سلسلة نساء ملهمات .. د. ماريا مونتيسوري .. ثورة تعليمية تبدأ من احترام الطفل

بقلم: د. إيمان بشير ابوكبدة

تُعد ماريا مونتيسوري (1870–1952) واحدة من أبرز الشخصيات التربوية في التاريخ الحديث، إذ أحدثت ثورة حقيقية في فهمنا لعملية التعليم، من خلال منهجها الذي يضع الطفل في مركز العملية التعليمية، ويمنحه الحرية لاكتشاف العالم وفق إيقاعه الخاص.

النشأة والتكوين

وُلدت ماريا مونتيسوري في 31 أغسطس 1870 في بلدة كيارافالي بإيطاليا، في أسرة متعلمة؛ كان والدها موظفًا حكوميًا، بينما عُرفت والدتها بحبها للقراءة. انتقلت العائلة إلى روما في طفولتها، وهناك بدأت رحلتها التعليمية التي تميزت بكسر القيود الاجتماعية المفروضة على النساء آنذاك.

انتقلت عائلة مونتيسوري إلى روما أواخر عام 1874، وفي عام 1876 التحقت ماريا الصغيرة بالمدرسة الحكومية المحلية في شارع سان نيكولو دا تولينتينو. ومع تقدم دراستها، بدأت تكسر الحواجز التي كانت تحد من مسيرة المرأة المهنية. من عام 1876 إلى عام 1890 واصلت دراستها في المعهد الفني الملكي ليوناردو دا فينشي، الذي التحقت به بنية أن تصبح مهندسة. كان هذا الأمر غير مألوف في ذلك الوقت، حيث كانت معظم الفتيات اللواتي يتابعن تعليمهن الثانوي يدرسن الأدب الكلاسيكي بدلاً من الالتحاق بالمدارس الفنية.

بعد تخرجها، شجعها والدا مونتيسوري على امتهان التدريس، وهي إحدى المهن القليلة المتاحة للنساء آنذاك، لكنها كانت مصممة على الالتحاق بكلية الطب لتصبح طبيبة. عارض والدها هذا المسار – إذ كانت كلية الطب حكرًا على الذكور آنذاك – وفي البداية رُفض قبول ماريا من قِبل مدير المدرسة. لكنها لم تثنِ عزيمتها، ويبدو أنها أنهت المقابلة غير الناجحة مع الأستاذ بقولها: “أعلم أنني سأصبح طبيبة”.

1890 التحقت بجامعة روما حيث درست الفيزياء والرياضيات قبل أن تحقق حلمها بدخول كلية الطب. وفي عام 1896، أصبحت من أوائل الطبيبات في إيطاليا، رغم الصعوبات والتحيز الذي واجهته.

في سبتمبر من العام نفسه، طُلب منها تمثيل إيطاليا في المؤتمر الدولي للمرأة في برلين، وفي خطابها أمام المؤتمر، طرحت أطروحة للإصلاح الاجتماعي، مؤكدةً على حق المرأة في الحصول على أجور متساوية مع الرجل. سألها أحد الصحفيين الذين كانوا يغطون الحدث عن ردود فعل مرضاها تجاه طبيبة، فأجابت: “…يدركون بالفطرة متى يهتم بهم أحدهم حقًا… الطبقات العليا وحدها هي التي لديها تحيز ضد المرأة التي تعيش حياة منتجة.”

من الطب إلى التعليم

خلال عملها الطبي، خاصة مع الأطفال، أدركت مونتيسوري أن المشكلة لا تكمن فقط في المرض، بل في غياب البيئة التعليمية المناسبة. تأثرت بأعمال جان مارك إيتارد وإدوارد سيغوين، وبدأت تطوير أساليب تعليمية جديدة تعتمد على التحفيز الحسي والتجربة.

ولادة منهج مونتيسوري

في عام 1907، أسست أول “دار للأطفال” في روما، حيث طبّقت أفكارها عمليًا. اعتمدت على بيئة تعليمية مُهيأة وأدوات تساعد الطفل على التعلم الذاتي. وقد حقق الأطفال نتائج مذهلة، مما ساهم في انتشار منهجها عالميًا.

فلسفتها التربوية

قامت فلسفتها على مبادئ أساسية، أهمها:

احترام استقلالية الطفل

التعلم من خلال التجربة

دور المعلم كمرشد لا كمُلقّن

تنمية الانضباط الداخلي

وكانت ترى أن التعليم الحقيقي هو الذي يُنمّي شخصية الإنسان، لا الذي يقتصر على حشو المعلومات.

حياتها العالمية وتأثيرها

سافرت مونتيسوري إلى العديد من الدول لنشر منهجها، بما في ذلك الولايات المتحدة والهند، حيث طورت مفهوم “التعليم الكوني”. كما واجهت تحديات سياسية خلال صعود الأنظمة الفاشية، لكنها واصلت رسالتها بإصرار.

في عام 1929، أسست جمعية مونتيسوري الدولية، واستمرت في العمل والتدريب حتى سنواتها الأخيرة.

ترشيحها لجائزة نوبل

رُشِّحت ماريا مونتيسوري لنيل جائزة نوبل للسلام ثلاث مرات في أعوام 1949 و1950 و1951، وذلك تقديرًا لدورها في ربط التعليم بثقافة السلام، وإيمانها بأن بناء عالم أفضل يبدأ من تربية الطفل على الحرية والمسؤولية.

أشهر أقوالها

تعكس أقوال مونتيسوري عمق فلسفتها التربوية والإنسانية، ومن أبرزها:

“الطفل ليس إناءً نملؤه، بل شعلة نُشعلها.”

“أعظم علامة على نجاح المعلم هي أن يقول: الأطفال يعملون كما لو أنني غير موجود.”

“اللعب هو عمل الطفل.”

“ما يفعله الطفل اليوم بمساعدة، سيتمكن من فعله غدًا بمفرده.”

“التعليم هو السلاح الأفضل للسلام.”

“الحرية والانضباط ليسا متعارضين، بل يكمل أحدهما الآخر.”

وفاتها وإرثها

توفيت ماريا مونتيسوري في 6 مايو 1952 في هولندا، بعد حياة حافلة بالعطاء. لكنها تركت إرثًا تربويًا عالميًا، يتمثل في آلاف المدارس التي تعتمد منهجها حتى اليوم.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم