ريشةٌ دافئة للتشكيلي:ممتاز البحرة ،التي وثّقت التاريخ وصنعت وجدان الأجيال.

ممتاز البحرة: ريشةٌ دافئة وثّقت التاريخ وصنعت وجدان الأجيال

كان الفنان السوري ممتاز البحرة الذي ولد في حلب في التاسع من أيار عام ثمانية وثلاثين وتسعمئة وألف لأسرة دمشقية عريقة ساحراً حقيقياً ومبدعاً فريداً، وجاء ميلاده في الشهباء بحكم عمل والده المربي والرياضي الأستاذ محمود البحرة كمفتش لمادة التربية الرياضية هناك، ليرسم باللون والحلم وتتحول خطوطه المرنة إلى أرواح تسكن دفاتر الأطفال وتصنع أعياداً بهيجة في صفحاتهم، بعد أن بدأ دراسة الفنون الجميلة في القاهرة إبان الوحدة مع زملائه نذير نبعة وغازي الخالدي ومحيي اللباد، لكن أحزاناً متتالية أصابته بفقد شقيقه أثناء الدراسة في ألمانيا ثم وفاة والده وهو في الخامسة والعشرين من عمره، مما حال دون إتمام سنته الرابعة في مصر وعاد إلى دمشق ليلتحق بكلية الفنون الجميلة الفتية مع دفعتها الأولى ويبدأ من السنة الثانية مجدداً تحت إشراف أساتذة كبار مثل محمود حماد وحسين إسماعيل ومحمود جلال وسعيد تحسين، ليتخرج متميزاً باختصاص التصوير الفني ويبدأ مشواره العملي مدرساً للفنون في الحسكة لعامين بمعهد إعداد المدرسين ثم في ثانويات دمشق قبل أن يستقيل مبكراً لتضارب التدريس مع شغفه الفني ويتفرغ للصحافة، حيث صار الأب الروحي لأدب الأطفال السوري والعربي وصانع تلك الرباعية الخالدة “باسم ورباب ومازن وميسون” في كتب القراءة الابتدائية، لتتحول الحروف بفضله إلى ألعاب ناعمة تبتسم للتلاميذ من تحت الجدائل السوداء والقمصان البيضاء، وتعلمهم كيف تكون البراءة حلوة وكيف يكون الوطن وردة لا تذبل أبداً، ومثلما كان ركيزة أساسية لمجلة أسامة منذ تأسيسها عام تسعة وستين وتسعمئة وألف بالتعاون مع الكاتب عادل أبو شنب ابتكر شخصيات مثل أسامة الصبي الفدائي وشنتير وماجد لكي تجالسنا في الغرف المظللة أيام الشتاء وتروي لنا حكايات البطولة والمقاومة بلغة تفهمها القلوب قبل العقول، بأسلوب يمزج البساطة العميقة بالتعبير الصادق فكانت ألوانه المشرقة تخترق عتمة الأيام العادية وتجسد مشاعر مكتملة الملامح لفلاح يحمل سنبلة أو طفلة تحضن كتابها، ولم تقتصر ريشته على عالم الصغار بل امتدت لتوثق التاريخ بلوحات ملحمية ضخمة تتقدمها لوحة معركة ميسلون في نصب الجندي المجهول إلى جانب براعته في الكاريكاتير السياسي والاجتماعي الساخر في كبرى الصحف حتى تعرضت عائلته للتضييق مطلع الثمانينات واعتزل الكاريكاتير، وجاء عام ألفين واثنين لترحل رسوماته وشخصياته الحبيبة من المناهج المدرسية الرسمية وكأن الريح جرفت معها جزءاً من وجدان الطفولة، ثم يكتمل الغياب برحيله وحيداً في دار السعادة بدمشق في السادس عشر من كانون الثاني عام ألفين وسبعة عشر عن عمر ناهز تسعة وسبعين عاماً ليكون خبر غيابه موجعاً بعمق لأننا لم نفقد مجرد فنان قدير بل من جعل للكتاب المدرسي رائحة مختلفة وعلم جيلاً بأكمله كيف يكون الحنين إلى الأيام الأولى مؤلماً ومقدساً، تاركاً تفاصيل ريشته تتوزع بين طيات الدفاتر القديمة وفي زوايا الذاكرة السورية والعربية التي تأبى النسيان.

سوريات_souriat

سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1012

أخر المقالات

منكم وإليكم