأتي لاحقاً لتضفي الشرعية وتصوغ الذاكرة. أما البدايات فدائماً ما تكون فوضوية، عملية، وأقل نقاءً مما نتمنى .. # المثقفون السوريون # مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم