صدى لا يخفت..تحدي أفلاطون لمفهوم الرجولة… – بقلم: يانسي هيوز دومينيك- ترجمة: رمزي ناري.

تحدي أفلاطون لمفهوم الرجولة… صدى لا يخفت

يانسي هيوز دومينيك/ ترجمة: رمزي ناري 
حتى في اليونان القديمة تساءل أفلاطون عمّا إذا كانت معاييرالنوع الاجتماعي المرتبطة بالرجولة نافعة فعلًا لحرية الرجل الفردية.
يلتقي سقراط وهو في طريقه إلى «اللّيسيوم» (مجمّع التدريس الرياضيّ-الفلسفي)، بصبيين مراهقَين تغمرهما الروح التنافسيّة، يتسكّعان في صالة تمارين المصارعة. وما إن يصل إليهما حتى يبدأ بطرح الأسئلة من النوع الذي يقلب كل شيء رأسًا على عقب؛ أسئلة قد تبدو سخيفة أو بلا جدوى، لكنها غالبًا ما تنفذ إلى الجذور العميقة لرؤى الناس. يطرح سقراط على أحد الشابين، ليسيس (الذي سُمِّي الحوار باسمه)، سؤالًا مستغربًا: هل تسمح له أمّه بأن يعبث بصوفها ونولها أثناء انشغالها بالحياكة؟ يضحك ليسيس على الفور، ويجيب بأنّ أمّه لا تكتفي بمنعه عن ذلك فحسب، بل ستضربه إن حاول الاقتراب منهما.
لماذا يضحك ليسيس؟ أحد الأسباب أنّ الحياكة في أثينا القديمة نشاط أنثوي خالص، حتى إن عالمة الكلاسيكيّات روبي بلونديل وصفته بأنه «النشاط المميّز للنساء في المخيال اليوناني». فبينلوبي تحيك في «الأوديسة» لهوميروس، والعنكبوت «أراكني» تتحدّى الإلهة أثينا في مسابقة حياكة قبل أن تتحوّل إلى عنكبوت؛ فالنساء بشريّات كنّ أم إلهيّات، يُصوّرن باستمرار في الأدب والفنّ اليوناني وهُنّ يغزلن ويحكن. لذا، فإن سؤال سقراط لشابّ على أعتاب الرجولة عمّا إذا كانت أمّه تسمح له باللعب بأدواتٍ أنثوية خالصة كالصوف والمغازل لا يمكن إلا أن يُثير ضحكة ساخرة.
لكن هذه اللحظة العابرة تحمل دلالة عميقة. فهل نستطيع التعلّم والتساؤل وإعادة التفكير في القوالب الجندرية من خلال أفلاطون؟ على الرغم من أنّ هذا الفيلسوف عاش قبل آلاف السنين في ثقافةٍ تختلف جذريًا عن ثقافتنا، فإن كثيرًا من نصوصه يدعونا إلى إعادة تخيّل الأدوار الجندرية بطرق ما زالت تجد صداها إلى اليوم.
إن الحياكة، بخلاف قيادة العربة الحربية، أمر يستحيل على رجل أثيني فعله. وبالطبع، فإن سقراط (وأعني الشخصية التي يقدّمها أفلاطون في محاوراته، لا «سقراط الحقيقي» الغائب عن متناولنا) مشهورٌ بطرح أمور غريبة أو تبدو سخيفة، ولذلك لا ينبغي أن نفاجأ بسؤاله لليسيس. لكن المدهش هنا هو الطريقة العفوية التي يتحدّى فيها سقراط الأعراف الجندرية السائدة. فهو لا يبدو مهتمًا بالصوف أو الحياكة بحدّ ذاتها، بل يريد أن يدفع ليسيس وصديقه إلى «البحث الفلسفي». فسؤاله عن الحياكة يُذكّر الشابين – ونحن أيضًا – بأنّ الرهان كبير، وأن الحياة الفلسفية الحقيقية هي تلك التي تنقلب فيها الأعراف التقليدية، بما فيها الأعراف الجندرية.
في نهاية المطاف، يضع نص «ليسيس» أمامنا تحدّيًا لإعادة التفكير في ما قد تطلبه الرجولة ممّن يعرّفون أنفسهم كرجال. وربما يكشف ذلك أفلاطون بوصفه «نسويًا مبكرًا»، كما يرى بعض الباحثين. وفي الواقع، لا يوجد في الفكر اليوناني القديم نصّ آخر يقترب مما يقترب إليه أفلاطون من الأسئلة النسوية. ومع ذلك، فإن مقدار التحيّز ضد النساء في أعماله لا يسمح لنا بسهولة باعتباره نسويًا حقيقيًا. وكأي سؤال عظيم، ينبغي أيضًا أن يبقى سؤال «نسوية أفلاطون» سؤالًا مفتوحًا. ومع ذلك، فهو يتحدّى مفاهيم الرجولة لأن الفلسفة عنده تقوم على التحرّر – والتحرّر لا يتحقّق إلا إذا تخلّصنا من أحكامنا المسبقة، بما فيها أحكامنا عن الجندر والأدوار.
يصعب تخيّل مكانٍ أكثر تقييدًا للأدوار الجندرية من أثينا القديمة. فقد كانت النساء يعشن في أقسام منفصلة داخل البيوت، ويُتوقّع منهنّ البقاء في عزلة، ولا يملكن حقّ التصرّف بالملكية، ولا التحدّث أمام القضاء، ويلتزمن بالحجاب عند الخروج. وكلّ ذلك ينطبق على النساء الحرائر فقط – أمّا المسترقّات فكنّ في وضع أشدّ قسوة. وقد ذهب بيركليس، الخطيب والقائد الشهير خلال الحرب البيلوبونيزية، إلى القول إنّ المرأة التي تبلغ أعلى درجات المكانة هي تلك التي لا تُرى ولا تُسمع.
والرجال بدورهم كانوا محكومين بتوقعات صارمة لما يُعدّ سلوكًا «رجوليًا مقبولًا». أمّا من يُظَنّ أنهم خرجوا عن هذه الحدود فكانوا موضع سخرية. ففي مسرحية «ثيسموفوريازوساي» لأريستوفانيس، يسخر المؤلف بلا رحمة من الشاعر أغاثون، ويمطره بالنكات بسبب مظهره «الأنثوي»، بدءًا من دخوله المسرح بملابس نسائية. وبطبيعة الحال، كان صبيّ مثل ليسيس يضحك بصوت عالٍ عندما يُسأل عمّا إذا كانت أمّه ستسمح له بالعبث بأدوات الحياكة الخاصة بها.
ورغم أن السؤال عن الحياكة هو المثال الأوضح لتحدّي الأعراف الجندرية في الحوار، فإنه ليس المثال الوحيد. فليسيس وصديقه مينيكسينوس يبدوان مهووسين بالتنافس، حتى يصل الأمر بهما إلى الجدال الغريب حول «مَن منهما الأكبر سنًا». كان التنافس سلوكًا ذكوريًا ممدوحًا ومتوقعًا في أثينا، بل إنّ مهرجان«هيرمس» – الذي كان قائمًا أثناء حوار سقراط معهما – كان احتفالًا بالتنافس، بما في ذلك مسابقات لاختيار أجمل الأجساد الذكورية. غير أنّ سقراط، بتساؤله عن هذا الهوس التنافسي الشامل، يذكّر الشابين بالمثل القائل: «إنّ الأصدقاء يشتركون في كل شيء»، ويحثّهما على الدخول في نقاش تعاونيّ بدل التنافس. وبذلك، فهو يقوّض أحد أعمدة الرجولة.
وسقراط نفسه يمثّل تحديًا حيًا للقوالب الذكورية السائدة. فالرجل الأثيني كان يُتوقّع منه السعي نحو الشرف والمال والنشاط السياسي، بينما سقراط يرفض ويُنتقد كل ذلك. كما يساعد ليسيس على أن يرى أنّ قيمة الحياة الحقيقية تُستقى من الحكمة، لا من المال أو السلطة.
ولا يقوم تقدير سقراط لذاته على رأي الآخرين فيه، ويبدو أنّ هذا ما يريد تعليمه لليسيس أيضًا. فبدلًا من اعتقاد الشاب أنّ والديه يثبتان حبّهما بالسماح له بقيادة العربات أو اللعب بأدوات الحياكة، ينبغي أن يدرك أنّ قيمته تنبع من ذاته، لا من آراء الغرباء أو حتى المقرّبين. وما يمنح ليسيس قيمته هو قدرته على تجاوز الأعراف الاجتماعية والبحث عن المعنى؛ أي قدرته على اختيار الحياة الفلسفية بحرّية.
وإذا كانت هذه التحديات الدقيقة للأعراف الجندرية تساعدنا على فهم حوار «ليسيس»، فإن نصوصًا أخرى لأفلاطون تقدّم تحدّيات أشدّ وضوحًا. ففي «المأدبة»، يخبر سقراط أصحابه أنه تعلّم كل ما يعرفه على يد امرأة حكيمة تُدعى ديوتيما، ثم يشرح أن الفلسفة هي «حمل» و«ولادة» للأفكار. وفي محاورة «ثياتيتوس»، يصف سقراط عمله بأنه نوع من «التوليد»، لكنّه، بخلاف القابلات الإناث، يمارس هذا التوليد مع الرجال، مساعدًا إياهم على «ولادة» أفكارهم. وفي ثقافة شديدة الذكورية، من اللافت أن يستخدم سقراط هذه الصورة الأنثوية مرارًا ليصف عمله.
والأكثر لفتًا للنظر أنّ سقراط يجادل في «الجمهورية» بأنه ينبغي للنساء في المدينة الفاضلة أن يقمن بكل الأعمال التي يعدّها الأثينيّون أعمالًا ذكورية، بما في ذلك الخدمة العسكرية والفلسفة والقيادة. وهو لا يطرح هذا انطلاقًا من رغبة في تحرير النساء، بل من رغبة في تحقيق أقصى كفاءة في إدارة المدينة؛ إذ لا ينبغي للمرأة الموهوبة في الحرب أن تبقى حبيسة منزلها تغزل وتحيك. وعلى الرغم من أنه ليس فيلسوفًا «نسويًا»، فإن سقراط يطمح إلى عالم يتحرّر من الأعراف السائدة، بما في ذلك الأعراف الجندرية، متخيّلًا رجولة تستوعب فضائل تُعدّ «نسوية».
إنّ فكرة التحرّر من الأعراف تفتح الباب على مفهوم جوهري في فكر أفلاطون: الحرّية. فمع أنّه يدعونا إلى إعادة التفكير في الرجولة وتجاوز الصور النمطية للجنسين، إلا أنّ الهدف النهائي ليس إلغاء الأدوار الجندرية أو بناء نموذج «غير سام» للرجولة – رغم أنّنا قد نتمنى ذلك. الهدف أعمق: التحرّر، تحرّر لا يتحقّق إلا عبر الانخراط العميق في الفلسفة. وليس مستغربًا أن يكون الهدف صعبًا؛ فإحدى العبارات اليونانية المفضّلة لدى أفلاطون هي: «χαλεπὰ τὰ καλά»، أي: الأشياء الجميلة صعبة.
المقالة مترجمة عن موقع: Psyche.co
كاتب ومترجم عراقي

======***********======
– المصادر:
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم