د.نادي شلقامي
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يُنظر أحيانًا إلى الشخص “اللي شكاك دايمًا” أو “سيء الظن بالناس” على أنه مجرد صفة شخصية مزعجة أو “عيب أخلاقي”، أو حتى “قلة دين”.
لكن الواقع الطبي والنفسي يُظهر أن هناك حالة مرضية مزمنة تتجاوز مجرد “سوء الظن العادي”، وتُسمى “اضطراب الشخصية الارتيابية” (Paranoid Personality Disorder – PPD)، أو ما يُعرف بالعربية أحيانًا بـ”اضطراب الشخصية الزوراني” أو “البارانويدي”.
هذا الاضطراب يدمر العلاقات الاجتماعية والأسرية والمهنية، ويُسبب معاناة كبيرة لصاحبه ولمن حوله.
في هذا التقرير الاستقصائي نستعرض التسميات المختلفة له في التخصصات، أسبابه، أعراضه، علاجه، كيفية التعامل مع المريض، وعُمر المرض.
أولا….. التسميات في التخصصات المختلفة
1- في الطب النفسي (DSM-5 وICD-11) : اضطراب الشخصية الارتيابية (Paranoid Personality Disorder – PPD) أو اضطراب الشخصية الزورانية. يُصنف ضمن مجموعة A (الغريبة/الغرائبية) من اضطرابات الشخصية.
2- في علم النفس : اضطراب شخصية بارانويدي أو نمط شخصية شكاكة مزمنة (chronic mistrustful personality pattern). يُركز على آليات الدفاع النفسي مثل الإسقاط (projection).
3- في علم الاجتماع : لا يوجد تشخيص رسمي بهذا الاسم، لكن يُدرس كظاهرة اجتماعية تحت مسميات مثل “الثقافة الارتيابية” أو “انعدام الثقة الاجتماعية المعمم” (generalized social mistrust)، خاصة في مجتمعات تعاني من صدمات جماعية (حروب، تمييز، خيانات سياسية) أو في بيئات ذات رأسمالية تنافسية شديدة.
4- في الدين (الإسلام تحديدًا) : لا يُسمى “مرضًا” بالضرورة، بل يُوصف بـ”سوء الظن”، ويُعتبر من أمراض القلوب الكبرى. قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات:12).
وفي الحديث: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». يُربط أحيانًا بالوسواس أو تأثير الشيطان، لكن العلماء المعاصرون يفرقون بين سوء الظن العادي (الذي يُعالج بالتقوى والذكر) وبين الحالة المرضية التي تحتاج تدخلًا طبيًا.
ثانيا…. الأسباب الرئيسية
لا يوجد سبب واحد، بل تفاعل عوامل:
1- وراثية وبيولوجية : ميل عائلي لاضطرابات الشخصية أو الفصام.
2- بيئية في الطفولة : إساءة معاملة، إهمال، خيانة متكررة من الوالدين أو الأقارب، تجارب اضطهاد أو تمييز.
3- نفسية : آليات دفاعية مفرطة (الإسقاط، النفي) لحماية الذات من الشعور بالضعف.
4- اجتماعية/ثقافية : نشأة في بيئة مليئة بعدم الثقة (مجتمعات ما بعد الصراع، فساد مؤسسي، إعلام يروج نظريات المؤامرة).
5- في الجانب الديني : ضعف اليقين، كثرة الذنوب، الابتعاد عن الذكر، أو تأثير الوسواس الشيطاني (لكن هذا لا ينفي الجانب المرضي العضوي).
ثالثا… الأعراض الرئيسية (المزمنة والمستمرة منذ البلوغ المبكر)
1- شك دائم وغير مبرر في أن الآخرين يخدعونه أو يستغلونه أو يؤذونه.
2- قراءة المعاني الخبيثة وراء كل كلمة أو تصرف عادي.
3- احتباس عاطفي للمواقف السلبية مع دفاعية حادة تجاه رأي أو نقد الآخرين.
4- شك في ولاء الزوج/الزوجة أو الأصدقاء أو الزملاء بدون دليل.
5- عزلة اجتماعية، صعوبة في تكوين علاقات حميمة.
6- نزعة عدائية أو دفاعية، وقد يلجأ للانتقام أحيانًا.
7- غالبًا لا يرى المريض نفسه مريضًا، بل يرى أن “الناس هم المشكلة”.
رابعا….. العلاج
العلاج صعب جدًا لأن المريض لا يثق بالمعالج أصلاً.
1-العلاج النفسي الأساسي : العلاج السلوكي المعرفي (CBT) المعدل لاضطرابات الشخصية، أو العلاج النفسي الديناميكي طويل الأمد (لكن نادرًا ما يلتزم المريض).
2- الدوائي : لا يوجد دواء خاص، لكن تستخدم أحيانًا مضادات الذهان من الجيل الثاني (ريسبيريدون، أولانزابين) بجرعات منخفضة إذا كان هناك تفكير شبه ذهاني، أو مضادات اكتئاب/قلق إذا اقترن بالاكتئاب.
3- من الجانب الديني : الإكثار من الاستغفار، قراءة القرآن (خاصة سورة الحجرات)، الدعاء بحسن الظن، مجالسة الصالحين، تجنب مجالس الغيبة والنميمة.
خامسا…..كيفية التعامل مع المريض (نصائح عملية للأهل والأصدقاء)
1- لا تحاول إقناعه بأنه “مريض” مباشرة → يزيد شكه.
2- كن ثابتًا وصادقًا وشفافًا جدًا في التصرفات.
3- تجنب النقاشات العاطفية الحادة أو النقد المباشر.
4- شجعه بلطف على استشارة طبيب نفسي “للتوتر” أو “للنوم” (مدخل غير مباشر).
5- ضع حدودًا واضحة إذا أصبح عدوانيًا أو مسيئًا.
6- احمِ نفسك نفسيًا؛ العيش مع شخص بارانويدي مرهق جدًا.
سادسا…. عمر المرض (متى يبدأ وكم يستمر؟)
يبدأ عادة في “البلوغ المبكر” (أواخر المراهقة – أوائل العشرينيات)، ويكون نمطًا شخصيًا مزمنًا يستمر مدى الحياة في أغلب الحالات إذا لم يُعالج.
لا يختفي تلقائيًا مع التقدم في العمر، بل قد يخف حدة بعض الأعراض بعد الـ50–60 سنة، لكنه يبقى موجودًا. نادرًا ما يبدأ في سن متأخرة (إلا إذا كان عرضًا لمرض عضوي كالزهايمر أو الفصام المتأخر).
وختاما…فإن إضطراب الشخصية الارتيابية ليس مجرد “سوء ظن” يُعالج بالموعظة فقط، ولا هو “ضعف إيمان” بحت يُحل بالعبادة وحدها. إنه حالة مركبة تجمع بين عوامل نفسية وبيولوجية وبيئية واجتماعية وروحية. التعامل معه يحتاج توازنًا بين اللجوء إلى الطب النفسي الحديث وحسن الظن والتقرب إلى الله.
المجتمع والأسرة يلعبان دورًا كبيرًا في تخفيف معاناته، لكن الشفاء الحقيقي يبدأ عندما يقرر المريض نفسه – ولو بخطوة صغيرة – أن “ربما أنا الذي أرى الأمور بشكل مشوه”. حتى ذلك الحين، يبقى سوء الظن جدارًا يفصل بين الإنسان ومن حوله، ويحول الحياة إلى سجن من الشكوك لا ينتهي.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

