شعراء من تونس

دليلُ أنطولوجيا الشِعْر العربي الحديث
شعراء من تونس
البرتقالُ في سلال البحر

جدار:
نعتمد في هذا القسم على التحديد التاريخي خلافاً لما سرنا عليه في الأقسام السابقة حيث انبنى العرض على وظيفة الشعر وذلك لأهمية هذه الفترة وكثرة الإنتاج فيها وتنوّعه فما نشر من
دواوين شعرية من الاستقلال إلى اليوم يساوي أضعاف أضعاف ما نشر في الفترات السابقة مجموعة وهي متى نظرنا فيها، أنواع مختلفة وتجارب متباينة بعضها يشبه إلى حد المطابقة، تجارب
كتب حمادي صمود في الموضوع مستطرداً:

الشعر في البلدان العربية الأخرى، وبعضها لصيق ببيئته متولد عنها لا نعرفله في غيرها شبيهاً.فقد أصدرت دور النشر من1956 إلى اليوم ما لا يقل عن ثلاثمئة ديوان(300)، وهو عدد قد يبدو
متواضعاً إذا ما قورن بما نشر في نفس الفترة في بعض البلدان العربية الأخرى، لكنه مهم إذا ما اعتبرنا ما فيه من طريق في كتابة الشعر ونزعات إلى تجديد أشكاله ومضامينه وحرص عميق
على البحث له عن مناهج مبتدعة في تركيب الصورة وبناء الإيقاع.ولا شك أن إنشاء مؤسسات حكومية للنشر ورصد جوائز تشجيعية للإبداع الشعري واستصدار قوانين تشجّع النشر الخاص
واعتبار الشعر لفترة طويلة شارة من شارات السلطة. هذه وغيرها عوامل ساهمت في دفع حركة الشعر وشجعت المبدعين على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم على المساهمة في المشروع
الثقافي الحضاري الذي حملته الدولة الوطنية وتحاول كل مؤسساتها أن تخرجه من وضع الحلم الجميل الذي رأيناه يحرك الشعراء إلى الكتابة، ويحفّزوهم على تغيير الأوضاع بالقول إلى واقع
ملموس يساهمون في بنائه لبنة فلبنة.وليس من السهل التأريخ لهذه الفترة على كثرة ما كتب من دراسات جادة ومقالات سيارة نشرت بالصحف والمجلات لأن أغلب الشعراء المنتمين إليها
يعيشون بيننا، درسنا على بعضهم وعرفنا بعضهم زملاء علىمقاعد الدرس في المعاهد أو في الجامعة، وكان جيل كامل منهم من طلبتنا في الجامعة عدا من عرفناهم في ما يسمى بـ الشارع
الثقافي. فلا مناص من أن يصطبغ الحديث بصبغة الشهادة، وإن حاول أن يستوفي شروط البحث لعدم توفر البعد الزماني الكافي الذي يسمح برؤية الأشياء بعيداً عن دواعي الهوى والميل ورنين
الصراعات المختلفة التي ملأت الساحة طيلة ثلاثة عقود وطرحت في الشعر وكتابته نظريات مختلفة عدّاً ومأتى، بعضها جاء عن طريق المشرق وبعضها من الصلة المباشرة بثقافات أجنبية
متطورة. ومن الطبيعي أن يحتدم الصراع ويشتد في فترة بناء الدولة وتحديد الخيارات وأن تكشف كل طريقة في الكتابة عن انتمائها الفكري و السياسي فلا عجب أن كانت هذه الفترة فترة
جامعة وملتقى تتجاور فيه إن لم تتصارع أساليب الشعر وطرق قوله الموروثة والمستعارة.
الشعر من بداية الاستقلال إلى قيام حركة الطليعة:
لا تختلف حياة الشعر في هذه الفترة عما كنا رأيناه في الفقرات السابقة، إلا في تبنّي الشعر الحرّ طريقة في الكتابة بعد أن كان في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات محاولات
معزولة.فالقصيدة العمودية ذات المرجعية التراثية تواصلت حاملة نفس الرؤى الفنية منسوجة على ما عهدنا في الشعر العربي من الأساليب والصورة المبذولة التي يتحول الكثير منها عند من
غلبت صنعتهم طبعهم إلى قوالب جاهزة ولغة مشتركة تجتر طقوس الاحتفاء بالإيقاع الخارجي من بحور وقواف وأصناف المجانسات الصوتية التي نشأت عليها مراسم تقبّل الشعر من زمن
بداياته.ولم تتواصل هذه القصيدة بمعمارها فقط وإنما تواصلت بأغراضها التي تكاد لا تقف فيها على جديد عدا هذه الصلة التي ربطت بين الشعر وحب الوطن جنساً جديداً من الربط بموجب ظروف
تاريخية أوجدت ضرورة الذب عنه، وتسخير القول لخدمته والسعي إلى استرداد كرامته وسيادته على أرضه، وهو ما انبنى عليه ما يسمى الغرض الوطني. وحتى هذا الغرض فقد جرى بعض
الشعراء فيه مجرى المدح فباحتجاب الحاجة إلى شعر وطني من قبيل ما كان يكتب قبل الاستقلال، اعتبر هؤلاء من الوطنية مدح الزعماء ومدح الحزب الحاكم بنفس المعاني التي حددها
جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني.وعلى كل فدارس هذا الشعر يلاحظ أنه يدور على عدد من الأغراض محدود لا يتجاوز الدين والوطن والذات، وقد قام بهذه المهمة جيل من الشعراء أدركهم الاستقلال
وقد اكتملت تجربتهم الشعرية وسبق أن نشروا جل أشعارهم في المجلات الأدبية المعروفة وواصل بعضهم قول الشعر بعد الاستقلال لمدة طويلة بشيء من الاختصاص، فاختص بعضهم بالشعر
الديني على اختلاف ألوانه ومعانيه من ابتهال إلى الله ومدائح في الرسول صلى الله عليه وسلم واحتفال بالمناسبات الدينية كالمولد والعديدين. ورغم ما قد يبدو على هذا الشعر من تعلق
بالمطلق ورضى بالمعاش أملاً في حسن المعاد واحتماء بالقيم الموروثة عن السلف الصالح مع ما في ذلك من عزوف عن الدنيا وانقطاع عن حوادثها الكبيرة والصغيرة وطاعة لأولى الأمر وإخلاص
النية لله وحده فإن بعض المختصّين فيه وظّفوه للدفاع عن رؤى وتصورات بها يحاولون الوقوف في وجه الأفكار الجديدة التي كانت تتسرب رويداً رويداً إلى النسيج الاجتماعي والأبنية الفكرية. فلا
يغيب على القارئ العادي قصد الشاعر من قوله بمناسبة حلول شهر رمضان[ من الطويل]:أيا ليْتنا يا قومُ ندرك كنهه إذا ما اعترانا من نواه وجيبُيراه ضعيفُ الرأي قيداً مكبّلاً ويخفُق في تأويله
فيعيبُولو أنه استهدى الحنيفيّة اهتدى إلى نورها والعقلُ منه يصيب(35)أمّا في محور الوطن وقد أشرنا إلى أنه انقلب مدحاً مرفوعاً إلى صاحب السلطة العليا في البلاد، فيه تمجيد لنضال الرجل
وإبراز لحنكته السياسية في قيادة الحزب قبل الاستقلال وقيادة الدولة بعده، فلا بد من الإشارة فيه إلى شاعر يمكن اعتباره غير عادي من وجوه هو أحمد اللّغماني(ولد سنة1923) فقد كتب
شعراً وطنياً قبل الاستقلال وجمع في تجربته الشعرية بين القصيدة العمودية والشعر الحر عندما بدأت تباشيره مع محمد العروسي المطوي(ولد1920) والشاذلي زوكار(ولد1930) وخصص
قسماً كبيراً من شعره للأغراض الذاتية، كالحنين إلى مسقط الرأس والتفجّع لفقد الأحبّة(36)، وقد استطاع بحسّ مرهف وامتلاك لناصية أن ينشئ من هذه الأغراض غرضاً جامعاً متميّزاً أصله
قديم ولكنه نوّع على ذلك الأصل فخرج بصورة للشعر لا نعر في الأدب العربي مثيلاً لها إلا في بعض نماذجه الراقية، ذلك أنه طوّر شعره الوطني الذي كان يقوله بحماس المؤمن بحق بلده وشعبه
في الحريّة طوّره بعد أن أغرقه في غنائية الوجد والحنين وضمّخه بخالص المحبة ليقدّمه مدحاً في زعيم تونس ورئيسها الأول الحبيب بورقيبة. إن من يقرأ مدائح الشاعر في الرجل يحس أن قالب
المدح أضيق أن يحتوي هذا الشعر أو أن هذا الشعر يفيض عنه بما فيه من صدق وعشق ووجد جعلت المدح تعلقاً وغزلاً وجعلت الشعر قلباً على شفة كما كان شعر المتنبي في سيف الدولة.
وسيعرف الشعر في هذه الفترة صورة أخرى من صور التحام الشاعر بالسلطة لن يتخذ هذه المرة شكلاً المدح لا في صورته المقننة المرأسمية ولا في صورته العاطفية الوجدانية وإنما سيكون
تغنيّاً. و حداء ينبع من التقاء إيمان الشاعر والتزامه السياسي والاجتماعي بسياسة الدولة واختيارها في الاقتصاد والاجتماع وتوفي فرحة الحياة لكل شرائح المجتمع بالمساواة بتجميع وسائل
الإنتاج ووضعها في يد الدولة في ما عف بـ التعاضد وقد رافق هذه التجربة خطاب لترويجها يزخر بالقيم النبيلة والعواطف السامية ينهج نهجاً اشتراكياً وينطلق بالدفاع عن المستضعفين وحمايتهم
من جشع المستغلّين كما ينطق بتشجيع القطاع الاجتماعي كالتعليم والصحة، فاستمالت هذه الحركة قسماً من المثقفين ممن أغرتهم الأطروحات الجارية في هذا الخطاب، واعتنقوا
الاشتراكية اختياراً سياسياً، والواقعية والالتزام مذهباً أدبياً ورؤية فنية، وقام في البلاد جدل مرير بين أنصار الالتزام، وقد اصطبغ بصبغة محلية أو قومية ودعاة الفن بالفن، وشغل هذا النقاش
الناس لسنوات طويلة غطت عقداً من الزمن تقريباً وكان من أشهر الداعين إليه من الشعراء الميداني بن صالح(ولد سنة1929) وقد كان عرف عن كثب تجربة الشعر الحر في العراق وتأثر تأثراً لا
يخفيه بعبد الوهاب البياتي وتبنّى أفكار الشق القومي المنفتح على اليسار فجاءت تجربته الشعرية كلها في الشعر الحر واقتصرت مضامينها ومعانيها على التّغنّي بالعمّال والحرية والعدالة
الاجتماعية، وقد بدأ يعبّر عن هذه المواقف في ألواح شعرية ذاتيه نحا فيها منحى الترجمة لحياة البؤس التي عاشها والنضال الذي كان قدر الأطفال المنتمين إلى الأوساط المحرومة شجية
موحية فيها كثير من الشعر وإن بقيت مرسومة في ما يؤمن به الشاعر، وقد مثلت تلك اللوحات مطلع ديوانه الأوّل قرط أمّي(37) والعنوان نفسه يوحي بالمضمون ويرسمه في قلب النضال، إلا أن
الشاعر سرعان ما ترك هذا الأسلوب في التعبير وقاده التزامه الجامح إلى شعر مباشر غفل فيه عن البون الفاصل بين الفن والواقع، فجاء في أغلبه خطباً وشعارات يضحّي فيها بالعمل الفنّي
في سبيل إنقاذ الفكرة، وأصبح في نهاية الأمر انفعالاً من حيث يريد أن يؤسس الفعل. يقول في قصيدة عنوانها جيل النكبة:أجيل النكبة الحائروآمال الملايين وبحّةَ شعبنا الثائر…قيودُك ثر
ومزّقهاوأهدافهك انشدْهاوأوراح ضحاياها بأرض القدس خلّدها(38)…كما نصادف في هذه الفترة كوكبة من الشعراء خارج الدائرتين اللتين أشرنا إليهما في علاقة المبدع بالسلطة، وهم جيل
الاستقلال بحق إذ لم يسبق لهم شعر قبله وإن كان فمحاولات ضئيلة من شعر البدايات. وأبرز ما حقق هذا الجيل رغم انتهاج أغلب ممثليه النهج:التقليدي والنهج الحر في الكتابة بل منهم من
حاول كتابة ألوان جديدة إن في شكلها أو مضمونها(39)، هو تثبيت القصيدة ذات المرجعية الرومنسية في البيئة التونسية مواصلة لما كان افتتحه الشابي في وقت طغى فيه هذا الاتجاه على
الشعر العربي ووصولاً بها إلى تجاربها المتطورة شكلاً وإيقاعاً وتصويراً ورؤية شعرية مثلما تتجلى في شعر شاعرها الأكبر نزار قباني. ولمن أبرز ممثلي هذا الاتجاه في تونس جعفر ماجد(ولد
سنة1940) ونور الدين صمود(ولد سنة1932).أما جعفر ماجد فقد نشأ على معرفة واسعة بالشعر القديم وشغف بدقائق اللغة وإحاطة بها وبأسرار صناعة الشعر. لم يزدها ارتباطه بشعراء
القيروان مسقط رأسه من أمثال الشاذلي عطا الله(1899 – 1991) ومحمّد مزهود(ولد سنة1929) إلا عمقاً واستحكاماً، كما أن له بالشعر الفرنسي صلة بحكم ازدواجية لغته لم تؤثر في ما
يبدو في اختياره فغلب عليه الشكل القديم وإن جرّب بنجاح كتابة الشعر الحر، والأكيد أن جريان الشعر في الكثير مما يكتب إلى أشكال لم تقنع جدواها الفنية رغم ما يحيطها به أصحابها من
مسوّغات نظرية، ردّت الشاعر إلى مواقع ليس في ثقافته ما يحمله على التشبث بها دون سواها. والناظر في شعره يلاحظ أنه تطور من غزل خفيف وتشبيب رائق وحديث عن النساء من باب
اللهو والتسلي وقول الشعر، إلى اهتمام بالفكرة، والتعبير عن عناء الذات ومتاعبها الوجدانية والاجتماعية والسياسية وإن كان في كل ذلك حريصاً على الصورة الشعرية البكر والعبارة الموحية
والعوالم التي يبنيها بمحض خياله(40).ولا تختلف صورة نور الدين صموداً كثيراً عن صورة ماجد فقد زاوج قبله بين الشعر الحر والشعر العمودي، وثقافته الشعرية العربية واسعة ليس لأحد من
جيله ما له منها ومعرفته بأصول صناعة الشعر عميقة فهو في العروض والقوافي على النهج القديم مرجع، وقد غلبت عليه كما غلبت على صديقه القصيدة العمودية، فكانت عنده قالباً صب فيه
أغلب شعره في ميدانه أجرى مختلف تجاربه وإن كان أقل تصلّباً من ماجد في الدفاع عنه وأكثر منه إقبالاً على الشعر الحر يعود إليه في فترات متقطعة في مواضيع مختلفة لذلك يصعب تحقيب
شعره من هذه الزاوية. والمحرج في شعره بالنسبة إلى دارسي الأدب جمعه ألواناً شتّى يصعب التأليف بينها إن في الشكل وإن في المضمون فله في الوجدانيات رقّة ظاهرة وصورة آخذة
جمعها عنوان ديوانه الأول رحلة في العبير(41) وله شعر مناسبات ليس فيه غير الصنعة والمعرفة بالأساليب، وشعر ديني لا يخرج عن المعروف إلى جانب قصائد مليئة بالرمز تنمّ عن نفس
شاعرة وحس قادر على استبطان الأمور والغوص على جواهرها حتى لكأن الشعر عنده لعبة فنية وقدرة على تصريف اللغة وركوب البحور والقوافي دون أن يرتبط بهمّ قار ومحنة غالبة، له
مولدة.ولا بد من الإشارة خاصة هنا إلى شاعر كان يجب أن يكون رأس من ذكرنا من الكوكبة لولا أن ربطنا القول فيها بتثبيت القصيدة العمودية ذات المرجعية الرومنسية ذلك هو محي الدين
خريف(ولد سنة1932)، فهو غزير الإنتاج متواصله يمثل قول الشاعر عند مخنه لا فكاك منها متعدّد التجارب يطوف ممالك الشعر مسائلاً أسراره لا يستقرّ بتجربة إلا تحول عنها ولا يأنس معنى أو
مضموناً إلا غادره، يقدّ صوره من معدن الكآبة ويلفها بالحزن الفاجع شأنه شأن أصحاب المقامات والطرق، يستهويه التصوف فينزع عن الغربة ويحتمي بـ الحضرة في شعر يقطر وجداً. ويشفّ عن
نفس أضناها التجوال والبحث، فحطّت الرحال، عساها تستردّ الإنسان وتهرب من سجنها بالفناء في المطلق النوراني، ويستهويه التأمل الفلسفي في منزلة الإنسان فيرحل حاملاً مصباحه
مهتدياً بنبراسه باحثاً عن الحقيقة خروجاً من مقام الطريقة مسترفداً التراث لابساً أقنعته ورموزه متجهاً صوب مدن تقع على تخوم الخيال والحقيقة شاقاً تاريخ الشعر من عتيقه المعتق إلى
جديده المغروس في سباق موجع غامر بكل رؤاه وكل أشكاله ونزعاته(42).
شعــــــــر الطّليــــعة
يمكن للباحثين الاختلاف في تحديد الفترة الزمنية التي طغت فيها الطليعة على الحياة الأدبية، فلقد بدأ أبرز ممثليها في الشعر وهو محمد الحبيب الزناد(ولد سنة1946) ينشر محاولاته الأولى
سنة1966، بل قد نجد أشعاراً سابقة تمهد لهذه الفترة وتعلن أبعادها، وفيها إرادة واضحة للخروج عن عمود الشعر وعروضه كما فيها البحث عن موسيقى بديلة، وهذا من أسس الحركة، نشرت
سنة1964 قد يختلف الباحثون إذن في تاريخ بداية الحركة وقد يختلفون في نهايتها، إذ قد يرون في بعض أشعار منتصف السبعينات امتداداً لها لكنهم لا يختلفون في أنها لم تنشأ عن طفرة لا
ولم تكن في تاريخ تونس حدثاً منقطعاً فلقد تضافرت على بروز ما سمي الطليعة الأدبية – والشعر جانب منها – عوامل عديدة بعضها داخلي وبعضها خارجي.ولمن أبرز تلك العوامل تخرّج أجيال من
المثقفين من الجامعة التونسية تلقوا تعليماً عصرياً كان يسهر القائمون عليه على أن يكون مندساً في العصر متسلحاً بأحكم المناهج مواكباً لأبرز التطورات الفكرية والفلسفية في أوربا وفي
فرنسا على وجه الخصوص، وكانت البرامج منفتحة على المعارف والعلوم دون قيد ولا شرط. وكانت تلك الفترة الانتقالية في حياة البلاد تدعو إلى الاستعانة بالكفاءات الأجنبية إضافة إلى
الكفاءات التونسية الشابة، وهكذا عرفت الجامعة أسماء لامعة، كالفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي نشر الكلمات والأشياء وهو أستاذ بكلية الآداب وقد ساهم درسه العام عن الرسم في
السنة الجامعية1965 – 1966 في التعريف بالمنهج البنيوي في التحليل، وكان عاملاً من العوامل التي أوجدت في البلاد الاهتمام به وتبنيه في بعض ما أنجز من الدراسات عن النصوص العربية
بداية من1968(43).ثم أنّ جيلاً من الأساتذة التونسيين أخذ على عاتقه مسؤولية تجديد مناهج الدراسة واطلاع الطلبة على أبرز ما يطبّق في الأدب من مناهج. وما يطرأ في بعض العلوم من
تحوّلات. وكان إقدام الجامعة على تدريس اللسانيات في فترة مبكرة(44)، كسباً عظيماً وضع أجيال المتعلمين في قلب التحولات الجارية في مناهج العلوم الإنسانية، وحررها من مرهقات
المعيارية التي تقوم عليها الدراسات اللغوية ولاسيما النحو وما يأتي عنها من مواقف وأحكام أصبحت لا تصمد أمام البحث والتحليل.كذلك لم تكن البيئة التونسية أجنبية عن حركات التجديد في
الأدب والفكر والصراعات المذهبية الدائرة في أوساط المثقفين في فرنسا. فكان روّاد ما يسمى الرواية المضادة وعلى رأسهم ألان روب فريبي على صلة بالمثقفين في تونس العاصمة وحتى
في داخل البلد وكذلك كان لجماعة تال كال في الشارع الثقافي تأثير وكانت الأطروحات التي تروّجها مجلّتهم ولاسيما المتعلّقة بفنّ الكتابة وآليات الإبداع تجد لها أنصاراً من المثقفين
التونسيين، بل إن التسمية ذاتها التي أطلقت على هذه الحركة هي الطليعة الأدبية تسمية مستعارة لا شك من المقابل الفرنسيliterature d’advantgrade” كما كانت البعثة الثقافية
الفرنسية تعمل جادة لتدعيم لغتها وثقافتها في البلاد وهو عمل، على ما يبطن، عاد بالفائدة من وجوه كثيرة.ومثلما كانت الجامعة حاملة قيم الحداثة في التعليم مدافعة عن استقلال الفكر،
وعن استقلالها معترضة على كل أنواع الوصاية، كانت لذلك الفضاء الأنسب لبروز كل تيارات الرفض والخروج وعدم الرضى وكانت مجالاً آمناً ترعرعت في رحابه تيارات اليسار المختلفة التي
ستغري أطروحاتها جيلاً من المثقفين كانوا يبحثون لتجاربهم عن آفاق غير الآفاق التي تفتحها الثقافة الرسمية.وإذ ذكرنا الثقافة الرسمية فلا مندوحة من الإشارة أنّها لا تعني في تونس في ذلك
الوقت ثقافة السلطة، ولا مناص من لفت النظر إلى أن تداخل القضايا وتشعب الأطروحات ودقّة ما قد يقوم بينها من التقاء ظرفي أو استراتيجي على ما بينها من خلال مبدئي، يجعل التاريخ
للحركات الفكرية والأدبية عملاً صعباً دقيقاً يحتاج إلى قراءة متأنية لكل الأطروحات المعايشة وصبراً على فك الارتباط الحادث بينها بمفعول عوامل طارئة.فلا غرابة والحال ما ذكرنا أن يكون اليسار
أكبر مناوي للسلطة في هذه الفترة ولكن إن تتفق بعض اتجاهاته معها في مشروع المجتمع وتصوّر الأداة الثقافية اللازمة لذلك المشروع وفي الموقف من بعض القضايا المهمة كالقضية اللغوية
ومسألة القومية.ولا غرابة أن نجد الطليعة وهي من أبرز الحركات الأدبية رفضاً للموروث وخروجاً عن المقنّن والمسطر والرسمي والمؤسس وأعمقها التزاماً بقضايا المستغلين والمستضعفين،
حتى جعلت من طريقة التعبير والمستوى اللغوي الذي به نعبّر مسألة نضالية ومسألة جمالية، لا غرابة في أن تجد هذه الحركة في صحف النظام ومجلاته فضاء تجب فيه أدواتها وتبني مشروعها
الطموح، وهي مطمئنة كامل الاطمئنان أن الحركات المناوئة لا تجرؤ على اللحاق بها في تلك المساحات الآمنة، بل لقد كانت تستمد مقوماتها الفكرية ونسقها العقدي الأيديولوجي من رجال
كانوا يتقلدون مراكز عليا في الدولة، أو كانوا على صلة بمن يتقلدون تلك المراكز. كانت مجلة الفكر والملحق الثقافي لجريدة العمل وهي لسان حال الحزب الحاكم الفضاء الذي نشر فيه أغلب
إنتاج ما يسمى بـ الطليعة الشعرية بل إن من ممثليها من كانت لهم في بعض الصحف شبه الرسمية مسؤوليات يتقاضون مقابلها مرتبات…ولا شك أنّ هزيمة1967 كانت عاملاً مؤثراً في التقاطع
الذي قام بين هذه الحركة وأجهزة الدولة الرسمية إذ أكّدت الأحداث هشاشة الخطاب القومي، وبينت سداد الطعن فيه، كما أعادت إلى الذاكرة مواقف مؤسفة وقفتها الأنظمة القومية من بعض
الأطروحات التونسية في قضايا مهمة كالقضية الفلسطينية، بينت أحداث1967 أن الخطاب القومي لم يكن له من وسيلة لمواجهتها إلا الهروب إلى المزايدات الكلامية وتشغيل ما كنه الأدلجة
الجهنمية وممارسة الخديعة سياسة رسمية.وهكذا نقف في هذه الحركة على نوع ثالث من أنواع العلاقة بين المبدع والسلطة: العلاقة الأولى وجدناها في انقلاب الشعر الوطني مع قيام
الدولة الوطنية إلى شعر رسمي في مدح رئيس الدولة والحزب الحاكم، والعلاقة الثانية مثّلها التقاطع الظرفي الموضوعي بين أطروحات شق من اليسار ومواقف الدولة في رفض الذوبان في
الخطاب القومي الحالم بتجاوز الخصوصيات والتمسك بالثالوث المشترك: الدين واللغة والتاريخ مع ما في الأمر من غفلة ومغالطة وسوء التقدير التاريخي. في هذا السياق نشأت فكرة التونسية
باعتبارها بديلاً ثقافياً ورؤية حضارية تونسية عن الأطروحات العربية التي اتضحت عدم قدرتها على الزعامة الحقّ ونشأ الاعتزاز بكل الفترات التاريخية التي تعاقبت على تونس واعتبرت الشخصية
التونسية شخصية مختلفة المآتي، غنية بالموروث الحاصل على حضارات مختلفة، وقد كان افتتاحيات الفكر ناطقة بهذه الأفكار مروّجة لها السنوات.وكما كانت هزيمة1967 خيبة سهلت ترويج
الأطروحات الوطنية وقربت اليسار أو شقا منه من أطروحات الحكم القائم، كان فشل سياسة التعاضد التي سبق أن أشرنا إليها في أواخر الستينات مع ما تبعها من تراجع اليسار وانحسار
الشعر الملتزم وانفتاح البلاد على خيارات ليبرالية خيبة أمل عميقة تهاوت من جرائها قصور الأوهام وتبخرت أحلام الناس في العيش الكريم واكتشفوا أن الصّدق في القول والإخلاص في العمل
كان بالفعل شعاراً ولافتة يخفي صنوفاً من القهر والعسف ودوس الحريات، وأصبح المثقفون الذين استهوتهم الأفكار التقدمية قليلي الثقة في النقاوة الثورية ساخرين من أنفسهم ومن كل ما
كان يبدو قبل ذلك كبيراً وعظيماً. يقول محمد الحبيب الزناد في صفاء شعري أدرك به ما قد تؤدي إليه رأسمالية الدولة من ضروب الحيف والقهر رابطاً الاشتراكية بشخصية تلفزية شعبية مشهورة
في تلك الفترة هي شخصية أمي تراكي ساخراً من المفاهيم الإنسانية التي كانت رائجة في الخطاب الرسمي كمفهوم القطاعات الثلاثة: خرافة أمّك سيسي. المقدّمة الأول كأن
تقول:اشتراكيكقولك: أمّي تراكي(…)المقدّمة الثانية كأن يقول:القطاعات الثلاثةكقولك: العالم الثالثوالثلاثي المرحوالثالوث المقدّسثلاثة ورابعهم كلب(…)ثالثاً: قطاع تعاضديكأن تقول:ما أشبه
الأمس باليوموما أشبه اليوم بغداًلمساكين بلديلفقراء بلدي(…)لسرّاق بلديلقوادة بلديلكذّابي بلديلطمّاعي بلديلأعضاء المجلس البلديفي بلدي(…) (45)هذه بعض ملامح السياق الذي نشأ فيه
شعر الطليعة صغنا أغلبه من الذاكرة باعتبارنا ننتمي إلى الجيل، وكانت له ريادة هذه الحكة. ولمن أؤكد ما تجب الإشارة إليه أنّ هذه الحركة لم تكن صوتاً مفرداً واتجاهاً واحداً، وإنّما كانت نزعات
تشترك في المشروع وتجتمع على الأصول وتختلف بعد ذلك في السبل والمناهج والأدوات.فشعر الطليعة هو: غير العمودي والحر و قصيدة مضادة و شعر لا يعتمد التفعلية و شعر عملي و خلق
وإنشاء و إنتاج وكتابة.وإذ لا يسمح المجال بالدراسة المفصّلة اخترنا أن نشير إلى أمهات المسائل التي نادى بها شعراء الطليعة إبداعاً وتنظيراً من قبل الدعوة إلى التجديد ومراجعة مفهوم الشعر
والشاعر والموسيقى الشعرية(46).نشأت الحركة على اختلاف اتجاهاتها في محيط كان يغلي بنقاش مسائل في الأدب والشعر نتيجة ما حاولنا الإشارة إلى بعضه من عوامل. فكانت الدعوة
إلى التجديد تحرك كثيراً من الأقلام. كما كانت حركتها في البلدان العربية الأخرى، لكن مع فارق جوهري أصله في هذه الصلة التي أشرنا إليها بالثقافات غير العربية والاطلاع عن كثب في مدارج
الكليات على تجارب الشعر في فرنسا أو في إنكلترا أو أمريكا، فلقد كان حاصلاً لدى النّقاد في تونس أن الشعر الحرّ لم يحلّ الأزمة لأنّه تجديد منقوص وترميم وإصلاح قد يؤذيان إلى عرقلة حركة
الشعر الحقيقية الباحثة عن لغة جديدة وإيقاع جديد، لأن المحافظة على التفعيلة هي ارتباط لا مناص منه بسجن الأوزان(47) ومهما كان تصرّفنا في توزيع التفعيلة على أسطر الكتابة الحرة فإن
الوزن الواحد لا يحتمل إلا تجربة واحدة(48)وكان شعراء الطليعة في بياناتهم النظرية يعبّرون عن اقتباعهم بأنّ الشعر في قوالبه الموسيقية والتعبيرية تلك قد أدى دوره واستنفذ طاقته
وانتهى(49) لذلك فالشاعر الطليعي مدعو إلى أن يهجر العمود لأن الشعر الخليلي يحمل موسيقى فولكلورية وكذلك كلاسيكية… لذا وجب خلق موسيقى شعرية جديدة(50) إيماناً بأن التطوّر
الحقيقي للشعر إنما يقع على صعيد الموسيقى الشعرية(51) وهي موسيقى تنبع من روح القصيدة ذاتها ونوع الإحساس الذي يحاول أن يصبه فيها الشاعر فلا مكان لقالب صالح لجميع الحالات
بل أضحى لكل شاعر موسيقاه الخاصة و لكل قصيدة جوّها الإيقاعي الخاص(52) أما مصادر هذه الموسيقى فمصدران: الطاقة الصوتية الكامنة في اللغة و الطاقة الصوتية الذائعة في العصر بل
لقد رأى بعضهم أنها نابعة من إيقاعات وموسيقى النفس التونسي(53) ولا يتسنّى ذلك إلا باستيعاب المسموع والإصغاء إليه والإنصات ملياً إلى نبض العصر وموسيقاه. ولا جدال في أنّ أهمّ بيان
يجمع تطلعات هذا الجيل في البحث عن إيقاع بديل وبناء الشعر على رؤى تستمدّ من العصر كيانها ومن أصوات الحياة ولغة الناس بيانها هي قصيدة محمد الحبيب الزناد:قصائديلا تحمل طعم
قديم الشعروكثيراً ما تعبر عن شكل هذا العصرعن مشاكل هذا العصرفهي إذن قصائد شكليّةقصائد عصريةقصائدي لا قصد لهافهي مقصودة لذاتهاوليست جنوداً مجنّدةولا أعلاماً مفردهولا نصوصاً
صحيحة معتمدهولا أعمالاً باقية مخلّدهولا تقصدكم على خيول مجهدهقصائدي تعيش يومها في يومها ليومهاقصائدي مجدّدهتجدّد ما خزّز في نفوسكمقصائدي مولّدهتولّدكم بعد طول
عقمكمقصائدي مندّدةتندّد بعاركم قصائدي مسوّده(…)قصائدي خالية من الإيقاعوهي كالبدعةتنقصها الدّعاية والإبداعولا أبعاد في قصائديوهي كالبذاءةتمجّها الأسماعوهي كرأس امرأة
حبلىتشكو الصداعوهي خائنة للمبدأستصدر ضدّها بطاقة إيداع(54)ويمكن أن نرى في هذه الحركة ثلاثة روافد أساسية هي بحسب أهميتها:
غير العمودي والحر:
رغم أن أولى النصوص الشعرية الحاملة شعار غير العمودي والحرّ نشرت بعدد ماي1969 بمجلة الفكر فإن الحبيب الزناد نشر محاولاته الأولى كما ذكرنا بمجلة الشباب سنة1966. أما الطاهر
الهمامي فق بدأ هذه التجربة بعد أن كتب القصيدة العمودية والشعر الحر. ولئن نطق العنوان اللافتة الذي وضعوه على أشعارهم بالهاجس المسيطر على شعراء هذه الحركة مما أشرنا إليه من
ضرورة التخلي عن الموزون والحر والبحث عن إيقاع جديد متداخل مختلط صاخب كإيقاع الحياة وصخب العصر، فإن قضايا أخرى مهمة كانت تسكن هذه التجربة وفي طليعتها قضية استعمال
الدراجة بدافعين مختلفين هو عند الحبيب الزناد دافع فني يرمي إلى التقاط ما في اللّفظة من إيحاء واكتناز دلالي يأتي من ذاكرة اللفظة الحاملة تجربة الناس وإيقاع حياتهم لا سيما وأن ذلك
الإيقاع على بساطة مكوّناته قد يفتح للنص آفاقاً مأسوية. فصيحة بائع سجائر التبغ الشعبية اليائس المسكين يعرضها على زبائن المقهى في صوت يائس وهيئة يائسة يقدح في ذهن الشاعر
مطلعاً لقصيدة تقطر شعراً:حلّوزي آرتيحلّوزي أرتيمتى يعود أبيمن رحلة الأبعاد والموت(….)وهو عند الطّاهر الهمامي منظّر الحركة الأول وأحد شعرائها المرموقين موقف فني والتزام اديولوجي
وإيمان بأن قضايا الناس لا تحملها إلا لغة الناس البسيطة الجارية في مخاطباتهم اليومية المعبّرة عن أحلامهم.يقول في إحدى أجمل قصائد ديوانه الأول الحصار شاكياً إلى السيد عبد العزيز
العروي على لسان أهالي المناطق المنسية في البلاد التونسية القطار الواصل بين تونس والقلعة الجرداء وقد عنونها: كوكتال في الهواء الطلق.1- شكوى إلى السيد عبد العزيز العروي:تحياتي،
سيديوبعد:فإنّ قطار القلعة الجرداءعربة هرمةهرمة سوداءسوداء وسخةوسخة ضيّقةكثيرة العواء والنهيقوفيها ينصبّ السوقبيضاً مسلوقاًودجاجاً ينهقوأرانب تقوقوبعضنا مصلوبوبعضنا مشنوقنأتيه
فجراًويأتينا شروقوقد يخرج بنا عن السكّةأو يسقط في وادقطار القلعة الجرداءكلبة جرباءوأضراس مصطكةنشف أرياقناويبّس العروقثم تتدخل الأصوات في القصيدة وهي الجلبة الواقعة في القطار
فيسمع مطلع أغنية مشهورة في ذلك الوقت لمطربة معروفة عنوانها ملأ لا كما نسمع عنوان برنامج إذاعي في الغناء الشعبي عنوانه قافلة تسير ثم قصيدة بصرية يكتفي فيها بالرسم بالأحرف
اللاتينية اسم عمارة أفريكا وهي أول عمارة ضخمة بنيت بالعاصمة التونسية(…)ثم يأتي مقطع تاسع تفصح فيه القصيدة عن النار التي تسكنها:1- غلاء المعيشةسأكتب أغنيتي بالنّاروبالغضبحين
يورق في أحداث الصغاروبالملح سأكتبهابالدّم حين ينزفمن جفون الليل والنّهارْبالدّم حين ينزفُمن جفون الليل والنّهار(…)سأكتب أغنيتي بالماءوبالهواء حين يصبحان بضاعةتباع وتشترىفيشعر
الفقراء بالضيق والمرارةبرشح المجاعةسأكتبهاببول المتخمات في الحضارةوبخيبة العبارةوهي تموء تحت جدارجدار أمّة سمسارة(55)ونجد المعنى نفسه عند فضيلة الشابي(ولدت سنة1946)
وهي إلى جانب الزنّاد والهمّامي قطب حركة غير العمودي والحرّ في قصيدة عنوانها: روائح الأرض والغضب.ولم تجد في مصانع الأرض حطباً؟وفي قلوب البشر لم تجد غضباًفهذا العنف…اصنع منه
أبواباصاخلق به العجبامنحني، امنحني، امنحنيوازرع في قلبي الغضب(56)وعدّ كلّ من محمد الحبيب الزنّاد والطاهر الهمّامي وفضيلة الشابي روّاد لهذا المنحى.
القصيدة المضادة(57)
صدر أوّل نص يحمل الشارة بعدد أفريل1969 من الفكر أيضاً، وقد شفعه صاحبه بـ رأي النقاش عرّف فيه القصيدة المضادة بكونها ليست فناً يحتاج إلى تسمية لأنها ليست شعراً كلاسيكياً أو حراً
بل تتخطى تلك الهندسة العروضية التي لا فضل لها إلا في كونها من تراثنا وحدد علاقتها بالتراث على أساس الإضافة والتحاور معه ومع تراث الحضارات الأخرى وميزها عن فصيلة النثريات من
ناحية بكونها خلافاً للنثر والنثر الفني الشعري تمتاز بأوزان وقواف أخرى وآفاق وأوتار تنبع مل مرة من طرافة الشاع لا من ذاكرته(58).وينطلق منظر القصيدة المضادة في هذه المفاهيم من أن
الشعر هو الشاعر و الشعر ثورة دائمة وتساؤل لا ينتهي وشاعرية الشاعر لا تقاس بمدى طاعته للماضي بل بذلك التجاوز وتلك القدرة على تجديد الحياة وانتشالها من الهرم والجمود والتعفن
والزيف(59) ثم هو تارة أخرى يطلق عليها تسمية قصيدة النثر معترفاً ضمنياً بالنسب اللبناني لنسختها العربية لكن بما أنها صياغة ترفض كل النماذج فهي في عني داعيتها التونسي لا يمكن أن
تكون شرقية أو غربية، إنها خلق من الألف إلى الياء بطاقة تعريفها صاحبها وجهاً لوجه مع العالم المعاصر(60) ومن حيث الدلالة التاريخية هي تتنزل في صميم عملية هدم الهياكل المورثة وترفع
الرفض تاجاً ف ترفض أن تبقى شعراً كما ترفض أن تبقى نثراً و تثور على نفسها باستمرار(61) وإذا كان لا بد من تعريف أبلغ فهي عدوان مستمر على القاعدة والمقاعد والقعود والتقاعد والتعقيد
… والعقد والعقائد والتعقيد…و ذي العقدة(62) وهي في موقفها من السياسة نمط آخر مغاير للفن ومغاير لمعروف بالالتزام(63). وإذا ما سألت عنها صاحبها: إذن ماذا تكون؟ يجيبك باختصار إنها
كتابة – تجاوز كتابة – رفض كتابة- تفجير… (64) وفيما عدا محمد مصمولي(ولد سنة1940) ظل الاهتمام بالقصيدة المضادة محدوداً ويشهد المتن أن أحداً سواه لم يضمها شعاراً لنصه
ويستخلص من القليل الذي كتب عنها أنها اعتمدت الصورة الشعرية(65) وموسيقى الأفكار(66) فافترقت إلى عنصر اعتبره دعاة غير العمودي والحر ومنظوره أساسياً بالنسبة إلى الشعر العربي
وهو موسيقى اللفظ ولعلّ غياب هذا العنصر في القصيدة المضادة كان من أسباب ضآلة تأثيرها وقد نفى عنها بعض الحركة صفة الانتماء الشعري(67) فيما اعتبرها أحد أنصارها متقدمة على غير
العمودي والحر الذي سيصل يوماً إلى تحطيم الشكل العمودي والحرّ العالق به و الدخول في تجربة القصيدة المضادة أي اعتناق الشكل النثري(68).
أشعار بلا شعار:
هي نصوص خارجة بدورها على هيئة الموزون ولكنها مجردة من الشعار المحدد لهيئتها الجديدة على خلاف غير العمودي والحر والقصيدة المضادة كان يكتبها كل من صالح الفرمادي ومحمود
التونسي وسمير العيادي، ولم يتوقف النقد عندها إلا لماماً. كما لم يعن أصحابها بتنظيرها وتقنيتها. أما صالح الفرمادي فنشر بعضها في غضون1968 قبيل ميلاد الحركة وقبل صدور مجموعته
اللحمة الحية شعره لم يغتسل بإبريق على حد تعبير توفيق بكار وهو توقيع العصر مكسور مبتور بلا انتظام بلا انسجام(69). ومزية الفرمادي تعود إلى تركيزه على مسألة الإبلاغ حيث حاول
استعمال لغة وسطى بين الفصحى والعامية لغة يمكن أن يفهمها التونسي مهما كانت درجته الثقافية(70). فقد لوى عنكوش البلاغة بيدين خشنتين وأنزل القصيد من سماء المثاليات إلى أرض
الواقعيات ومن علياء الروحانيات إلى حضيض الماديات(71) وتخطت عنايتها بذلك شكل القصيد ولغته إلى المضمون فكان حريصاً على اصطياد اللحظات المليئة بالواقعية.. الزاخرة بالقيم
الإنسانية(72).واعتبر شعر محمود التونسي(ولد سنة1944) وسمير العيادي(ولد سنة1947) طلائعياً بأتم معنى الكلمة إذ بلغ الكتابة أقصاها حين كسر الحدود المتعارفة بين الأنواع الأدبية
والفنية، ولكن عيب عليه أنه لم يعر أهمية لـ الأصالة وهي تتجسد شعرياً في الحفاظ على عنصر الموسيقى التي اعتبرها مجرّد صيغة تغييرية كغيرها من الصيغ الأخرى يمكن الاستغناء عنها
تماماً واستبدالها بصيغ تعبيرية مستوحاة من الرقص أو المسرح أو السينما(73)وإلى جانب هذه الروافد الثلاثة التي شكلت عماد الجناح الشعري في حركة الطليعة نشرت الصحف بعض النصوص
التي كانت تحمل شعار شعر لا يعتمد التفعيلة(74) والتي ظلت حبيسة صوت شعري واحد لم تجاوزه إلى غيره إلا مرة. ولم نعثر عنده أو عند النقاد على نص نظري يبين وجه اختلافه من
المناحي الأخرى المتواجدة. فهل كان ظهور هذا الشعار يعني مجرد الرغبة في المخالفة؟وإذا كانت الحساسية الدينية قد أثارتها القصة فإن الشعور القومي استفزه الشعر و غير العمودي والحرّ
على وجه الخصوص والثلاثي: الفرمادي، والزناد، والهمّامي، على وجه أخص باعتبارهم قد أقحموا الدارجة في أشعارهم وكان التركيز أشد على الأخير لأنه أردف شعره بالتنظير.ورأى المنتقدون
في إنتاج هؤلاء امتداداً للجانب الانهزامي الذي عرفه الشعر العربي في مرحلة من مراحله وهزيمة67 لم تفعل سوى تعميق هذا الجانب فتسلط عليهم شعور بالتمزق إزاء ما حدث ولم يجدوا
منفذاً سوى الإغراق في تجريح الذات(75) ورماهم البعض بالقصور عن امتلاك الأدوات التي يعد بها الأديب أديباً ومنها اللغة(الفصحى) والوزن(العروضي) والثقافة(التراثية) فـ التجديد من حق
الأكفاء(76) و إنما التجديد في إحياء القديم(77) حتى يكون تجاوزاً لا عجزاً والشعر الجديد ليس سوى دلالة على ضعف أدبائنا المحترمين وعجزهم عن الخوض في غمار متون اللغة العربية
وبلاغتها و الشعر دعامته الموسيقى وبالتالي فـ غير العمودي والحر لا يدخل في باب الشعر(78) بل هو انفصال عن الشعر(79). ونوقشت الغيرية في تسمية غير العمودي والحر، واعتبرت علامة
على نفي حضور الذات داخل حضارة عربية وإبداع عربي(80)وإمعاناً في محاصرة الحركة والحط من شأنها وبالتالي الحد من تأثيرها عمد بعض خصومها فضلاً عن القول بأنها أخطأت نهج التجديد
الصحيح إلى تجريدها من فضل السبق والريادة. فقصيدة النثر على سبيل المثال ليست جديدة في حياتنا الأدبية وليست من ابتكار أفراد بأعينهم ولا هي من وحي الخيال المجدد كما يزعم
بعض الأدعياء من الشباب(81) و غير العمودي والحر و لا يقدم في الحقيقة جديداً(82)وتنالي سيل النعوت المهجنة وانتقلت من النصوص إلى أصحابها واعتبرت ثورتهم ثورة الجبان الذي يفضل
الانتحار علىالمواجهة(83) بل نزوة غير مرتكزة على أساس(84) ودعاة التجريب اعتبروا متمردين لا ثواراً وناقصين يحاولون الصعود على أنقاض القديم(85) و لو نفخت عليهم لطاروا(86) والناهجون
نهج الشعر الجديد جماعة طفيلية… انتجت إجهاضاً فكرياً لا هو بالرجعي التقليدي ولا الطلائعي الثائر(87) بل كل ما في الأمر أنه نتاج فئة حاقدة يلتهمها اليأس ويشدها العقم(88) فهي تشكل
نكسة خطيرة ومنعطفاً قاتلاً(89) لئن مثّلت هذه الحركة حدثاً قائم الذات فإنها رغم ما أحاط بها كما ألمحنا من وقائع جسيمة ومعارك حامية لم تكن الصوت الوحيد في موجات الشعر التونسي،
لقد كان الشعر على منهج العمود والعيار وبروحٍ مشبعة بالتحديث يجد عند الشعراء، شعراء الحيل السابق، معيّناً لا ينضب، فكان ثبات القصيدة العمودية المتلونة بمظاهر الحداثة، إعلاناً يؤكد أن
للشعر العربي منابت أثيلة وأن التجديد ينبجس عن تمكن أثير من هذه المنابت.

اسعد الجبوري.

#دليل انطلوجيا الشعر العربي الحديث#مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم