سلط مهرجان برلين السينمائي ،الضوء على مرحلة الشيخوخة بشكل مبهج ولطيف.

#مهرجان_برلين يكتشف الشيخوخة ببهائها وانكساره اتحضر الشيخوخة، متوهجة في بهائها كما في انكسارها، في مسابقة الدورة الحالية من مهرجان برلين السينمائي. وقد تجلت في فيلمين مؤثرين، النمساوي “الرجل الأكثر وحدة في المدينة” للمخرجين تيزا كوفي وراينر فريمل، والأميركي “يو – الحب طير ثائر” لكل من آنا فيتش وبانكر وايت. واللافت أن العملين ولدا من شراكة إخراجية، صيغت برهافة “أربعة أياد” تنسج رؤية واحدة من حساسيات عدة.في زمن تميل فيه السينما الجماهيرية إلى مهادنة الذائقة السريعة واسترضاء جمهور منهك يبحث عن المتعة الفورية، اختار هؤلاء المخرجون الأربعة أن يوجهوا كاميراتهم نحو أجساد تراكم عليها العمر ووجوه أرهقتها التجارب، غير أن المفارقة تكمن هنا تحديداً: ففي تلك الملامح المتعبة ومضات شباب وطموح عنيد يطرح تساؤلات حول مفهوم العمر.من هذا اللقاء بين الوهن والحيوية، تنبع أهمية الفيلمين، إلى جانب قيمتهما الفنية، فكل عمل منهما يشق مساره التعبيري على نحو مغاير للآخر، سواء في البناء السردي أو في الإيقاع البصري، على رغم تقاطعهما في التيمة والمدة الزمنية التي لا تتجاوز 90 دقيقة. إنهما شهادتان متكاملتان على أن الشيخوخة لا تعني الأفول. في “الرجل الأكثر وحدة في المدينة” نتعرف إلى آل كوك، ثمانيني يعيش مطوقاً بذاكرته، متشبثاً بماض لم يحسن تجاوزه. منذ العنوان يضعنا الفيلم أمام هاجسه: الوحدة هي الرفيقة التي لا ترحم للشيخوخة في مدينة أوروبية مثل فيينا، حيث تدور الأحداث. كي نقترب من آل ونتعاطف معه يحملنا الفيلم إلى مساحته الحميمية: شقته الصغيرة في قبو مكتظ بالكتب وأشرطة الفيديو وأسطوانات الفينيل. أرشيف شخصي لحياة كانت تضج بالوعود قبل أن تتبعثر تحت وطأة الخيبات. تقتحم الكاميرا هذا العالم الساكن، نابشة طبقات الذاكرة، هناك حيث يقبع بطلنا الظريف، ساخراً من نفسه بمرارة أحياناً، فيما الحياة تمضي في الخارج بإيقاعها اللامبالي، غير عابئة بمن تخلفوا عن قطارها.غير أن الفيلم لا يركن إلى استعادة نوستالجية، ولا يغرق في تأمل رتيب للماضي، إذ يضع بطله في مواجهة مباشرة مع الحاضر: شركة عقارية تعتزم هدم المبنى تمهيداً لاستثمار الأرض، فينتزع من الرجل ملاذه الأخير، ليترك ـ حرفياً ومجازاً ـ على أنقاض حياته السابقة، ماذا يتبقى من إنسان يستمد معنى حياته من ذاكرته؟ وكيف يعاد بناء الذات حين يمحى مسرحها؟ أمام هذا الواقع لا يجد آل خلاصه إلا في قفزة نحو المجهول: شراء تذكرة بلا عودة إلى الولايات المتحدة، إلى مكان لا يعرف فيه أحداً، قرار يبدو، في آن معاً، تهوراً متأخراً وبداية محتملة، كأن الشيخوخة تتجرأ أخيراً على المغامرة.# هوفيك حبشيان# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم