شهاب الدين السهروردي الصوفي الاشراقي، الذي سكن حلب.

في سنة خمسمائة وتسع وسبعين هجري ( عام 1183 م منذ حوالي 850 سنة ) قدم إلى حلب الشيخ الصوفي الاشراقي شهاب الدين السهروردي
ونزل في مدرسة الحلاوية (جانب الجامع الكبير) ،
فلما حضر شهاب الدين السهروردي الدرس وبحث مع الفقهاء
وكان لابس: دلق ( جلابية بقماش خشن) وهو مجرد بإبريق، وعكاز خشب ، وما كان أحد يعرفه ،
فلما بحث وتميز بين الفقهاء، وعلم افتخار الدين (كبير فقهاء حلب حينذاك) أنه فاضل أخرج له ثوبا عتابيا وغلالة وبقيارا ( ملابس فاخرة)
وقال لولده : تروح إلى هذا الفقير وتقول له : والدي يسلّم عليك ويقول لك : أنت رجل فقيه وتحضر الدرس بين الفقهاء ، وقد سير لك شيئا تكون تلبسه إذا حضرت ،
فلما وصل إلى الشيخ شهاب الدين وقال له ما أوصاه
سكت ساعة وقال : يا ولدي حط هذا القماش وتفضل اقض لي حاجة ،
وأخرج له فص بلخش في قدر بيضة الدجاجة رمّاني ( جوهرة حمراء اللون كبيرة الحجم) ما ملك أحد مثله في قده ولونه
وقال : تروح إلى السوق تنادي على هذا الفص ، ومهما جاب لا تطلق بيعه حتى تعرفني.
فلما وصل به إلى السوق قعد عند العريف ( رئيس السوق) ونادى على الفص ، فانتهى ثمنه إلى مبلغ خمسة وعشرين ألف درهم ( وهو مبلغ طائل)،
فأخذه العريف وطلع إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين وهو يومئذ صاحب حلب (ملك حلب)
وقال : هذا الفص قد جاب هذا الثمن ، فأعجب الملك الظاهر قده ولونه وحسنه فبلغه إلى ثلاثين ألف درهم ( أي طلب الملك شراءه وزاد في السعر)،
فقال العريف : حتى أنزل إلى ابن افتخار الدين وأقول له.
وأخذ الفص ونزل إلى السوق وأعطاه له وقال له : رح شاور والدك على هذا الثمن.
واعتقد العريف أن الفص لافتخار الدين ، فلما جاء إلى شهاب الدين السهروردي وعرفه بالذي جاب الفص صعب عليه
وأخذ الفص وجعله على حجر وضربه بحجر آخر حتى فتته ، ( حطم الجوهرة الى فتات)
وقال لولد افتخار الدين : خذ يا ولدي هذه الثياب ورح إلى والدك قبّل يده عني وقل له :
لو أردنا الملبوس ما غلبنا عنه ، ( لواردنا التباهي باللباس الفاخر فهو أمر هين علينا)
فراح إلى افتخار الدين وعرّفه صورة ما جرى ، فبقي حائرا في قضيته.
وأما الملك الظاهر فإنه طلب العريف وقال : أريد الفص ،
فقال : يا مولانا أخذه صاحبه ابن الشريف افتخار الدين مدرس الحلاوية ،
فركب السلطان ونزل إلى المدرسة وقعد في الإيوان وطلب افتخار الدين إليه وقال :
أريد الفص ،
فعرّفه أنه لشخص فقير نازل عنده ،
قال : فأفكر السلطان ثم قال :
يا افتخار الدين ، إن صدق حدسي فهذا شهاب الدين السهروردي.
ثم قام السلطان واجتمع بشهاب الدين ( السهروردي) وأخذه معه إلى القلعة وصار له شأن عظيم
وبحث مع الفقهاء في سائر المذاهب وعجّزهم ، ( ناقش فقهاء حلب فغلبهم)
واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدرا منهم ،
فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل. ( شكوه لصلاح الدين بعدما رحلوا اليه وهو يحاصر عكا و ابلغوه ان حلب ستثور عليه ان لم يصدر امرا لابنه الملك الظاهر في حلب بقتل السهروردي)
يقول : كان الشيخ شهاب السهروردي رث البزة لا يلتفت إلى ما يلبسه ولا له احتفال بأمور الدنيا ، قال :
وكنت أنا وإياه نتمشى في جامع ميّافارقين وهو لابس جبة قصيرة مصرية زرقاء وعلى رأسه فوطة مفتولة وفي رجليه زربول ، ( هو وصف لثياب فقيرة)
ورآني صديق لي فأتى إلى جانبي وقال :
ما جئت تماشي إلا هذه الخربندا؟
فقلت له : اسكت ، هذا سيّد الوقت شهاب الدين السهروردي ،
فتعاظم قولي وتعجب ومضى.
ومن شعره المشهور في مناجاة الذات الالهية قوله :
أبدا تحن إليكم الأرواح
ووصالكم ريحانها والراح

وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم
وإلى لذيذ لقاكم ترتاح

وارحمة للعاشقين تكلفوا
ستر المحبة والهوى فضّاح

بالسرّ إن باحوا تباح دماؤهم
وكذا دماء العاشقين تباح

وإذا هم كتموا تحدّث عنهم
عند الوشاة المدمع السفّاح

وبدت شواهد للسقام عليهم
فيها لمشكل أمرهم إيضاح

خفضوا الجناح لكم وليس عليهم
للصب في خفض الجناح جناح

فإلى لقاكم نفسه مرتاحة
وإلى رضاكم طرفه طمّاح

عودوا بنور الوصل من غسق الجفا
فالهجر ليل والوصال صباح

صافاهم فصفوا له فقلوبهم
في نورها المشكاة والمصباح

وتمتعوا فالوقت طاب بقربكم
راق الشراب ورقّت الأقداح

مترنحا وهو الغزال الشارد
وبخده الصهباء والتفاح

وبثغره الشهد الشهيّ وقد بدا
في أحسن الياقوت منه أفاح

يا صاح ليس على المحب ملامة
إن لاح في أفق الوصال صباح

لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى
كتمانه فنمى الغرام فباحوا

سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها
لما دروا أن السماح رباح

ودعاهم داعي الحقائق دعوة
فغدوا بها مستأنسين وراحوا

ركبوا على سنن الوفا ودموعهم
بحر وشدّة شوقهم ملّاح

والله ما طلبوا الوقوف ببابه
حتى دعوا وأتاهم المفتاح

لا يطربون لغير ذكر حبيبهم
أبدا فكل زمانهم أفراح

حضروا وقد غابت شواهد ذاتهم
فتهتكوا لما رأوه وصاحوا

أفناهم عنهم وقد كشفت لهم
حجب البقا فتلاشت الأرواح

فتشبهوا في أن تكونوا مثلهم
إن التشبه بالكرام فلاح

قم يا نديم إلى المدام فهاتها
في كاسها قد دارت الأقداح

من كرم إكرام بدنّ ديانة
لا خمرة قد داسها الفلّاح
كان ذلك في دولة الملك الظاهر ( غازي) صاحب حلب ابن السلطان صلاح الدين رحمه‌الله ، فحبسه ثم خنقه بإشارة والده السلطان صلاح الدين ،وكان الظاهر غازي في 19 من عمره
وكان ذلك في خامس رجب سنة سبع وثمانين ( عام 1191م أي بعد حوالى ثمان سنوات من وصوله حلب)
مات بقلعة حلب وعمره ثمان وثلاثون سنة. ( مات السهروردي ولم يبلغ الاربعين)
ودفن خارج اسوار المدينة على طرف الخندق جهة بوابة القصب ، ثم بنى له لاحقا مريدوه قبرا حجريا صغيرا عليه بعض الابيات الجميلة .
ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأهانهم وأخذ منهم أموالا عظيمة.
أزيل الضريح عند توسعة شارع الخندق عند بوابة القصب مطلع القرن العشرين

الصورة المرفقة لضريح السهروردي المتواضع قبل ازالته

المرجع : إعلام النبلاء للطباخ#علاء السيد#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم