الرجل الذي اخترع القلق قبل أن يولد علم النفس نفسه.
تخيل أنك تقف أمام قرار كبير في حياتك، ولا يوجد دليل عقلي واحد يثبت لك أنك تتخذ القرار الصحيح.. لا في الحب، ولا في الإيمان، ولا حتى في معنى وجودك. هل تتجمد في مكانك خوفاً من الخطأ، أم تقفز رغم أن الأرض تحتك غير مضمونة؟
هذا بالضبط السؤال الذي جعل سورين كيركغور، الفيلسوف الدنماركي الذي عاش قبل مائتي عام تقريباً، يُلقّب اليوم بأب الوجودية، لأنه أول من واجه هذا السؤال بلا رحمة، ودفع ثمنه وحيداً.
كيركغور لم يكن يبحث عن نسق فلسفي بارد يشرح الكون من فوق، كان يبحث عمّا أسماه بنفسه حقيقةً يستطيع أن يحيا ويموت من أجلها. لم يكن يهمه أن تكون الحقيقة صحيحة للجميع، بل أن تكون حقيقته هو، تلك التي يقف عليها كإنسان مسؤول عن اختياره، لا كرقم ذائب في القطيع.
من أخطر أفكاره مفهوم الجمهور، ذلك الكيان الوهمي الذي يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالأمان لأنه يذوب فيه، فلا يقرر، ولا يتحمل، ولا يواجه وجوده منفرداً. يقول كيركغور بوضوح إن الجمهور هو اللاحقيقة، لأنه يمنح الإنسان عذراً دائماً للهروب من ذاته. أليست هذه بالضبط صورة الإنسان المعاصر الغارق في القطيع الرقمي اليوم؟
ثم يقدّم لنا مفهومه الأشهر، القفزة الإيمانية، تلك اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن الحساب والبرهنة، ويقفز الإنسان في المجهول، لا لأنه أثبت شيئاً بالمنطق، بل لأنه اختار أن يعيش بكل وجوده. كما كتب: الحياة يجب أن تُفهم إلى الخلف، لكنها يجب أن تُعاش إلى الأمام، جملة تختصر مأساة كل إنسان يحاول أن يفهم قراراته وهو لا يزال يعيشها.
وربما أعمق ما تركه لنا هو تشريحه لحالة اليأس، لم يقصد بها الحزن العابر، بل حالة وجودية دائمة يعيشها كل من يهرب من أن يكون ذاته الحقيقية. يقول: أعمق أشكال اليأس أن تختار أن تكون شخصاً آخر غير نفسك. كم منا اليوم يعيش هذا اليأس دون أن يسمّيه؟
هذه الفلسفة لم تُكتب من مكتب دافئ ولا من أستاذ محاط بالتقدير. كُتبت من رجل فسخ خطوبته لأنه رأى أن الحقيقة تستحق ثمناً باهظاً، ونشر أغلب كتبه بأسماء مستعارة لأنه لم يكن يبحث عن مجد بل عن صدق مع ذاته، ومات عن عمر لا يتجاوز اثنين وأربعين عاماً وهو يظن أن العالم لم يفهمه.
نحن كعرب غارقون اليوم في جمهور أكبر من أي وقت مضى، خوارزميات وترندات وآراء جاهزة نستهلكها دون أن نسأل: هل هذا رأيي أنا، أم صدى لما يريده الجمهور مني؟
فسؤالي لك: هل تعيش حياتك كما تؤمن أنت، أم كما يُملى عليك من حولك؟ شاركنا إجابتك في التعليقات، فربما تفتح إجابتك عين شخص آخر لم يسأل نفسه هذا السؤال بعد.
” سورين كيركيغارد”


