شهادات دكتوراة الغيبيات والوهم

دكاترة الظلام : عندما تتحول الشهادات الوهمية إلى منصات إعلامية في زمنٍ يختلط فيه الحابل بالنابل، وتُباع الوهميات في عبواتٍ ذهبية، يطلُّ علينا من شاشات التلفاز أطباءٌ لأمراض لا يعرفونها، وعلماءٌ في علومٍ لم يخترعها إلا خيالهم الجامح. هؤلاء الذين يحملون شهادات “دكتوراه” في تخصصاتٍ غامضة، كـ”الميتافيزيقا” من جامعات وهمية، أو في “علوم الطاقة البشرية” التي لا يعترف بها أي مختبر علمي في العالم.شهادات من ورق.. وجيوب من ذهبالقصة تبدأ بادعاء باطل وتنتهي بثروة طائلة. لنأخذ مثالاً صارخاً كاشفاً: المدعو (( فلان الفلاني )) ، الذي أشاع أنه “دكتور” وحاصل على درجة في “علم الميتافيزيقا” من “جامعة الميتافيزيقيا” في لوس أنجلوس. التحقيق البسيط كشف أن هذه “الجامعة” ما هي إلا شركة تجارية مسجلة بنطاق “com” وليس “edu”، ومدرجة في قوائم المؤسسات التعليمية غير المعترف بها في الولايات المتحدة.الأكثر سخرية أن ويكيبيديا الإنجليزية حذفت صفحته بسبب “نقصٍ شديدٍ في المصادر الموثوقة”. ولكن، في عالمنا العربي، حوّل هذا الرجل نفسه إلى “خبير تنمية بشرية” يملك مراكز عدة، وجمع ثروة من برامج تدريبية وبيع “علوم” مسروقة أدبياً، حيث نُسبت إليه اقتباسات هي في الحقيقة للكاتب الأمريكي مارك توين.ما الفرق بين العلم الحقيقي ودكّانة “العلوم الغيبية”؟لنفرق بين الضباب والدخان:· العلم التجريبي الحقيقي: يقوم على الملاحظة الدقيقة، والتجربة القابلة للاختبار والتكرار، والاستنتاج المبني على بيانات موثقة. هو منهج يطرح سؤالاً، ويضع فرضية، ثم يختبرها في المختبر أو الواقع. إذا تطابقت النتائج مع الفرضية، تتقدم المعرفة خطوة. إذا اختلفت، تُرفض الفرضية ويبدأ البحث من جديد. هذا هو منهج الطب والفيزياء والكيمياء.· العلوم الغيبية أو “الشعوذة الأكاديمية”: تبدأ بالخلاصة أولاً، ثم تبحث عن تأويلات تثبتها. هي عبارة عن “نسق مغلق” لا يقبل التكذيب أو التفنيد، وهو المعيار الأساسي الذي وضعه الفيلسوف كارل بوبر لتمييز العلم عن اللاعلم. ادعاءات مثل “قوة الطاقة البشرية” أو “ديناميكية التكيف العصبي” لا يمكن إخضاعها لتجربة قابلة للقياس أو إثبات خطئها، وبالتالي فهي خارج نطاق العلم.باختصار، العلم يقول: “هذه نتائج تجربتي، هل يمكنك اختبارها؟” بينما يقول دجال العلوم الغيبية: “هذه هي الحقيقة الغامضة التي أكتشفها أنا، وإما أن تصدقها أو تظل جاهلاً”.الإعلام: القناة الملكية لتوسيع رقعة الجهلهنا يكمن قلب المأساة والكارثة. كيف يتحول هؤلاء إلى “خبراء” يُستضافون في برامج رئيسية لمناقشة قضايا اجتماعية ونفسية معقدة؟… تغذية الجهل الجمعي: يسجل تقرير عن الحالة العلمية في الشرق الأوسط ،، مثلاً، غياب العلماء والمتخصصين الحقيقيين عن السجال الإعلامي حول القضايا الشائكة، تاركين الساحة فارغة لأصوات أخرى. يخلق هذا فراغاً يملىء بسرعة من قبل “الدكاترة” الجدد الذين يجيدون الكلام المبهرج والوعود البراقة…. الاستغلال العاطفي: مجتمعاتنا تعيش، كما يصفها بعض الباحثين، مزيجاً من “الارتباط بالموروث الشعبي الجاهلي والإرث اللاشعوري”. هناك حاجة روحية وعاطفية عميقة يتم استغلالها بتقديم إجابات سهلة وسحرية لمشكلات حياتية صعبة، بدلاً من الحلول العقلانية البطيئة…. شرعنة الوهم: مجرد الظهور على الشاشة يمنح هالة مصطنعة من المصداقية. المشاهد البسيط لا يفرق بين دكتور في الفيزياء من “إم آي تي” ودكتور في “العلوم الإنسانية الغيبية” من جامعة ورقية. الشاشة تجمعهما في بوتقة واحدة هي “الدكتور”، وهي لقب يحمل قداسة اجتماعية في اللاوعي الجمعي.خاتمة: الحاجة إلى يقظة مجتمعيةالنتيجة هي ترسيخ لهرم جديد للجهل، يقف على قمته هؤلاء “شيوخ الاستنساخ الفكري” و”سحرة العصر الحديث”. هم لا يبيعون منتجاً مادياً فحسب، بل يبيعون أسطورة الخلاص السريع، ويستبدلون منهج الشك والنقد العلمي بثقافة التسليم والإعجاب الأعمى.مواجهة هذه الظاهرة تتطلب:· يقظة إعلامية: باختيار ضيوف مؤهلين حقيقياً، والتحقق من شهاداتهم كما نتحقق من أخبار الحوادث.· تحرُّك أكاديمي: بأن تعلن الجامعات والمعاهد الرصينة عن التخصصات المعترف بها، وتحذر من المزيف منها.· تثقيف مجتمعي: بنشر منهج التفكير النقدي، وتعريف الناس بأسس المنهج العلمي البسيطة: الملاحظة، التجربة، الاستنتاج.لن يزول هؤلاء إلا عندما نستعيد تقديسنا للحقيقة، لا للألقاب، وللعلم، لا للعلماء الدجالين. عندما ندرك أن أشد أنواع الجهل خطراً هو تلك الهرطقات المُغلفة بشهادات التقديس … prophetic PHD … ،،# المثقفون تلسوريون # مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم