شمس التبريزي الذي اضاء الشعلة في روح مولانا الرومي،ثم غاب.

الرجل الذي أشعل الرومي ثم اختفى في الظلام

“شمس التبريزي” ● البداية: لقاء لم يدم سنتين غيّر تاريخ الشعر الإنسانيعام 1244 ميلادي. قونية في الأناضول.رجل في الخمسين يرتدي ملابس سوداء رثة يصل إلى مدينة يجهلها. لا أتباع معه. لا مال. لا سمعة في هذه المدينة. متجول من تبريز يُقال إنه أمضى سنوات في شوارع دمشق وحلب وبغداد يبحث عن شيء ما.يلتقي برجل على النقيض تماماً: جلال الدين الرومي. عالم مُبجَّل. فقيه مشهور ورث مكانة أبيه. أستاذ يُحيط به تلاميذ ومريدون. رجل جاهز الإجابات.يجلسان.ولا أحد يعرف بالضبط ماذا قالا لبعضهما في تلك الجلسة الأولى.لكن ما نعرفه هو أن الرومي بعد أشهر قليلة ترك كل شيء. ترك تلاميذه والدروس والمنبر. وصار يجلس مع شمس المتجول ساعات وأياماً. يتكلمان ويسكتان وربما يبكيان.وبعد ثلاث سنوات اختفى شمس.وأنتج الرومي في الباقي من عمره أكثر من ثمانية وأربعين ألف بيت شعري أسماها “ديوان شمس التبريزي.”كل هذا الشعر في غياب رجل لا نعرف اسمه الكامل بدقة ولم يترك كتاباً واحداً موقعاً بيده.● من هو شمس؟ ما نعرفه وما لا نعرفههنا المعضلة الحقيقية.شمس الدين محمد بن علي بن ملك داد التبريزي. هذا الاسم الكامل يُذكر في مصادر متفرقة. وُلد في تبريز في شمال غرب إيران في النصف الثاني من القرن الثاني عشر ميلادي. تاريخ ميلاده غير محدد. ولا يوجد لسيرته وثيقة تاريخية أولية مكتوبة في حياته.كل ما نعرفه جاء من مصادر لاحقة بعشرات السنين، وأهمها كتاب “مناقب العارفين” لشمس الدين الأفلاكي، كُتب بعد قرن تقريباً من أحداثه.والمصدر الوحيد الذي قد يكون فيه صوت شمس مباشراً هو “مقالات شمس التبريزي”، وهي مجموعة حوارات ومواعظ سجّلها تلاميذ استمعوا إليه. لكن حتى هذا المصدر غُيِّر ونُقل عبر أيدٍ متعددة.إذن نحن نتحدث عن شخصية يكاد تاريخها كله مبني على شعر شخص آخر وكتابات كُتبت بعد وفاته.هذا الغموض ليس عيباً في البحث. هو طبيعة شمس نفسه.● تبريز: المدينة التي صنعت الثائرلفهم شمس لا بد من فهم تبريز.تبريز في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلادي كانت مفترق طرق بكل المعاني. جغرافياً: بين إيران وآسيا الوسطى والأناضول والقوقاز. ثقافياً: تلتقي فيها الفارسية والتركية والعربية واليونانية. دينياً: مزيج من السني والشيعي والإسماعيلي مع أقليات مسيحية وديانات أخرى.هذا التعدد لم يكن مريحاً. كان يعني صراعاً مستمراً بين هويات متنافسة. وشاب نما في هذه البيئة يتعلم تلقائياً أن لا “حقيقة واحدة” يحتكرها طرف واحد.ثم جاء المغول. عام 1220 اجتاح جنكيز خان المنطقة وهدم مدناً كانت مراكز حضارة. بخارى. سمرقند. وغيرهما. الثقافة الإسلامية في صدمة وجودية. المؤسسات الدينية تنهار. والناس يبحثون عن معنى في ركام الكارثة.في هذا المناخ نما وعي شمس. شاب يرى المؤسسات تسقط فيُشكّك في قيمة الانتماء لها. يرى العلماء يفرون أو يتعاونون مع الغزاة فيُشكّك في صدق التدين المؤسسي. ويبحث عن شيء أعمق من الشريعة وأكثر حقيقة من الطقوس.● السؤال الذي كسر الروميكثير من الروايات تُحيط بلحظة اللقاء الأولى بين شمس والرومي. بعضها مُبالغ فيه وبعضها يبدو أسطورياً. لكن جوهر ما تقوله هذه الروايات متسق: شمس سأل الرومي سؤالاً أربكه.الرومي العالم الفقيه لم يكن مستعداً لهذا السؤال. ويُقال إنه أُغمي عليه.هذا السؤال ليس سؤالاً عن الفقه. هو سؤال عن نوعين من المعرفة: معرفة تتراكم وتحتفظ بذاتها، ومعرفة تتسع حتى تذوب فيها الذات.وهذا الفرق هو ما كان يُريد شمس أن يُعلّمه للرومي.● ما علّمه شمس: التدمير كطريق للبناءشمس في مقالاته لا يُقدّم نظرية. لا يُؤسّس مذهباً. لا يُنشئ سلسلة طقوس.يُحطّم.ما اراده شمس كان ما يُسمّيه “احتراق الذات.” فكرة أن الروح لا تصل إلى الله بالتراكم بل بالتفريغ. ليس بأن تملأ رأسك بعلم أكثر بل بأن تُفرّغ ما اعتقدته علماً لتكون خالياً كافياً لأن تصل.وبالنسبة للرومي، كان هذا التعليم تدميراً للهوية التي بناها طوال حياته كعالم مُبجَّل.● علاقتهما: ما الذي كانت عليه فعلاً؟هذا هو السؤال الذي أزعج الكثيرين في عصرهم وأزعج كثيرين بعدهم.الرومي أمضى ساعات وأياماً مع شمس. ترك تلاميذه يشعرون بالإهمال. وكتب عنه قصائد تفيض بلغة الحب والشوق والتعلق.المجتمع حوله في قونية لم يُحسن قراءة هذه العلاقة. وبعض المصادر تُشير إلى أن أبناء الرومي بالذات وتلاميذه كانوا غاضبين من شمس ويرون فيه دخيلاً يسرق انتباه شيخهم.هل كانت علاقة رجلين بلغت عمق النفس فأصبحت أكثر من علاقة معلم وتلميذ؟ التصوف بطبيعته يتحدث عن “الند” أي الروح المكملة التي تبحث عنها الروح الأخرى في رحلتها إلى الله. وشمس بالنسبة للرومي كان ذلك الند.لكن هذه العلاقة أزعجت المؤسسة الدينية في قونية التي رأت في شمس “خطراً اجتماعياً.”● الاختفاء: ما حدث ولا أحد يعرفه بيقينعام 1247 ميلادي. شمس يغيب من قونية.الروايات تختلف. بعضها يقول إنه اغتيل على يد أعدائه من تلاميذ الرومي أنفسهم. وأن جسده دُفن سراً. وأن الرومي حين شعر بما حدث أُصيب بكرب لا يُوصف.رواية أخرى تقول إنه غادر طوعاً، لأنه رأى أن وجوده الجسدي صار يمنع الرومي من الاكتمال الذي يحتاجه. أن المعلم الحقيقي يرحل حين يُنهي دوره.ولا أحد يعرف القبر الحقيقي لشمس. ما يُزار في قونية كمقام له هو بناء يرجع تاريخ إقامته كضريح إلى قرون بعد وفاته.والرومي لم يُصدّق الخبر أولاً. ذهب إلى دمشق يبحث عنه. ثم عاد.وبدأ يكتب.● ديوان شمس: الغياب الذي أنجب أعظم شعر صوفي”ديوان شمس التبريزي” لم يُكتب لأن الرومي أراد أن يكتب ديواناً. كُتب لأنه لم يستطع أن يصمت.الغياب صار حضوراً أقوى من الوجود. شمس المادي الذي جلس معه ثلاث سنوات أصبح شمساً رمزياً ملأ كل شيء.كل بيت في الديوان هو محاولة للوصول إلى شيء فَقَده. وكل قصيدة هي حوار مع غائب يجيب في اللا-مكان.”أين شمس الدين اختفى؟ لكن شمس الحقيقة لا تغيب.”هذا الانزياح من شمس الشخص إلى شمس الرمز هو الإبداع الذي لم يُخطط له أحد. الغياب أنتج أدباً أبقى من الحضور.● “مقالات شمس”: الصوت الوحيد الذي قد يكون حقيقياً”المقالات” كما وصلت إلينا هي مجموعة من الحوارات والخطب دوّنها تلاميذ استمعوا لشمس. وهي تنبع بأسلوب فريد جداً في التراث الإسلامي.لا منهج. لا ترتيب. لا نظام.كلام يقفز بين موضوع وآخر. نقد لاذع للشيوخ بجوار قصة بسيطة من الحياة اليومية. ثم هجوم على الفقهاء. ثم تأمل شعري. ثم سؤال بلا إجابة.ثلاثة أفكار تتكرر في المقالات بأشكال مختلفة:الأولى: العقل عدو الحقيقة لا خادمها. الثانية: الوصول لا يكون بالتراكم. “من ظن أنه اقترب من الله كلما زاد علماً، فقد ابتعد عنه.”الثالثة: التقديس أخطر الأشياء. تقديس الشيوخ. تقديس الكتب. تقديس الطقوس. كل هذا يُصبح بيننا وبين الله حاجباً لا جسراً.هذه الأفكار في القرن الثالث عشر كانت ثورة. وهي في القرن الحادي والعشرين لا تزال مُقلقة.● ما لم يُقَل عن شمس: القراءة بين السطورفي ما بين السطور من روايات شمس ومقالاته رسائل لم تُصرَّح بها.الأول . هو أن غيابه كان ربما أعظم أفعاله الروحية. ترك الرومي وحيداً مع ما أشعله فيه. والرومي وحيداً صنع ما صنع. المعلم الذي يبقى طويلاً يخلق تبعية. المعلم الذي يرحل في الوقت المناسب يُحرر.الثاني. هو الغريب الحقيقي في القصة كلها: نحن نعرف شمس أكثر مما نعرف الرومي عن نفسه. لأن الرومي أفصح عن شمس بلا توقف وصمت عن كثير من نفسه. وهذا يعني أن ما بناه الرومي من شعر هو في جزء منه مرآة لما في داخله هو، لا مجرد توثيق لمن خارجه.●● الخاتمة: الرجل الذي لا يمكن الإمساك بهشمس التبريزي عاش حياته كلها رافضاً أن يُصنَّف أو يُؤطَّر. لم يُنشئ طريقة. لم يُكوّن مدرسة. لم يكتب كتاباً يُوقّعه. لم يترك ضريحاً موثوقاً.وكل من حاول بعد رحيله أن يُحوّله إلى أيقونة إما أيقونة للتصوف الرسمي وإما أيقونة للتسامح العالمي فقد فعل تحديداً ما كان شمس يُحذّر منه.الحقيقة الأكثر إثارةً هي هذه: ربما أهم ما تركه شمس ليس ما قاله بل ما لم يقله. الغياب. الغموض. رفض الاكتمال.الرومي كتب ثمانية وأربعين ألف بيت شعري وفي كل بيت كان يبحث عن شمس ولم يجده. وهذا البحث هو الذي أنتج الشعر.لو وجده لتوقف الشعر.ولعل هذا درسه الأعمق: الحقيقة التي تمسك بها وتعتقد أنك وجدتها لم تعد حقيقة. الحقيقة تظل حية فقط في بحث لا ينتهي.شمس الذي لا نعرفه كان يعرف هذا.#خالد حســــــين#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم