في قلب الصحراء السورية، وعلى طريق القوافل الذي يربط الشرق بالغرب، قامت مدينة بالميرا (تدمر)؛ مدينة لا تشبه غيرها: ثرية، منفتحة، تجمع بين الحضارة الشرقية والرومانية.
هناك، حوالي عام 240م، وُلدت فتاة قدّر لها أن تغيّر موازين القوى في العالم القديم: زنوبيا.
الأصل والنشأة
اختلف المؤرخون في نسب زنوبيا، لكنها كانت تؤكد – لأسباب سياسية ورمزية – أنها تنحدر من كليوباترا السابعة، ملكة مصر الشهيرة.
ما نعرفه يقينًا أنها عربية الأصل، نشأت في بيئة مثقفة، وتعلّمت:
الآرامية (لغة تدمر) العربية اليونانية اللاتينية وكانت مطلعة على الفلسفة والتاريخ، وتقرأ لهوميروس وأفلاطون.
لم تكن امرأة عادية، بل فارسة، صيّادة، قوية الشخصية، شديدة الطموح.
الزواج من أوديناثوس: صعود بالميرا
في عام 258م، تزوجت من أوديناثوس، حاكم تدمر وأقوى رجل في الشرق الروماني.
كان أوديناثوس ذكيًا؛ فعندما اجتاح الفرس الساسانيون أراضي روما وهزموا الإمبراطور فاليريان وأَسَروه، وقف أوديناثوس في وجههم، ودحرهم بقوة.
مكافأةً له، منحه الرومان لقب:
“ملك الشرق”
أصبحت تدمر الحارس الفعلي للحدود الشرقية لروما، وبرز نجم زنوبيا كزوجة تشارك زوجها الحكم والرأي.
الاغتيال والانتقام
عام 267م، وقعت الكارثة: اغتيل أوديناثوس
وقُتل ابنه الأكبر معه
في لحظة واحدة، أصبح العرش بلا ملك… والوريث طفل لا يتجاوز 10 سنوات:
فابالاثوس.هنا ظهرت زنوبيا الحقيقية.
تولت الوصاية على العرش أعدمت قتلة زوجها بلا رحمة أمسكت بزمام الجيش والسياسة والاقتصاد
لم تكن وصية ضعيفة… بل حاكمة فعلية.
استغلال ضعف روما وبناء الإمبراطورية
كانت الإمبراطورية الرومانية غارقة في ما يُعرف بـ أزمة القرن الثالث:
حروب أهلية أباطرة يتساقطون واحدًا بعد الآخر أوبئة وانهيار اقتصادي رأت زنوبيا الفرصة… واغتنمتها.
الغزوات الكبرى
بين 269 – 270م:
سيطرت على سوريا ضمت فلسطين اجتاحت مصر (شريان روما الغذائي!) تمددت في الأناضول
وهكذا وُلدت:
الإمبراطورية البالميرية دولة مستقلة عمليًا، وإن كانت تتظاهر بالولاء لروما في البداية.
إعلان التحدي
لم تكتفِ زنوبيا بالحكم من وراء ستار:
لقبت نفسها بـ “أوغستا” (الإمبراطورة)
سكّت العملات باسمها وباسم ابنها
قطعت الإمدادات عن روما
كانت تقول ضمنًا:
الشرق لم يعد تابعًا لروما.
حكم زنوبيا
رغم توسعها العسكري، اشتهرت زنوبيا بـ:
العدل
التسامح الديني
حماية الفلاسفة والمثقفين ومنهم الفيلسوف الشهير لونجينوس.
كانت ترى نفسها وريثة لحضارات الشرق القديمة، لا مجرد متمردة.
أوريليان… نهاية الحلم
لكن روما لم تنسَ.
في عام 272م، خرج الإمبراطور أوريليان بنفسه إلى الشرق:
هزم جيش زنوبيا في أنطاكية ثم في إميسا (حمص)
هربت زنوبيا مع ابنها محاولة الوصول إلى الفرس، لكنها أُسرت عند الفرات حوصرت تدمر… واستسلمت.
التدمير والنهاية الغامضة
عام 273م، ثارت تدمر مجددًا، فجاء الرد الروماني قاسيًا:
دُمّرت المدينة قُتل أهلها انتهى مجدها إلى الأبد
مصير زنوبيا
اختلفت الروايات:
رُبطت بسلاسل ذهبية وسيرت في موكب النصر بروما، ثم ماتت.
أو عفا عنها أوريليان، وتزوجت من سناتور روماني، وعاشت بهدوء في فيلا قرب روما.
الخلود في التاريخ
مهما كان مصيرها، بقي اسمها:
أعظم امرأة حكمت الشرق القديم
المرأة الوحيدة التي أسست إمبراطورية وواجهت روما علنًا
رمز وطني سوري حتى اليوم
زنوبيا لم تُهزم في الذاكرة…
بل انتصرت إلى الأبد.
#مجلة إيليت فوتو آرت


