القرباط في سوريا: سيرة شعب على هامش التاريخ…
تركي المصطفى
في زوايا التاريخ السوري، حيث تتداخل الأصول وتمتزج الهويات، ثمّة جماعة عرفت بـ ” القرباط”، أو كما يسميهم البعض “الغجر”، تحمل في جذورها امتدادًا من بلاد الهند وباكستان، وتحمل في مسيرتها قصة شعب تعلم كيف يتكيف مع الجغرافيا دون أن يفقد ملامحه الروحية. فهؤلاء، في العراق يعتنقون المذهب الشيعي، وفي بلاد الشام وتركيا يندمجون مع السنّة، وحين عبروا إلى أوروبا صاروا جزءًا من الكنيسة. لغتهم “الدومرية”، وهي بقايا هندية قديمة، أما أسماؤهم فتحيل إلى الغربة: “القرباط” أو “الغرباتي”، ربما من ألوانهم الزاهية التي جعلت منهم الغرباء دائمًا في المشهد.وإذا كان المثقفون وعلماء الاجتماع يتحدثون عن الأقليات في المشرق العربي، فإن “القرباط” ظلوا خارج دائرة الضوء، مهمشين في الحكايات الرسمية، حاضرين في الحكايات الشعبية لكن كأطياف هامشية. يُقدر عددهم بعشرة ملايين حول العالم، وينقسمون إلى “الرومن” و”الدومر”، لكن حضورهم الفني والموسيقي كان دائمًا أكبر من حجمهم العددي. في الموسيقا والأغاني، حفظوا تراثهم الشفهي، لأنهم لم يعرفوا لغة مكتوبة.في سوريا، كان لهم وجود في حلب وحماة ودمشق. لكن مطلع الألفية الثانية شهد بداية انزياحهم عن المشهد، ثم جاءت الحرب التي بددت ما تبقى من تجمعاتهم. لم يكونوا طرفًا في الصراع، لكنهم دفعوا الثمن، وتفرقوا في المنافي.في حديث مع أحد أبناء هذه الطائفة، تحدث عن مهنهم القديمة: جمع الطعام، الصيد، الطب البديل، والخبرة بالحيوانات. أما أزياؤهم فكانت عالمًا قائمًا بذاته: نساء بثياب مزركشة فضفاضة، وحلي فضية ثقيلة، وأقراط كبيرة تعكس ضوء الشمس، وشعر أسود منسدل. والرجال بملابسهم متعددة الألوان، ولفافات حول الرقبة. لكن الزمن غيّر كل شيء. الاندماج مع المجتمعات المحيطة أذاب الفوارق، وأصبح الشكل الخارجي للقرباط أقرب إلى ملامح من يعيشون بينهم.أما الزواج فكان له طقوسه الخاصة: لفافة العنق رمز للارتباط، وقفز فوق مكنسة، وكسر خبز ودم مختلط، ثم غياب يوم كامل قبل العودة للاحتفال. لكن ذلك صار من الماضي. اليوم، تزوجوا كغيرهم، وانصهروا في التقاليد السائدة.لكن اللافت أن هذه الجماعة التي عاشت على الهامش، طوّرت لنفسها تنظيمًا اجتماعيًا قائمًا على مبادرة غير مكتوبة، لكنها تعكس منطقًا مختلفًا في إدارة الجماعة:- الزعامة لم تكن وراثية، بل قائمة على المهارة: من يجيد الطبل والمزمار، أو التسول، أو صناعة الأسنان، يمكنه أن يصبح زعيمًا. وهذه المهارات المتنوعة جعلت انتقال السلطة بينهم هادئًا، لأنها كانت مبنية على الكفاءة لا النسب أو الإكراه.- التكافل الاجتماعي ليس مجرد شعار، بل سلوك يومي: حين يُسلخ جلد لصنع طبلة، من يضع موسه في الجلد يصبح شريكًا في العمل، ولو جاء متأخرًا.- الترحال كان عندهم أسلوب حياة ووسيلة للهروب من سلطة الدولة، وأيضًا للخلاص من التعقيدات الإدارية، ومن ضريبة البيروقراطية التي تثقل كاهل المستقرين. بيوتهم البسيطة القابلة للطي، ونظامهم الصحي البدائي، جعلت الحركة لديهم سهلة، وهم بذلك يحتفظون بقدرة عالية على المناورة الجغرافية.- الرفض الضمني للانخراط في الجيوش النظامية ظل سمة بارزة، فهم لا يؤدون التحية لعلم لا يشعرون بالانتماء إليه، ولا يخدمون في جيوش لا تمثلهم.ثم هناك ظاهرة غريبة في حياة هذه الجماعة، أطلقوا عليها اسم “وداع القرباط”. حين يستحكم الخلاف بين الزعماء، ويصبح إصلاح ذات البين مستحيلًا، يأمر الزعيم الأكبر أفراد التجمع جميعًا بالمشاركة في عراك جماعي، في موعد ومكان محددين، بلا شفقة أو رحمة. في تلك اللحظة، يُنزع من القلوب كل أثر للمودة القديمة، ويخرج كل فرد وفي جسده ألم لا يُنسى، ثم يرحلون كل في اتجاه، وتنتهي الجماعة، ولا يبقى إلا الفراق.إنها استراتيجية عنيفة للانفصال، لكنها تحمل، في منطقها الخاص، اعترافًا بأن الوحدة إذا استحالت إلى نزاع مدمر، فالتفرق قد يكون شكلًا من أشكال الحفاظ على ما تبقى من كرامة.هؤلاء القرباط، كما يصفهم من عاش بينهم وخبر أسرارهم، ليسوا مجرد هامش في المجتمع السوري، بل هم تجربة اجتماعية فريدة، عرفت كيف تصمد رغم التهميش، وكيف تتكيف دون أن تذوب تمامًا، وكيف تبتكر لأنظمة حياتها طرقًا خاصة في الزعامة والتكافل والترحال، وحتى في الانفصال.لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، مع انتهاء مرحلة الحرب في سوريا، وبدء محاولات بناء جديد للدولة: هل سيجد “القرباط” مكانًا في هذا البناء الجديد؟ أم سيبقون خارج المعادلة، كما كانوا دائمًا، حاضرين في الثقافة غائبين في القرار، حاضرين في الأغاني غائبين في المؤسسات؟أحد زعاماتهم، لم يكن يسأل عن تمثيل أو منصب، بل كان يبحث عن اعتراف بأنهم جزء من نسيج هذا البلد، وأنهم لم يكونوا يومًا طرفًا في دمه، بل كانوا ضيوفًا في تاريخه الطويل، يحملون مع كل ترحال حكاية جديدة، ويتركون مع كل وداع جرحًا لا يلتئم.وهكذا يظل القرباط في سوريا… سيرة لا تنتهي، وغربة لا تستقر، وصوت طبل يعلو لحظة، ثم يخفت، تاركًا خلفه سؤالًا مفتوحًا: متى يُكتب التاريخ من لا تاريخ لهم؟#سوريات #مجلة ايليت فوتو ارت.


