يظهر المعرض كيف أصبح جسد مونرو نفسه ميداناً سياسياً، خاضعاً لتقاطعات السوق والإيديولوجيا في آنٍ واحد. ففي أميركا ما بعد الحرب، حيث لا تزال التمييزات العرقية والاجتماعية حاضرة بقوة، جرى تقديمها كنموذج “قياسي” للأنوثة: بيضاء، شقراء، ومفرطة في الأنوثة وفق تصوّر هوليوودي صارم. لقد كان هذا النموذج، في جوهره، نتاجاً لماكينة صناعة الوهم، صاغته الإعلانات ورسّخته الثقافة الجماهيرية كصورة المرأة المثالية. غير أن هذا الجسد، الذي صُمِّم ليكون أداة جذب واستهلاك، تحوّل في لحظات معينة إلى مساحة لاستخدام مختلف، أقرب إلى فعل تحدٍّ منه إلى خضوع.تبرز المفارقة التي يضيء المعرض عليها: كلما ازدادت شهرتها، تضاءلت رؤيتها كممثّلة. حتى المخرج والشاعر الإيطالي بيار باولو بازوليني لم ينجُ من هذا الاختزال، إذ تعامل معها من موقعه الماركسي بوصفها “ظاهرة” أكثر من كونها فنّانة، ورأى فيها ضحية بنية اجتماعية لا أكثر، من دون أن يلتقط تعقيدها الداخلي أو الرمز الكامن خلف الأيقونة.عام 1962، تتحوّل وفاتها، بينما كانت تصوّر “لا بد أن يتغير شيء” تحت إدارة جورج كيوكر، إلى مادة خصبة للخيال والتأويل: انتح(…)؟ حادث عرضي؟ مؤامرة؟ غير أن الإجابة، على تعددّها، تبدو أقل أهمية من الحاجة الجماعية إلى نسج الحكايات. فماريلين، منذ تلك اللحظة، ما عادت نجمة كغيرها، وإنما مساحة يسقط عليها الجميع هواجسهم وتصوّراتهم. مع آندي وارهول، أصبحت صورة تُعاد طباعتها وتفريغها من سياقها لتغدو رمزاً خالصاً. ثم توالت عمليات “إعادة التمثيل” عبر أجيال لاحقة: مادونا، بيونسيه، ميشيل وليامز، مارغو روبي… نسخ متعدّدة تحاول استعادة الأثر، لكن الأصل يظلّ عصيّاً على الاستنساخ.ما الذي يكشفه المعرض، في نهاية الجولة؟ ذلك إنه لا يكتفي بسرد سيرة ماريلين، بل يورّطنا فيها، دافعاً إلى مساءلة فعل النظر ذاته: العلاقة الملتبسة بين مَن يرى ومن يُعرَض. ويذكّرنا، ضمناً، بأن النجومية شيء، والتمثيل شيء آخر. الصورة قد تبتلع صاحبها، وتعيد إنتاجه وفق ما تريده أعيننا لا وفق ما كانه حقّاً. هكذا يبقى السؤال معلّقاً: ماذا نرى عندما ننظر إلى ماريلين مونرو؟ أهي حقّاً ما تكشفه الصورة، أم ما تنجح في إخفائه؟
.#هوفيك حبشيان#مجلة ايليت فوتو ارت..


