صناعة التفاهة:
النشأة والآليات التكتيكية للاستهداف المجتمعي –
صناعة التفاهة (صناعة اللامعنى Industry of Banality) هي منظومة اقتصادية-ثقافية-إعلامية معقدة تنتج محتوى فارغاً سطحيًا ومُوجهاً بشكل أساسي للتسلية والاستهلاك السريع، على حساب المحتوى الجاد المتمثل بالعُمق الفكري والقيم النقدية. إنها لا تقدم اللّامفيد فقط وبل تُعادي العمق بفعالية وتعمل على إزالته من الحيز العام وتتمثل خصائصها الرئيسية بالتالي:
١. الاستهلاكية والتكرار: إنتاج كم هائل من المحتوى المتشابه (برامج تلفزيونية واقعية، مقاطع فيروية سطحية، أخبار ترفيهية) الذي لا يضيف أي قيمة فكرية.
٢. تفضيل الشكل على المضمون: التركيز على الصورة، الإثارة والإبهار البصري بدلاً من عمق الفكرة أو دقة المعلومة.
٣. تسطيح الخطاب: تحويل القضايا المعقدة (السياسية، الاجتماعية، الفلسفية) إلى آراء بسيطة أو مشاجرات شخصية أو تريندات عابرة.
٤. تدمير الحدود: تمييع الفوارق بين المثقف والمشاهير، بين الخبرة والرأي العابر، وبين الفن الراقي والترفيه التجاري .
٥. التلهية (التسلية كأفيون الشعوب): تعمل كآلية لتلهية الجمهور عن القضايا الجوهرية والمشاكل الاجتماعية والسياسية الحقيقية.
نشأة صناعة التفاهة (من أين أتت هذه الفكرة؟)
لم تنشأ صناعة التفاهة من فراغ بل هي نتاج طبيعي لتطورات اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية مترابطة بدءا من مدرسة فرانكفورت (The Frankfurt School) والتي حذرت من هذه الظاهرة في منتصف القرن العشرين تحت مسميات أخرى هدفها تحقيق الربح والحفاظ على النظام القائم عن طريق خلق جمهور سلبي ومستهلِك وفق مبدأ الإنسان ذو البعد الواحد (One-Dimensional Man) لماركوزه على اعتبار أن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة تخلق حاجات وهمية وتلبيها مما يقمع أي تفكير نقدي أو ثوري ويختزل الإنسان إلى مجرد مستهلك لا يسأل عن المعنى.
اما عن الجوانب الاجتماعية والسياسية فعملت وفق سياسة التلهية (Diversion) كما ذكر الكاتب نيل بوستمان في كتابه (تسلية أنفسهم حتى الموت Amusing Ourselves to Death) وبين ان الخطر الحقيقي ليس الاستبداد المطلق بل أن نُلهى حتى الموت عن طريق ما نحبه) اذ ان المجتمعات التي تكون مشغولة بالتفاهة أقل احتمالاً للمطالبة بحقوقها أو مساءلة السلطة.
الآلية التكتيكية والتقنيات المستخدمة في صناعة التفاهة
تعتمد صناعة التفاهة على ترسانة من الأدوات والتقنيات المتطورة والمتداخلة التي غالبًا ما يتم تصميمها بهدف رئيسي اجذب الانتباه والاحتفاظ به وتحويله إلى ربح بغض النظر عن القيمة الفعلية للمحتوى . ادناه أهم الأدوات والتقنيات المستخدمة في صناعة التفاهة:
١. أدوات الخوارزميات والمنصات (The Algorithmic Engine): وتعتبر لمحرك الأساسي والأكثر فاعلية في عصرنا الرقمي وكما يلي :
خوارزميات التوصية (Recommendation Algorithms): (مثل تلك المستخدمة في يوتيوب، تيك توك، إنستغرام، نيتفليكس)
آلية العمل: مصممة لتعظيم وقت المشاهدة والتفاعل(Engagement). للمحتوى المثير للجدل والسطحي أو العاطفي (مقاطع الصدمة، الفضائح، الإشاعات) يحقق هذه الأهداف أفضل من المحتوى المتوازن والعميق.
- التأثير: خلق دوامات تفاهة Filter Bubbles) حيث يُغرق المستخدم في تيار لا ينتهي من المحتوى المتشابه والسريع الاستهلاك.
مقاييس التفاعل (Engagement Metrics): (الإعجابات، المشاركات، التعليقات، المشاهدات)
- آلية العمل:تحول النجاح إلى أرقام مجردة. لا يهم إذا كان التعليق إيجابياً أم سلبياً المهم هو وجود تفاعل. هذا يشجع على نشر محتوى مثير للغضب أو الاستفزاز لأنه يحقق تفاعلاً عاليا
- التأثير: يجعل الڤيرال (الفيروسي) هو الهدف الأسمى وليس الجودة أو الدقة.
الإعلان المستند إلى البيانات (Data-Driven Advertising):
- آلية العمل:النظام الاقتصادي للمنصات قائم على بيع انتباه المستخدم للمعلنين. كلما زاد وقتك على المنصة زادت البيانات التي تجمعها عنك وزادت قيمة مساحة الإعلان.
- التأثير: المحتوى الذي يطيل وقتك على المنصة (حتى لو كان تافهاً) هو المحتوى المفضل من قبل النظام، لأنه ببساطة مربح أكثر.
٢. أدوات صناعة المحتوى والتلاعب بالانتباه
التلغيم العاطفي (Emotional Mining):
- آلية العمل: استخدام عناوين وصور مصممة لإثارة فضول قوي أو صدمة أو غضب فوري (Clickbait)
- التأثير: يجذب النقرات على حساب مصداقية أو عمق المادة
الإفراط في التبسيط (Over-Simplification):
- آلية العمل:تحويل قضايا معقدة (أزمة سياسية، مشكلة علمية) إلى مقاطع قصيرة وشعارات جذابة أو صراعات شخصية. يتم تجريد المشكلة من سياقها وتعقيدها.
- التأثير: يخلق وعياً زائفاً ووهم الفهم دون بذل الجهد الفكري لفهم الجذور الحقيقية.
ثقافة الـ Meme والاستهلاك السريع:
- آلية العمل:تحويل الأخبار والأحداث الجادة إلى ميمات مضحكة أو ساخرة. بينما يمكن للميم أن يكون شكلاً من أشكال النقد، إلا أنه غالباً ما يحول المأساة إلى نكتة ويمنع التفكير الجاد فيها.
- التأثير: الاستهلاك السريع والنسخ واللصق للمحتوى دون تحليل مما يؤدي إلى تداول المعلومات بشكل مبتذل.
الإنتاج المتسارع والكمي (Rapid & Mass Production):
- آلية العمل:ضخ كميات هائلة من الحلقات التلفزيونية ومقاطع الفيديو، والمقالات يومياً لملء الفراغ وإشباع نهم الجمهور الدائم للمحتوى الجديد.
- التأثير: الكم يطغى على الكيف. لا وقت للتحقق من الحقائق، التحرير الدقيق، أو التفكير الإبداعي العميق.
٣. أدوات اقتصادية واستهلاكية
اقتصاد الشهرة (The Attention Economy):
- آلية العمل: أصبحت الشهرة بحد ذاتها سلعة قابلة للتحويل إلى أموال (through الإعلانات، الرعايات، المنتجات). لا يهم كيف تحصل على هذه الشهرة (موهبة، فضحية، سلوك غريب).
- التأثير: يحفز الأفراد على خلق محتوى صادم أو تافه فقط لكسب المشاهدات والمتابعين، بغض النظر عن القيمة المضافة.
البرامج الواقعية (Reality TV) والمسابقات التلفزيونية:
- آلية العمل: تعتمد على تصعيد الصراعات الشخصية، الدراما المصطنعة، والإبهار السطحي. تُقدم نموذجاً ناجحاً اقتصادياً لمحتوى رخيص التكلفة (مقارنةً بالدراما أو الأفلام الوثائقية) ويجذب جمهوراً كبيراً.
- التأثير: تطبيع التفاهة والدراما كشكل من أشكال الترفيه السائد، وخلق (مشاهير) بدون موهبة واضحة.
٤. أدوات نفسية واجتماعية
التلقين والتطبيع (Normalization):
-كيف يعمل: التكرار المستمر يتم تقديم المحتوى التافه على أنه (طبيعي) يصبح العمق والجدية شيئاً مملًا أو نخبوياً .
- التأثير: يفقد الجمهور تدريجياً ذوقه وقدرته على التمييز النقدي، ويصبح راضياً عن الوجبات الفكرية السريعة.
التلهية (Distraction):
- كيف تعمل: إغراق الفضاء الإعلامي بأخبار المشاهير الفضائح والمواضيع التافهة لصرف انتباه الرأي العام عن القضايا المهمة (الفساد، الأزمات الاقتصادية، القضايا الاجتماعية).
- التأثير: كما قال الكاتب نيل بوستمان، الخطر ليس في أننا سنُحكم علينا بكتاب مثل 1984 لجورج أورويل، بل بأننا (نسلي أنفسنا حتى الموت) .
توظيف صناعة التفاهة كسلاح في تحطيم المجتمعات واستهداف الأنظمة السياسية
هذا هو الجانب الاستراتيجي والخطير لصناعة التفاهة حيث تتحول من ظاهرة ثقافية واقتصادية إلى سلاح فعال في الحرب الحديثة غير المتماثلة (Asymmetric Warfare) والحرب الهجينة (Hybrid Warfare). إن توظيف صناعة التفاهة كسلاح يعتمد على تحويل أدواتها من مجرد أدوات لجذب الانتباه والربح إلى أدوات لتآكل النسيج المجتمعي وإضعاف الدول من الداخل. يتم ذلك عبر الاستراتيجيات التالية:
١. التلهية الاستراتيجية (Strategic Distraction)
- الهدف: صرف انتباه الجمهور والشباب بشكل خاص عن القضايا الجوهرية (مشاكل اقتصادية، فساد، قمع سياسي) وإشغالهم بقضايا هامشية وتافهة.
- كيف يتم: صناعة أزمات وهمية عبر تضخيم فضائح المشاهير أو خلق جدالات ثقافية سطحية (مثل ما يرتديه فنان، أو علاقة عابرة لمشهور) لتكون موضوع الساعة وتبث على جميع المنصات على أنها (أخبار عاجلة) . اضافة إلى إشغال الحيز الإعلامي بإغراق وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بمحتوى تافه يستهلك وقت وطاقة الجمهور، فلا يتبقى وقت للبحث أو القراءة أو المطالبة بالحقوق .
- النتيجة: شعب مُلَهَّى غير قادر على التركيز على أولوياته، مما يسهل على الأنظمة الفاسدة أو القمعية الاستمرار دون مساءلة حقيقية.
٢. تسطيح الخطاب العام وتفكيك المعرفة
- الهدف: تدمير قدرة المجتمع على النقاش الجاد والمعقد، واستبداله بصراعات هوويات سطحية.
- كيف يتم: تحويل السياسة إلى صراعات شخصية عبر تقديم الحياة السياسية ليس كصراع أفكار أو برامج، بل كمسلسل من الفضائح الشخصية والشتائم والمواقف المثيرة للجدل (غالباً خارج السياق). إضافة إلى تفكيك اللغة عن طريق تشجيع استخدام لغة مبتذلة، مختصرة مليئة بالشعارات الفارغة (Sloganeering) التي تثير العاطفة ولكنها تخلو من أي مضمون فكري. هذا يجعل النقاش العميق مستحيلاً.
- النتيجة: مجتمع غير قادر على الحوار البناء، منقسم على نفسه حول قضايا سطحية، وعاجز عن تكوين رؤية مشتركة للمستقبل.
٣. استهداف التماسك الاجتماعي والقيم
- الهدف: تقويض الثقة بين أفراد المجتمع وبينهم وبين مؤسسات الدولة.
- كيف يتم: تضخيم النزعات الفردية والاستهلاكية: ترسيخ قيم النجاح السريع-الثروة السهلة-الشهرة كأهداف حياتية عليا، على حساب قيم التضامن المجتمعي والتعليم والعمل الجاد. إضافة إلى نشر السلبية والعجز بواسطة التكرار المستمر لأخبار سلبية ومحبطة (حتى لو كانت تافهة) مع عدم تقديم أي حلول، يُشعر المواطن بأنه عاجز ولا فائدة من المحاولة أو المشاركة المجتمعية.
- النتيجة: مجتمع مُذرَر، يفقد شعوره بالهوية المشتركة والثقة المتبادلة، مما يجعله أسهل للتحكم والسيطرة.
٤. الحرب النفسية والهجينة (كسلاح خارجي)
لا تُستخدم هذه الأدوات فقط من قبل أنظمة ضد شعوبها، بل يمكن لدول معادية أن تستخدمها كسلاف ضد دول أخرى.
- الهدف: إضعاف الدولة المستهدفة من الداخل دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
- كيف يتم: الزراعة العضوية للغباء (Weaponized Incompetence) قد تدعم جهات معادية عن قصد نشر المحتوى التافه والسخيف في مجتمع الخصم لخفض مستوى الذكاء الجمعي (Collective Intelligence) وجعل المجتمع أقل قدرة على الابتكار والمنافسة.
- تعميق الانقسامات: استخدام الخوارزميات المستهدفة لتغذية المجموعات المختلفة داخل المجتمع المضيف بمحتوى يثير غضبها من بعضها البعض (على أسس سياسية، عرقية، دينية)، مما يؤدي إلى حالة من الفوضى والاستقطاب.
- تقويض الإرادة الوطنية:إقناع الشباب عبر منصات الترفيه أن وطنهم فاشل ولا أمل فيه، وأن الحل الوحيد هو الهروب منه (هجرة العقول) أو الانكفاء على الذات واللامبالاة.
- النتيجة: دولة مُضعفة من الداخل، منقسمة وشعبها مشغول بصراعاته التافهة مما يجعلها غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية الحقيقية.
الفئات العمرية الأكثر تأثرا بصناع التفاهة واليات استقطابهم
صناعة التفاهة لا تستهدف كل الفئات العمرية بنفس الكثافة أو بنفس الآليات. هناك فئات أكثر عرضة وتأثراً بسبب عوامل نفسية واجتماعية وتقنية محددة.
الفئات العمرية الأكثر تأثراً
١. المراهقون والشباب (من 13 إلى 25 سنة) – الفئة الأكثر استهدافاً وتأثراً بحكم أنهم في
- مرحلة تكوين الهوية ويمرون بمرحلة حاسمة في البحث عن الذات والهوية، ويبحثون عن نماذج يحتذون بها وقبول اجتماعي. صناعة التفاهة تقدم لهم نماذج (نجاح سريع وشهرة) تبدو جذابة وسهلة التحقيق.
- الحاجة للتعلق بالمجموعة: الرغبة في الانتماء إلى مجموعة الأقران ومواكبة أحدث صيحاتها تجعلهم مستهلكين نشطين للمحتوى الڤيرالي والسريع ليكونوا (دائماً في الصورة)
- التطور الدماغي: القشرة الأمامية الجبهية (مسؤولة عن اتخاذ القرارات والتخطيط والتحكم في الدوافع) لم تكتمل نموها fully بعد مما قد يجعلهم أكثر اندفاعية وأقل قدرة على تقييم العواقب طويلة المدى للمحتوى الذي يستهلكونه.
- الوقت والطاقة: هم الأكثر استخداماً وتأقلماً مع المنصات الرقمية التي تشكل البيئة الأساسية لصناعة التفاهة.
٢. فئة الشباب البالغين (من 26 إلى 35 سنة)
- الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: ضغوط العمل، تكوين أسرة، والسعي لتحقيق الذات تجعلهم أحياناً يلجؤون إلى المحتوى التافه كهروب أو وسيلة للاسترخاء الذهني بدون بذل مجهود.
- الاستهلاك الثانوي: حتى لو كانوا ناقدين فهم غارقون في الفضاء الرقمي الذي تفرضه عليهم مهنهم وحياتهم الاجتماعية، مما يعرضهم بشكل مستمر لمخرجات هذه الصناعة.
- صناعة القرار: هم فئة نشطة اقتصادياً ومؤثرة في السوق لذا يتم استهدافهم بالإعلانات والمنتجات التي تروج لها منصات التفاهة.
٣. الأطفال (ما دون 12 سنة) – الفئة الأكثر ضعفاً
-انعدام النضج النقدي: لا يملكون الآليات العقلية الكافية لتمييز المحتوى المسيء أو التافه أو التمييز بين الإعلان والمحتوى الحقيقي.
- التعرض المبكر: يولدون في بيئة محاطة بالشاشات والمنصات، مما يجعل المحتوى التافه جزءاً طبيعياً من تربيتهم وتكوينهم الثقافي.
- استغلال فضولهم: يتم تصميم المحتوى الموجه لهم (مقاطع unboxing الألعاب تحديات خطيرة، رسوم متحركة سريعة الإيقاع) لاستغلال فضولهم الطبيعي وجذب انتباههم بأي ثمن.
آليات استقطابهم وكيف يتم جذب الفئات اعلاه.، ؟
تعتمد صناعة التفاهة على مجموعة من الآليات النفسية والتقنية المدروسة لاستقطاب هذه الفئات وهي :
١. استغلال الحاجات النفسية الأساسية
- الحاجة إلى الانتماء (Belonging): تخلق المنصات مجتمعات (Community) حول مشاهد برنامج تلفزيوني أو مغني أو تيك توكر ، عدم متابعة المحتوى يشعر الفرد بأنه منعزل أو غير مواكب .
- الحاجة إلى التقدير (Validation): نظام الإعجابات (Likes) والمشاركات والمتابعين يوفر جرعة سريعة من الدوبامين والشعور بالتقدير مما يخلق إدماناً على التفاعل ويجعل المستخدم منتجاً مجانياً للمحتوى.
- الحاجة إلى الهوية (Identity): يتبنى الشباب المنصات والمشاهير كجزء من هويتهم الشخصية .
٢. آلية خلية النحل: يتم تصميم المحتوى ليكون سهل الهضم مثل السكر الفكري عبر مقاطع قصيرة (Short-form): كتيك توك وريلز، والتي تدرب العقل على فترات انتباه قصيرة (Short Attention Span) وتجعله يقاوم المحتوى الطويل والعميق. والتكرار والإيقاع السريع باستخدام موسيقى مألوفة مقاطع سريعة التقطيع وتأثيرات بصرية لامعة لجذب الانتباه والحفاظ عليه.
٣. التلاعب بالخوارزميات والتوصيات
- خوارزميات الفقاعة (Filter Bubbles): بمجرد أن يظهر المستخدم اهتماماً طفيفاً بموضوع تافه تقوم الخوارزمية بإغراقه بمحتوى مشابه، مما يخلق واقعاً موازياً يعتقد فيه أن هذا المحتوى هو (الرائج والمهم) الوحيد.
- استغلال فضول المراهقين: تروج الخوارزميات للمحتوى الاستفزازي أو (التحويلي- مثل نظريات المؤامرة المبسطة) الذي يبدو مثيراً وممنوعاً، مما يجعله جذاباً بشكل خاص للمراهقين الرافضين للسلطة التقليدية.
٤. تقديم نماذج نجاح مزيفة
- أسطورة النجاح بين عشية وضحاها حيث تروج المنصات لقصص أشخاص أصبحوا مشاهير وأثرياء من خلال مقطع فيديو واحد مما يخلق توقعات غير واقعية ويقلل من قيمة الجهد الطويل والتعلم العميق.
- الاستعراض المادي (Conspicuous Consumption): حيث يظهر المؤثرون حياة الرفاهية والبذخ التي يعيشونها مما يغري الشباب بالسعي لتحقيق هذا النمط من النجاح السطحي.
٥. الاستهداف الإعلاني الدقيق
ويتم عبر :
- جمع البيانات: تقوم المنصات بجمع كميات هائلة من البيانات عن المستخدمين (اهتماماتهم، مخاوفهم، دوافعهم).
-استغلال نقاط الضعف: يتم استخدام هذه البيانات لتوجيه إعلانات ومحتوى مصمم خصيصاً لاستغلال نقاط الضعف النفسية لكل فئة عمرية. إعلان للمراهق عن منتج لجعله مقبولاً اجتماعياً وإعلان للشاب البالغ عن وسيلة (هروب سريعة) من ضغوطه.
تأثير صناعة التفاهة على صنّاع القرار وتطبيق القانون
تأثير صناعة التفاهة على صانعي القرار وتطبيق القانون هو تأثير خبيث وطويل المدى ولا يقل خطورة عن تأثيرها المباشر على الجمهور. إنه لا يشلهم فحسب بل يعيد تشكيل أولوياتهم وطريقة عملهم بشكل يخدم أهداف هذه الصناعة ويضعف الدولة. ادناه سنبين ذلك :
أولاً: تأثيرها على صانعي القرار (السياسيين، الحكوميين، المشرعين) : وكما يلي :
١. تسطيح الأجندة السياسية (The Flattening of the Political Agenda)
- الآلية: يتم اختطاف النقاش العام بواسطة قضايا هامشية أو أزمات” تافهة يتم تضخيمها إعلامياً (فضيحة أخلاقية لمشهور او جدال على مواقع التواصل حول موضوع غير جوهري).
- التأثير: يُجبر صانعو القرار على الرد على هذه الأزمات الوهمية والتفاعل معها تحت ضغط الرأي العام المُلهى، مما يستهلك وقتهم وطاقتهم ويصرف انتباههم عن القضايا الاستراتيجية الحقيقية (كالتخطيط الاقتصادي، الصحة العامة، التعليم، البنية التحتية).
٢. تحويل السياسة إلى مسرح (Politics as Spectacle) - الآلية: تصبح الشعبوية والتأثير الإعلامي معياراً للنجاس السياسي بدلاً من الكفاءة والحنكة. يُقيم الأداء السياسي بناءً على عدد الظهور الإعلامي ومهارة صناعة المناسبات والتريندات وليس بناءً على الإنجازات الفعلية.
- التأثير: يتحول صانع القرار إلى مشهور مما يجعله يهتم أكثر بصوره وبتغريداته على تويتر أكثر من اهتمامه بجدوى القرارات التي يتخذها. القرارات ذات العواقب طويلة المدى (التي قد لا تكون شعبية فوراً) يتم تجنبها لصالح قرارات سريعة تهدف إلى كسب رضا آني.
٣. استبدال التحليل بالعاطفة (Replacing Analysis with Emotion) - الآلية: يصبح رد الفعل العاطفي السريع لجمهور مواقع التواصل هو المحرك للقرارات، بدلاً من الدراسات والتقارير والخبرة.
- التأثير: يتم اتخاذ قرارات انعكاسية (Knee-jerk reactions) لتهدئة غضب الجمهور المؤقت دون دراسة العواقب. مثلاً، قد يتم إصدار قانون أو قرار تحت ضغط هاشتاغ دون قراءة مدى فعاليته أو مشروعيته.
٤. تآكل السلطة الرمزية لصانع القرار - الآلية: في فضاء التفاهة يتم تسوية كل شيء. يفقد صانع القرار هيبته ومصداقيته عندما يُعرض في وسائل الإعلام على قدم المساواة مع أي (إنفلونسر) أو صاحب رأي عابر.
- التأثير: يصبح من الصعب على صانع القرار قيادة الرأي العام في الأزمات الحقيقية أو طلب الثقة لتطبيق سياسات صعبة لأن الجمهور لم يعد يرى فرقاً بينه وبين أي صوت آخر في الضجيج اليومي.
ثانياً: تأثيرها على تطبيق القانون وجهاز القضاء
١. تشويه صورة العدالة وتحويلها إلى ترفيه (True Crime as Entertainment)
- الآلية: يتم تحويل القضايا الجنائية الجادة إلى محتوى ترفيهي (مسلسلات، بودكاست، مقاطع تحليل على اليوتيوب) ويتم التركيز على الجوانب الدرامية والصادمة والغريبة للجريمة، مع إهمال التعقيدات القانونية والإجراءات القضائية المملة ولكن الأساسية.
- التأثير: ضغوط على القضاء: قد يطالب الرأي العام الذي تأثر بهذه الصورة الترفيهية، بأحكام قاسية أو سريعة لا تتوافق مع سيادة القانون وإجراءاته. ومحاكمة إعلامية: يتم محاكمة المتهمين في وسائل الإعلام قبل المحاكمة الفعلية، مما يهدد مبدأ (افتراض البراءة) ويصعب على القضاة إجراء محاكمة عادلة.
٢. إرباك أولويات جهاز الشرطة (Policing Priorities) - الآلية: يتم تضخيم جرائم أو حوادث معينة لأنها غريبة أو مثيرة إعلامياً، بينما يتم تجاهل جرائم أخرى أكثر انتشاراً وخطورة (مثل الفساد المالي أو الجرائم الإلكترونية المعقدة) لأنها أقل إثارة.
- التأثير: تتحول موارد الشرطة المحدودة للتعامل مع القضايا التي أثارها الضجيج الإعلامي، على حساب القضايا الأكثر أهمية لاستقرار المجتمع وأمنه.
٣. تقويض ثقة الجمهور في جهاز العدالة - الآلية: العرض المستمر للقضاء والشرطة في صورة تافهة (كمصدر للفكاهة، أو كجهة فاشلة وبطيئة في المسلسلات) أو التركيز فقط على حالات الفساد النادرة فيها، يخلق صورة نمطية سلبية.
- التأثير: فقدان الثقة في مؤسسات العدالة. عندما لا يثق المواطن في الشرطة أو القضاء، يلجأ إلى أساليب أخرى كالانتقام لتحقيق العدالة مما يؤدي إلى انهيار النظام القانوني برمته.
٤. استنزاف الموارد في ملاحقة تفاهات قانونية - الآلية: يخلق الفضاء الإعلامي التافه نوعاً جديداً من الجرائم أو الشكاوى، مثل ملاحقة أشخاص بسبب (إهانة) على فيسبوك أو خلافات على إنستغرام.
- التأثير: يتم إهدار وقت وموارد أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم في التحقيق والفصل في آلاف القضايا التافهة الناتجة عن نزاعات وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تنتظر القضايا الكبرى دورها.
الدول الرائدة في مجال صناعة التفاهة واستهداف المجتمعات
يمكن تقسيم الريادة في صناعة التفاهة إلى عدة مستويات كما يلي :
١. المركز العالمي: الولايات المتحدة الأمريكية (الهيمنة الناعمة للتفاهة): وتعتبر رقم واحد لا ينازع في تصدير نموذج صناعة التفاهة على مستوى العالم، وذلك للأسباب التالية:
- الهيمنة الثقافية (Soft Power): هوليوود، صناعة الموسيقى، البرامج التلفزيونية الواقعية (Reality TV)، والبودكاست. هذه الصناعات تنتج محتوى ترفيهياً عالي الجودة من الناحية الإنتاجية، ولكنها في كثير من الأحيان تروج لنمط استهلاكي سطحي، وتركيز مفرط على الشهرة والثروة الفردية (ثقافة المشاهير).
- المنصات التكنولوجية العملاقة: مقرات أكبر منصات التواصل الاجتماعي التي تشكل البنية التحتية لصناعة التفاهة موجودة في الولايات المتحدة:
· Meta (فيسبوك، إنستغرام)
· YouTube (جوجل)
· X
هذه الشركات هي المهندس الرئيسي للخوارزميات ونماذج الأعمال التي تكافئ التفاهة والاستقطاب لأنها تحقق أعلى تفاعل. - نموذج النجاح الأمريكي اذ يتم تسويق فكرة أن النجاح هو ثروة مادية وظهران في الإعلام، مما يخلق قدوة ونموذجاً يحاول العالم تقليده.
٢. المنافس القوي والمختلف: الصين (التفاهة كأداة للسيطرة الداخلية والخارجية) : الصين تتبع نموذجاً مختلفاً ولكها فعال جداً، خاصة عبر تطبيق TikTok (دويين في الصين):
- الاستخدام الداخلي (السيطرة): داخل الصين، تستخدم الحكومة خوارزميات منصاتها (مثل Douyin) بشكل فعال للغاية للتلهية والرقابة. يتم تشجيع المحتوى الترفيهي، التافه، والألعاب لشغل وقت الشباب وصرف انتباههم عن القضايا السياسية الحساسة. إنها (صناعة تفاهة موجهة) من قبل الدولة.
- التأثير الخارجي (القوة الناعمة): تطبيق TikTok العالمي، برغم خضوعه لقوانين مختلفة خارج الصين، إلا أنه لا يزال يعمل بنفس النموذج القائم على الخوارزميات التي تدفع المحتوى الإدماني السريع بغض النظر عن جودته. هذا يجعلها أداة قوية للنفوذ الثقافي وتشكيل الرأي العام العالمي، خاصة بين الشباب.
- تصدير النموذج: الصين تصدر نموذجها في (المراقبة والتلهية) إلى دول أخرى عبر تقنياتها ومنصاتها، مما يساهم في نشر هذه الآليات globally.
٣. المراكز الإقليمية المؤثرة (مصدرة للنموذج في محيطها) : الدول الخليجية (خاصة السعودية والإمارات):
- الاستثمار المالي الضخم: تمتلك دول الخليج رأس المال الذي يستثمر بشكل كبير في شراء منصات النفوذ الثقافي العالمية. شراء استوديوهات هوليوودية (مثل استثمارات السعودية في Disney وNetflix عبر صندوق PIF)، وتمويل المؤثرين (Influencers) على مستوى العالم، وإنشاء مشاريع ترفيهية ضخمة.
- التحول الاقتصادي: كجزء من خطط (رؤية 2030) وغيرها حيث تتبنى هذه الدول نموذجاً اقتصادياً قائماً على الاستثمار في قطاع الترفيه والسياحة، مما ينتج عنه بالضرورة كم كبير من المحتوى الترفيهي الذي قد يغلب عليه الطابع الاستهلاكي السطحي.
- الهدف: تنويع الاقتصاد وبناء قوة ناعمة إقليمية وعالمية، ولكن الآلية المستخدمة (الترفيه كسلعة) تساهم في انتشار نموذج صناعة التفاهة.
- كوريا الجنوبية: رغم أن الصناعة الكورية (الـ K-Culture) تنتج محتوى ذا جودة عالية، إلا أن جانباً منها (مثل ثقافة (الآيدولز) والتركيز المفرط على الصورة والمظهر) يساهم في نشر نموذج للاستهلاكية والشهرة السريعة.
- الهند (بوليود): تشتهر بكميتها الهائلة من الإنتاج السينمائي الذي يركز على عناصر الترفيه الهروبي (الأغاني، الرقص، الدراما) والذي يتم تصديره إلى مليارات المشاهدين في جنوب آسيا والعالم.
الضحية المشتركة هي المجتمعات في كل مكان، بما في ذلك المجتمعات داخل هذه الدول نفسها. فالشباب الأمريكي ليس بمنأى عن تأثير TikTok الخاص بهم، والشباب الصيني ليس بمنأى عن قيود Douyin. الهدف النهائي للنموذج، بغض النظر عن مصدره، هو تحويل الإنسان إلى مستهلك سلبي، سواء كان مستهلكاً لمنتجات، أفكار، أو أنماط حياة، مما يسهل التحكم فيه وإدارته اقتصادياً وسياسياً.
المصادر المستخدمة في إعداد المقال open source:
- مدرسة فرانكفورت (The Frankfurt School): الإنسان ذو البعد الواحد (One-Dimensional Man) لـ هربرت ماركوزه.
- كتاب جدلية التنوير – صناعة الثقافة Dialectic of Enlightenment) لـ ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر
-تحليلات فريدريك جيمسون (Fredric Jameson) حول ثقافة ما بعد الحداثة واستهلاك الصور. - تسلية أنفسنا حتى الموت (Amusing Ourselves to Death) لـ نيل بوستمان (Neil Postman) – وهو مرجع أساسي في نقد تحول الإعلام إلى ترفيه.
- ثقافة التفاهة (La Culture du Nouveau Monde) لـ برنار ستيكلي (Bernard Stiegler) – يربط بين الاقتصاد الاهتمام وسيطرة التفاهة.
- دراسة اقتصاد الاهتمام: كيف يؤثر الإنترنت على عقولنا – ماثيو كروفورد (Matthew B. Crawford).
- كتاب “The Filter Bubble: How the New Personalized Web Is Changing What We Read and How We Think” لـ إلي باريسير (Eli Pariser).
- دراسة شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) حول رأسمالية المراقبة وكيفية استغلال البيانات للتلاعب السلوكي.
- كتاب مصيدة التفاهة: كيف نعيش دون أن نفكر (La Médiocratie) لـ ألان دونو (Alain Deneault)
- تحليلات نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) حول تصنيع الموافقة (Manufacturing Consent) ودور الإعلام في توجيه الرأي العام.
- تقرير معهد أكسفورد لأبحاث الإنترنت(Oxford Internet Institute) حول استخدام الروبوتات والتزييف العميق في التلاعب بالانتخابات.
- تقرير راند كوربوريشن (RAND Corporation) حول الحرب غير المتماثلة واستخدام المعلومات كسلاح .


