سنية صالح الشاعرة بقلب طفلة. وامومة كون كامل

سنية صالح آخر طفلةفي العالم //- ليست زوجة الماغوط. كانت سنية صالح قبله وبعده، وكانت أهم منه شعراً في لحظات كثيرة
فصل الحب

نعيش فصل الحب
كالحشائش،
نبحث عن أرض صغيرة
وعن حلم صغير.
وحين يأتي المساء
ننهض كالضباب فوق الأعشاب
نبحث عن أشعارنا
وعن دموعنا الذابلة.
إطْوِني كما تَطوي أوراق الشِّعر،
كما تطوي الفراشات ذكرياتها
من أجل سفر طويل.
وارحلْ إلى قمم البحار
حيث يكون الحُبُّ والبكاءُ مُقَدَّسَين.


أبداًَ نحمل فوانيس الندم
نبحث عن ذاكرة الطفولة.
لسنا الجسد،
ولسنا الجريمة المحمولة،
ولا الرُّوحَ الإلهية.
حيث تتعرى الأحلام
ويستعر حوار الدم
ارسم وجهي،
وأرسو..
… الليل نشيدٌ شجيٌ
وليلة المحبين غابة مسحورة
لنشهد لليل الصمت.
وليكن ذلك عربون الجنون.
لتكن أبواب الانفلات واسعة.
واسعة أبواب الهرب
فالزمان ضيق،
وأضيق منه جسد المحبين.


.. أنطوي فوق جروحي
لأفكر برائحة البحر والغابات
برائحة الحزن والمطر
بالرائحة المنسية فوق الجلد
وأترك كلماتي ترحل
خارج الروح
حاملة سهامها الأخيرة
من أجل مجد الحب.


… الحلم يرتعش في طيات القلب
فأية وداعة تنهبني
حين أعبرك من الممرات الخلفية؟
أي طائر سيغرد أنشودته؟


النهار غريب
في مرافئ العاصفة.
والبحر يهدر
في سفن المساء.
لكنني أرسو بجناح النسيان،
خشبة تحمل عروقاً،
تلتهب،
ثم أرجعك إلى صيحتي
وأتعفن في انتظارك.


كان النهار يحوم حولنا
كما يحوم الطائر
ساعة الاحتضار،
ويفرش جناحيه الثلجيين
كما ينشر البركان رماده الملتهب
بين النجوم.
كنا نسرع تحت المطر
نسرع ولا شمس لنا
ننشر تحتها أجسامنا الرطبة،
لا شمس لهذه البنفسجات
ذات الأعناق الملوية.
بأقدامنا المنهكة
كشفنا الصقيع عن وجوه الموتى
حين كان الليل يحمل بيارق الزهو.


وتمر أجراس الكآبة
مع المساء
حين تفتح المرارات عيون القرى
كفوهات مليئة بالدم
أنحني لصخب المياه الخفية
وأرفض عبودية الدمع
وعبودية النار.
لا شيء غير الجمر
كُلُّ أحِبّائي فيه
أو راحلون إليه…

٢

الطوفان
إنك من الزرّنيخ يا سيّدي،

أفتح فمي كلَّ صباح وابتلعُ جزءاً منك

ولم تنته.

قلت سيأتي يوم أتوحّش فيه

وأفترسُك

ثم أستريح.

جميع أدوية العالم لن تمنحني

تلك الفرصة،

لا أُشنة البحار ولا بخور الأولياء.

وأديان العالم؟

هل نسيتك حقًا؟

نسيت بغالك وسياطك،

نسيت ذلك المسلخ العظيم

التاريخ

الذي يقال له شرفاتي؟

قرأت مجدك، وبالسياط رُدّت الصفحات

أطعمتُ كنوزك لحمي وعظمي،

فلم تشب.

وليلي ليل، ومصابيحي عجفاء.

قلت،

أنهب الزيوت المقدّسة

علّها تعيد أبصارنا

لكنك امتطيت جوادك وطرت إلى الصحراء

مقال عن سنية صالح – آخر طفلة في العالم

ليست زوجة الماغوط. كانت سنية صالح قبله وبعده، وكانت أهم منه شعراً في لحظات كثيرة.

ولدت سنية صالح في مصياف – حماة 1935، في بيت ثقافي استثنائي. أختها الكبرى خالدة سعيد زوجة أدونيس وناقدة الحداثة الأولى، وأختاها مها وسوزان صالح ممثلتان معروفتان. كأن العائلة كلها نذرت نفسها للكلمة والصورة.

التقت محمد الماغوط في بيت أدونيس في بيروت أواخر الخمسينيات. كان اللقاء على شكل مبارزة شعرية، كانا يتنافسان على جائزة جريدة النهار لأحسن قصيدة. هو البدوي القادم من سلمية، وهي البنت الدمشقية الخجولة طالبة الأدب العربي في جامعة دمشق. تزوجها بعد خروجه من سجن المزة عام 1961، بعد أن وقفت إلى جانبه مع زكريا تامر. أنجبت له ابنتين: شام وسلافة.

ماذا كتبت؟

  1. الزمان الضيق (1964): ديوانها الأول، نالت عنه جائزة النهار 1961. زمن ضيق فعلاً، كأنها كانت تعرف أنها لن تعيش طويلاً.
  2. حبر الإعدام (1970)
  3. قصائد (1980)
  4. ذكر الورد: كتاب نثري شعري صدر بعد وفاتها 1988
  5. الغبار: مجموعة قصصية 1982
  6. الأعمال الشعرية الكاملة: جمعتها دار المدى 2008 بتقديم أختها خالدة سعيد.

لماذا هي مهمة وهي منسية؟

سنية صالح هي الضحية النموذجية للبطريركية الثقافية التي تحدثت عنها.

في زمن كانت قصيدة النثر تهمة، كان الماغوط يسمى “الأب الشرعي لقصيدة النثر”، بينما سنية التي تكتب نفس الجنس الشعري، كانت تقدم دائماً بلقب “زوجة الماغوط”. حتى في ويكيبيديا، أول تعريف لها: زوجة الماغوط.

تقول في إحدى قصائدها التي تصور علاقتها بالرجل/المرض معاً:

“إنك من الزرنيخ يا سيدي
أفتح فمي كل صباح وأبتلع جزءاً منك
ولم تنته
قلت سيأتي يوم أتوحش فيه وأفترسك
ثم أستريح”

كتبت الشعر حتى لا تموت، كما كانت تقول. لكن المرض سرقها. نفس مرض والدتها، وفي نفس العمر تقريباً. أصيبت بالسرطان، وعالجت عشر شهور في مشفى بضواحي باريس على نفقة القصر الجمهوري السوري آنذاك، وتوفيت في باريس 17 آب 1985، عن 50 عاماً فقط.

كتب الماغوط على شاهدة قبرها الجملة التي خلدتها أكثر من كل دواوينها:
“هنا ترقد الشاعرة سنية صالح – آخر طفلة في العالم”

ما الذي يميز شعرها عن الماغوط؟

الماغوط كان شاعر الصراخ، المدينة، الخيبة السياسية، “الفرح ليس مهنتي”.

سنية كانت شاعرة الداخل، الجسد، الخوف، الأمومة، الورد. لغتها أكثر رقة وأكثر كثافة وجودية. إذا كان الماغوط يكتب ليهدم العالم، فسنية تكتب لتجد زاوية صغيرة تختبئ فيها من العالم.

قالت عن نفسها:
“أنا سنية صالح
المرأة التي ارتبكت عندما فاجأني الحب
والتي خدعني جسدي عندما احتضنه المرض”

اليوم، بعد أكثر من 40 سنة من رحيلها، تعيد الأجيال الجديدة اكتشافها. لأنها لم تكتب قصيدة نثر “رجولية” صاخبة، بل كتبت قصيدة نثر أنثوية، يومية، هشة، تشبه الكتابة التي نحتاجها الآن.

#شعر شعراء#,مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم