سقراط في مقولتة الشهيرة”أعرف شيئا واحدا، وهو أنني لا أعرف شيئا”

“أعرف شيئا واحدا، وهو أنني لا أعرف شيئا” – سقراط

تقوم الفلسفة في جوهرها على مفارقة تتمثل في أن الطريق إلى المعرفة يبدأ من إفراغ العقل من يقينياته المسبقة. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى متعارضة مع طبيعة التفكير الإنساني الذي يسعى إلى مراكمة المعلومات لسد فجوة الجهل. كيف يمكن لحالة “اللا-معرفة” المكتشفة بوعي أن تكون أقرب إلى الحكمة من المعرفة المظنونة؟ تتضح هذه المفارقة وتُحل عقدتها من خلال المواجهة التي خاضها الفيلسوف اليوناني لتقييم الحكمة البشرية، وهي مواجهة قادته إلى إعادة تعريف مفهوم الجهل ذاته.

بدأت هذه الرحلة بعد إعلان راعية معبد دلفي أنه أحكم الرجال. يحكي الفيلسوف أنه شرع في محاورة الساسة والشعراء وأرباب الصناعات، ليكتشف أن كل فئة تشترك في عيب معرفي واحد؛ فبمجرد إتقانهم مهارة فنية محددة، يتوهمون قدرتهم على البت في أعقد المسائل وأعظمها شأنا. أدرك سقراط أن محاوريه يعانون جهلا مركبا، فهم لا يعلمون، ويجهلون أنهم لا يعلمون. من هنا يفكك سقراط المفارقة: الحكمة السقراطية لا تعني امتلاك حقائق علوية أو أسرار كونية، بل تتجسد في التطابق بين حدود المعرفة الفعلية والوعي بتلك الحدود. رجحان كفته على خصمه السياسي ينبع من كونه نقّى عقله من وهم المعرفة الكاذبة.

يتأكد هذا المعنى عند النظر في حالة أرباب الصناعات اليدوية. يقر سقراط بأن الصناع يمتلكون معرفة حقيقية في تخصصاتهم التقنية، تفوق ما يمتلكه هو نفسه في ذلك المجال. غير أن هذه المهارة المحدودة دفعتهم إلى ادعاء الحكمة في مجالات أخرى تخرج تماما عن نطاق تخصصهم. هذا الخلط بين “المعرفة الأدائية” المحدودة و”الحكمة الكلية” الشاملة أفسد ما لديهم من علم حقيقي، وجعل العقل الفارغ المدرك لفراغه أكثر قابلية لاستقبال الحقيقة من العقل الممتلئ بالغرور والادعاء.

تصطدم هذه الرؤية السقراطية بطروحات المدرسة السفسطائية التي عاصرتها. أسس السفسطائيون، أمثال بروتاغوراس وهيبياس، مشروعهم على تسليع المعرفة وادعاء القدرة على تعليم الفضيلة والحكمة لقاء أجر مادي. تعامل السفسطائيون مع الحكمة بوصفها بضاعة جاهزة للاستهلاك والنقل من معلم إلى تلميذ، مدعين إحاطتهم التامة بفنون الجدل وإدارة الدولة. يقف المنهج السقراطي على طرف مقابل لهذا الادعاء، إذ يجرد المعلم من سلطة التلقين، ويحوله إلى وسيط أو باحث مشارك يبدأ من أرضية الصفر المعرفي المشترك، جاعلا من الاعتراف بالجهل معيارا أول للنزاهة الفكرية.

شكل هذا الإقرار بحدود الإدراك البشري نقطة تحول في مسار العقل الإنساني. غيّرت هذه الرؤية وظيفة الفلسفة، فحولتها من مصنع لإنتاج الأجوبة الجاهزة واليقينيات المطمئنة، إلى أداة مستمرة لمساءلة القناعات والمسلمات المستقرة.

#الفلسفة_اليونانية #الجهل_المقدس #سقراط#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم