صانعة الكآبة .. بين الأسباب والتعامل والعلاج

بقلم د.نادي شلقامي

يُعد “النكد” أحد أكثر المصطلحات تداولاً وإثارة للجدل في العلاقات الزوجية والأسرية، وغالباً ما يُلصق بالمرأة كصفة ملازمة، محولاً الحياة المشتركة إلى مصدر دائم للتوتر والاستياء. لكن هل “المرأة النكدية” صفة فطرية أم نمط سلوكي مكتسب؟ وهل هي مجرد شكوى عابرة أم عرض لحالات نفسية واجتماعية أعمق؟

يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل دقيق ومفصل لشخصية المرأة التي تميل إلى نشر الأجواء السلبية وافتعال المشكلات، وذلك بتعريفها وتحديد أبرز سماتها. وسنتعمق في دراسة الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك، سواء كانت نفسية، سلوكية، أو اجتماعية، مع التركيز على المراحل المختلفة في حياة المرأة قبل وبعد الزواج. كما سيوضح التقرير علامات اكتشاف هذه الشخصية، مقدماً في النهاية حلولاً عملية وفعالة للتعامل معها ومعالجتها سلوكياً ونفسياً، مع تناول التساؤل الشائع حول مدى اختلاف المرأة العربية، وتحديداً المصرية، في هذا السياق.

أولا… تعريف المرأة النكدية وسماتها الأساسية

التعريف:

المرأة النكدية هي شخصية تميل إلى افتعال المشكلات والتذمر المستمر ونشر أجواء الكآبة والاستياء في محيطها.

هذه الشخصية قلما تجدها على حالة من الارتياح، وتقضي وقتها في التركيز على السلبيات والتدقيق على أدق التفاصيل.

أبرز السمات:

1- الاستياء وعدم الرضا الدائم: الشعور بعدم القناعة بأي شيء مهما كان إيجابياً.

2- الإفراط في الشكوى والانتقاد واللوم: وهي الصفات الثلاثة التي تشكل خلاصة النكد.

3- تقلب المزاج والغضب السريع: الانفعال الشديد وغير المبرر من صغائر الأمور.

4- الحساسية الشديدة: التدقيق الزائد وتفسير تصرفات الآخرين (خاصة الزوج) بشكل سلبي.

5- هوس السيطرة والندية: محاولة فرض الرأي وأخذ دور قيادي بشكل دائم، والدخول في منافسة غير صحية مع الشريك.

6- التعبير السلبي عن الضيق: إما بالصمت والعزلة المفاجئة أو بالمطالبات والأوامر المستمرة.

ثانيا…. أسباب النكد قبل وبعد الزواج:

(نفسياً وسلوكياً واجتماعياً)

أ. أسباب النكد قبل الزواج (فترة الخطوبة وما قبلها):
” نفسياً وسلوكياً”

1- سوء التربية: نشأة في بيئة تفتقر إلى الدفء العائلي والتعبير العاطفي، مما يولد الحاجة إلى الاهتمام بطريقة سلبية.

2-الخوف من المجهول: القلق بشأن تحمل المسؤوليات الجديدة والانتقال إلى حياة مختلفة.

3- التوقعات المثالية: وجود صور خيالية للزواج تختلف عن الواقع، مما يسبب صدمة وإحباطاً مبكراً.

” اجتماعياً”:

1- قصر فترة التعارف: عدم إتاحة الوقت الكافي لاكتشاف الطباع الحقيقية قبل الزواج.

2- الضغوط المادية: القلق بشأن تكاليف الزفاف والقدرة على توفير احتياجات المستقبل.

3- ضغوط الأهل والمجتمع: الخوف من عدم رضا الأهل أو الفشل في تحقيق توقعاتهم.

ب. أسباب النكد بعد الزواج:

” نفسياً وسلوكياً” :

1- نقص الدعم العاطفي: عدم شعور الزوجة بالحب أو الاهتمام أو التقدير من شريكها، مما يدفعها لطلب الاهتمام بطريقة سلبية (النكد).

2- التقلبات الهرمونية: التغيرات الفسيولوجية المصاحبة للدورة الشهرية، أو الحمل، أو مرحلة سن اليأس (مرحلية وطبيعية).

3- اكتئاب ما بعد الزواج: حالة نفسية تصيب الزوجة نتيجة صدمة الواقع والمسؤوليات الكبيرة.

4- مشاكل في العلاقة الحميمة: عدم الرضا أو وجود مشكلات تؤثر سلباً على التقارب العاطفي والنفسي.

” اجتماعياً” :

1- تراكم المسؤوليات: زيادة الأعباء المشتركة (عمل، تربية، منزل) مع غياب تقاسم الأدوار.

2- المقارنات الاجتماعية: عقد مقارنات مستمرة مع نساء أخريات وحياتهن، مما يولد الشعور بالنقص لدى الزوجة والعجز لدى الزوج.

3- غياب الحوار البنّاء: جعل المشاكل تتراكم دون مواجهة أو توضيح أو اعتذار.

ثالثا…. كيف تكتشف أنها إمرأة “نكدية”؟

يمكن اكتشاف هذه الصفة عبر ملاحظة الأنماط السلوكية المتكررة:

1- المبالغة في ردود الفعل: تحويل أبسط الأحداث إلى أزمة أو كارثة تتطلب الغضب والصراخ.

2- تخزين المشاكل: عدم حل الخلافات أولاً بأول، بل الاحتفاظ بها واستخدامها “كأوراق ضغط” في خلافات لاحقة.

3- سيطرة جو التشاؤم: نادراً ما تبدو متفائلة، ودائماً ما تجد الجانب السلبي أو الأسود في أي موقف.

4-الاستهلاك العاطفي: استنزاف طاقة الطرف الآخر نفسياً بسبب كثرة اللوم والجدال غير المجدي.

5- التعبير غير الواضح عن الاحتياج: عندما تكون بحاجة لشيء (اهتمام، مساعدة) لا تطلبه مباشرة، بل تعبر عنه بالغضب أو الصمت العقابي.

رابعا… التعامل معها ومعالجتها ..

(سلوكياً، طبياً، واجتماعياً)

يتطلب التعامل مع هذا النمط السلوكي مزيجاً من التفهم والدعم والاستراتيجيات الواضحة.

أ. التعامل السلوكي والاجتماعي:

1- الاحتواء والتفهم: منحها مساحة شخصية عند الغضب، وتجنب الندية والدخول في جدال لا طائل منه.

2- التعبير عن الحب والتقدير: إشباع حاجتها العاطفية وإظهار الاهتمام لتشعر بالأمان، لأن النكد غالباً دافعه عاطفي.

3- الحوار الهادئ والاتفاق على الحدود: مناقشة المشاكل بهدوء وفوراً دون تأجيل، والاتفاق على عدم رفع الصوت أو استخدام الألفاظ الجارحة.

4- تقاسم الأعباء: مساعدة الزوج في المهام المنزلية ومسؤوليات الأبناء لتخفيف الضغط الواقع عليها.

5- تشجيع التنفيس الإيجابي: حثها على ممارسة هوايات أو أنشطة اجتماعية أو رياضية لتفريغ طاقتها السلبية.

ب. العلاج الطبي والنفسي:

1- الاستشارة النفسية الزوجية: إذا استمر النكد وتسبب في تدهور العلاقة، يجب اللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار أسري.

2- دور المعالج: يكمن في اكتشاف الجذور النفسية (اكتئاب، قلق، سمات شخصية سلبية) وتوفير أدوات للتواصل الصحي.

3- الاستشارة الطبية: في حال الاشتباه بوجود اكتئاب سريري أو اضطرابات هرمونية، يجب استشارة الطبيب المختص لتقديم العلاج المناسب.

4- تدريب على مهارات التواصل: تعليم المرأة كيفية طلب احتياجاتها والتعبير عن غضبها وإحباطها بطريقة سليمة وإيجابية بدلاً من الهجوم.

خامسا…. هل المرأة المصرية تختلف عن باقي نساء العرب والأجانب؟

1- النكد ليس صفة جغرافية: النكد كظاهرة سلوكية موجود لدى النساء والرجال في جميع الثقافات، وهو مرتبط بالضغوط النفسية والاجتماعية أكثر من كونه سمة وراثية أو خاصة بجنسية معينة.

2- الصورة النمطية المصرية: هناك صورة نمطية ثقافية قوية في مصر وبعض الدول العربية تصف المرأة المصرية بـ “ملكة النكد” أو أنها “صانعة النكد”.

3- تفسير الظاهرة: يرى الخبراء النفسيون أن المرأة المصرية (كغيرها من النساء) تتعرض لضغوط مضاعفة قد تكون أعلى في بعض الأحيان (ضغوط اقتصادية، مسؤولية مضاعفة بين العمل والمنزل، تزايد الأعباء الاجتماعية).

4- التنفيس كبديل: يعتبر البعض أن ميل المرأة المصرية للحكي والتذمر (ما يُفهم على أنه “نكد”) هو في الحقيقة آلية دفاع وتنفيس عن الضغط العصبي والمشاعر السلبية.

في الختام، يتضح أن ظاهرة “المرأة النكدية” ليست مجرد مزاج سيئ عابر، بل هي منظومة معقدة من السلوكيات التي غالباً ما تكون صيحة استغاثة أو طريقة غير صحية للتعبير عن الضغوط النفسية والاجتماعية، مثل الشعور بالإهمال، أو نقص الدعم، أو عدم الرضا. النكد ليس قدراً لا مفر منه، بل هو في كثير من الأحيان نتاج لسوء تواصل وتراكم للمشكلات وعدم إشباع للاحتياجات العاطفية الأساسية.

إن مواجهة هذا التحدي تتطلب من الطرفين الوعي والتفهم والتحلي بالصبر، واعتماد استراتيجيات سليمة في الحوار وتقاسم المسؤوليات. العلاج يكمن في تحويل دائرة اللوم والانتقاد إلى دائرة من الاحتواء والتعبير الإيجابي البنّاء. وعندما تنجح الشراكة الزوجية في توفير الأمان والدعم النفسي، يزول النكد تدريجياً، ليحل محله التفاهم والسكينة، مؤكدين أن السعادة الزوجية هي مسؤولية مشتركة وليست حكراً على طرف دون الآخر.


المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم